قواعد المرور في القانون الدولي للبحار: مضيق هرمز نموذجًا (2/2)
استكمالاً للجزء الأول من هذه الدراسة، وفي ضوء ما يحظى به مضيق هرمز من اهتمام سياسي واقتصادي واستراتيجي على المستويين الإقليمي والدولي، يستعرض هذا الجزء النظام القانوني المطبق على مضيق هرمز، ومدى جواز إنشاء نظام عبور خاص أو فرض رسوم على السفن، وأثر الأعمال العسكرية أو العدائية على نظام المرور، ودور المنظمة البحرية الدولية (IMO) واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS)، إضافةً إلى الأحكام المتعلقة باختصاص المحكمة الدولية لقانون البحار(TIDM)، ومدى الاستناد إلى قواعد القانون الدولي العرفي، وأبرز السوابق القضائية الدولية ذات الصلة بالملاحة في المضائق الدولية.
أولاً: النظام القانوني المطبّق على مضيق هرمز: (أعالي البحار) أم (المياه الإقليمية)؟
لا تُعدّ المنطقة البحرية لمضيق هرمز أعالي البحار بالكامل، ولا مياهاً إقليمية بالكامل، ويخضع وضعها لقانون البحار الدولي للأسباب التالية، إذ يربط المضيق الخليج العربي بخليج عُمان والمحيط الهندي، ويبلغ عرضه في أضيق نقطة حوالي 33 كيلومتراً، كما يحدّه من الشمال إيران، ومن الجنوب عُمان (عبر شبه جزيرة مسندم). وبما أن لكل دولة الحق في المطالبة بما يصل إلى 22 كيلومتراً تقريباً من المياه الإقليمية، فإن المياه الإقليمية الإيرانية والعُمانية تتداخل، ولذلك لا تُعتبر أعالي بحار في المضيق.
وفي المقابل، تنص اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS) على نظام محدّد يُسمّى حق العبور (المادة 42)، ويحق لسفن وطائرات جميع الدول عبور المضيق بشكل مستمر وسريع (المادة 38)، كما لا يجوز للدول الساحلية تعليق هذا الحق، على عكس حق المرور البريء (المادة 45) المطبق في المياه الإقليمية.
ومع ذلك، ثمة فرق جوهري بين البلدين:
– سلطنة عُمان طرف في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار.
– إيران وقّعت على الاتفاقية لكنها لم تُصادق عليها، وتؤكد أنها ملزمة فقط بمنح حق المرور (البرّيء) لسفن محددة.
وفي المقابل، تعتبر معظم الدول، ولا سيما القوى البحرية الكبرى، حق المرور العابر في مضيق هرمز خاضعاً للقانون الدولي العرفي، وتُطبّقه على أي حال.
ولا ينطبق نظام أعالي البحار على المياه الإقليمية لإيران وعُمان، التي تشمل المضيق بأكمله. أما فيما يتعلق بحرية الملاحة، فإن مبدأ حق المرور العابر مكرّس دولياً، رغم أن تفسير ذلك يعرف خلافات قانونية وسياسية.
ثانياً: هل يمكن للدول المطلّة على المضيق إنشاء نظام عبور خاص، مع فرض رسوم؟
لا تتضمن أحكام معاهدة قانون البحار هذا الاحتمال، إذ يُقيّد القانون الدولي بشدة قدرة الدول المطلة على المضايق على فرض رسوم في مضيق يُستخدم للملاحة الدولية، مثل مضيق هرمز، وذلك للأسباب التالية:
– يهدف نظام المرور العابر إلى ضمان انسيابية حركة التجارة البحرية العالمية، وإن فرض كل دولة رسوم عبور يمنحها السيطرة على أحد الطرق الاستراتيجية أو عرقلتها.
– لا تنص اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار على إمكانية فرض رسوم عبور على السفن التي تمارس حق المرور.
ومع ذلك، يجوز للدول الساحلية تحصيل رسوم مقابل الخدمات المقدمة فعلياً، مثل:
– الإرشاد البحري (اختياري).
– السحب (القطر).
– المساعدة في الملاحة.
– البحث والإنقاذ أو مكافحة التلوث.
لا يجوز إلزام كل سفينة بدفع رسوم عبور للمضيق، حتى لو تم تقديم هذه الأموال على أنها مخصصة لتمويل أمن المضيق. إلا أن هناك استثناءين محتملين:
1. الاستثناء الأول، اتفاقية دولية: إذا أبرمت الدول الرئيسية المستخدمة للمضيق والدول الساحلية معاهدةً تُنشئ نظام تمويل مشترك، فسيكون ذلك ممكناً من الناحية القانونية.
2. الاستثناء الثاني، يتمثل في قرار أحادي الجانب: لا يزال بإمكان الدول المُطِلّة على مضيق هرمز فرض رسوم عبور، لكن من المرجح أن تعتبر غالبية الدول المطلة على الخليج العربي ذلك مخالفًا للقانون الدولي، لأن هذا الإجراء يؤدي إلى احتجاجات دبلوماسية ونزاعات، وتوترات قد تؤدّي إلى عمليات عسكرية.
ويُعدّ مضيق هرمز حالة حساسة للغاية، إذ يمر عبره ما يقارب خُمس تجارة النفط العالمية، ولهذا السبب، يلتزم المجتمع الدولي التزاماً راسخاً بالحفاظ على حرية عبور هذا الممر المائي، حتى وإن كان يقع ضمن المياه الإقليمية. ويكمن المبدأ في أن سيادة الدول الساحلية تُمارس على مياهها الإقليمية، ولكنها مقيدة بحق العبور للحفاظ على شريان حيوي للتجارة الدولية.
ثالثاً: هل يُبرّر حصول أعمال عسكرية أو عدائية إنشاء نظام خاص للمرور عبر المضيق؟
يمكن النظر في هذا الأمر ضمن ضوابط كبيرة، وقد تبرر الأعمال العدائية العسكرية قرب المضيق اتخاذ تدابير أمنية مشددة، لكنها لا تُجيز تلقائيًا للدول المطلة على المضيق تعديل النظام القانوني المُطبَّق.
وفي هذا السياق، يمكن اتخاذ عدة تدابير، منها:
– تدابير الأمن البحري.
– إنشاء ممرات ملاحية.
– إصدار توصيات بشأن السرعة، وتحديد المناطق التي يجب تجنبها، وتوفير مرافقة بحرية، وزيادة الأمن والمراقبة.
– إصدار إشعارات للملاحين تُشير إلى المخاطر، مثل الألغام، والمناورات العسكرية، أو غيرها من الأنشطة العدائية.
– فرض قيود مؤقتة ومحددة الأهداف عند الضرورة لضمان سلامة الملاحة أو العمليات العسكرية، شريطة أن تكون متناسبة.
ومع ذلك، لا يمكن تعليق حق المرور العابر لمجرد أن المنطقة غير مستقرة، ففي فترات التوتر تحديدًا، يهدف هذا النظام إلى الحفاظ على استمرارية الملاحة الدولية.
وفي حال نشوب نزاع مسلح دولي، يصبح الوضع أكثر تعقيدًا، إذ تُطبّق مجموعتان من القواعد، هما:
– قانون البحار، الذي يحمي حق المرور العابر،
– القانون الدولي الإنساني، الذي يُنظّم العمليات العسكرية في البحر.
وفي هذا السياق، يجوز للدولة الساحلية اتخاذ تدابير معينة لحماية أمنها، لكن لا يجوز لها التذرع بالأعمال العدائية كأساس عام لإغلاق المضيق أو فرض رسوم، وأن أي إجراء يجب أن يكون ضرورياً ومتناسباً ومتوافقاً مع القانون الدولي.
كما يجب التمييز بين القانون والواقع، وقد تحاول دولة ما فرض قيود فعلية بسبب النزاع من خلال عمليات تفتيش أو تهديدات، لكن هذا لا يعني اعتراف المجتمع الدولي بشرعية هذه القيود، وغالباً ما تنشأ النزاعات الدبلوماسية، وأحيانًا الحوادث البحرية نتيجة هذا التصرّف.
رابعاً: دور المنظمة البحرية الدولية (IMO)
تضطلع المنظمة البحرية الدولية (IMO)، ومقرها لندن، بدورٍ هام، إلا أن صلاحياتها معيارية وفنية، وليست قسرية، فهي هيئة تنسيق وتوحيد أكثر منها سلطة قادرة على فرض نظام قانوني جديد.
كما يمكنها، على وجه الخصوص، اعتماد توصيات لتحسين السلامة الملاحية في مضيق هرمز، من خلال:
– إنشاء أو تعديل مخططات فصل حركة المرور، أي الممرات الملاحية المصممة للحد من مخاطر التصادم،
– تنسيق إجراءات الدول المعنية إيران، وعُمان، والدول الرئيسية المستخدمة للمضيق.
– نشر معلومات السلامة البحرية وأفضل الممارسات للسفن،
– وضع معايير تتعلق بسلامة السفن وحمايتها من الأعمال العدائية.
ومع ذلك، لا تستطيع المنظمة البحرية الدولية فرض رسوم عبور، أو تعديل الوضع القانوني لمضيق هرمز، أو تخويل أي دولة تقييد حق المرور، أو نشر قوة بحرية لإنفاذ قراراتها.
وإذا رأت الدول الساحلية ضرورةً لنظام خاص نظرًا للمخاطر الأمنية، يمكن للمنظمة البحرية الدولية أن تعمل كمنصة للتفاوض. وعلى سبيل المثال، يمكنها تسهيل التوصل إلى اتفاق بشأن:
– ممرات ملاحية إلزامية.
– إجراءات اتصال مُحسّنة
– تدابير مشتركة للوقاية من الحوادث.
– آلية لتقاسم تكاليف بعض الخدمات،
– وسائل مساعدة ملاحية ومركز مراقبة، شريطة أن تكون متوافقة مع القانون الدولي.
وأخيرًا، يتطلب أي تطور جوهري موافقة الدول الرئيسية المستخدمة للمضيق، نظرًا لأهمية مضيق هرمز كممر ملاحي عالمي.
خامساً: دور اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS)
اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS)، المُعتمدة عام 1982 في مونتيغو باي بجامايكا، ليست مؤسسةً تُقدّم حلولًا، بل هي معاهدة دولية تُشكّل إطارًا قانونيًا يُمكّن الدول من إيجاد حلول.
وتُقدّم الاتفاقية عدة آليات:
1. نظام المرور العابر (الجزء الثالث من الاتفاقية)، وهو الحل الرئيسي الذي تُقدّمه الاتفاقية للمضائق الدولية، ويسعى إلى التوفيق بين سيادة الدول الساحلية، وحرية الملاحة والتحليق للدول الأخرى.
2. تشجع الاتفاقية على التعاون بين الدول الساحلية والدول المستخدمة في المجالات التالية:
أ. سلامة الملاحة.
ب. حماية البيئة البحرية.
3. تشير اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS) غالباً إلى القواعد والمعايير الدولية المقبولة عموماً، والتي طورتها المنظمة البحرية الدولية (IMO) واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار على وجه الخصوص، وهي قواعد متكاملة، إذ تضع اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار الإطار القانوني، وتضع المنظمة البحرية الدولية القواعد الفنية.
4. تسوية المنازعات، إذا اختلفت الدول في تفسير الاتفاقية، فيمكنها اللجوء إلى آليات مختلفة، منها:
أ. المحكمة الدولية لقانون البحار (TIDM).
ب. محكمة العدل الدولية (ICJ)، (إذا قبلت الدول اختصاصها).
ت. هيئة تحكيم مشكلة وفقاً للملحق السابع من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار.
أما فيما يتعلق بالقيود:
لا تنص اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار على نظام خاص للمرور العابر عبر المضائق نظراً للظروف الجيوسياسية المتوترة. ولا يشمل ذلك، على سبيل المثال:
– فرض رسوم عبور.
– إغلاق مضيق دولي.
ومع ذلك، تمنح هذه الاتفاقية الدول هامشًا من المرونة لتبني تدابير أمنية متوافقة مع القانون الدولي، لا سيما عند الضرورة لحماية الملاحة أو البيئة. وأخيراً، توفر اتفاقية قانون البحار الأدوات القانونية لإدارة التوترات، لكنها لا تُنشئ، في حد ذاتها، نظامًا جديدًا يُطبق على مضيق هرمز، وأن أي تطور جوهري يتطلب اتفاقاً بين الدول المعنية، عادةً بدعم من منظمات مثل المنظمة البحرية الدولية، مع الالتزام بمبادئ اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار.
سادساً: هل يجوز لطرف لم يُصادّق على الاتفاقية اللجوء إلى المحكمة الدولية لقانون البحار؟
أُنشئت المحكمة الدولية لقانون البحار بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وكقاعدة عامة، لا يحق إلا للدول الأطراف في الاتفاقية استخدام آليات تسوية المنازعات الإلزامية المنصوص عليها فيها.
ومع ذلك، توجد استثناءات هامة:
1. الاتفاق الخاص بين الدول، إذ يجوز لدولتين الاتفاق، حتى لو لم تكن إحداهما طرفًا في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، على إحالة نزاع محدّد إلى المحكمة الدولية لقانون البحار، وفي هذه الحالة، تستند اختصاصات المحكمة إلى الرضا المتبادل، وليس إلى الاتفاقية نفسها.
2. المعاهدات الدولية الأخرى، تنص بعض الاتفاقيات الدولية على أن تسوية النزاعات بواسطة المحكمة الدولية لقانون البحار، وإذا كانت دولة واحدة فقط طرفاً في الاتفاقية، يجوز لها أحيانًا رفع دعوى أمام المحكمة استنادًا إلى تلك الاتفاقية.
وفي حالة إيران، التي وقّعت على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار عام 1982 ولم تصادق عليها، فهي ليست طرفاً في الاتفاقية. وبالتالي، لا يمكنها اتّخاذ إجراءات أحادية الجانب ضد دولة أخرى باستخدام الآليات الإلزامية لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، ولا يمكن لدولة أخرى إجبارها على ذلك من خلال هذه الآلية وحدها.
ومع ذلك، يمكن لإيران قبول اختصاص المحكمة الدولية لقانون البحار (TIDM) على أساس كل حالة على حدة، من خلال اتفاقية محددة مع دولة أخرى.
وعندما لا تكون الدولة طرفًا في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS)، غالبًا ما تُحل النزاعات عبر:
– المفاوضات الدبلوماسية.
– الوساطة.
– التحكيم المختص، إذا وافق الطرفان على ذلك.
وفي بعض الحالات، يمكن لمحكمة العدل الدولية (ICJ) أن تنظر في مثل هذه النزاعات، شريطة أن تكون الدول المعنية قد قبلت اختصاصها، وأن الفرق الرئيسي لا يكمن في غياب اختصاص قضائي مختص، بل في عدم موافقة الطرف الآخر على اختصاص المحكمة الدولية لقانون البحار بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار.
سابعاً: هل يمكن لبلد مطلّ على المضيق الاستناد إلى القانون العرفي لفرض نظام خاص؟
يمكن لبلد مطلّ على المضيق الاستناد إلى القانون الدولي العرفي، ولكن ليس من المؤكد أن هذه الحجة ستسمح له بتبرير نظام خاص مثل فرض رسوم في مضيق هرمز. ويجب التمييز بين سؤالين:
1. هل يمكن لطرف غير منضمّ لاتفاقية قانون البحار الاستناد إلى العرف الدولي؟
نعم، إن عدم انضمام دولة ما إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لا يعني إعفاءها من أي قواعد لقانون البحار. وأن جزءًا كبيرًا من قواعد اتفاقية قانون البحار يُعدّ انعكاساً للقانون الدولي العرفي، أي القواعد الناتجة عن ممارسة عامة ومتسقة للدول، مصحوبة بقناعة بأن هذه الممارسة ملزمة قانونًا. وتُقر إيران نفسها بأن بعض أحكام الاتفاقية تتوافق مع القانون العرفي.
2. هل يمكنها الاستناد إلى عرف لإنشاء نظام خاص؟
لدعم نظام خاص، يتعين إثبات وجود عرف دولي يُجيز للدول الساحلية، بموجب القانون الدولي ما يلي:
– فرض رسوم مرور
– جعل المرور مشروطًا بترخيص
– فرض قيود دائمة لأسباب أمنية. ولا يوجد مثل هذا العرف؛ بل على العكس، فإن الممارسة السائدة بين الدول هي الحفاظ على حرية الملاحة في المضائق الدولية.
ومع ذلك، يمكن لهذا الطرف أن يُقدّم حجةً بالقول إن:
– المضيق يتألف بالكامل من مياهه الإقليمية،
– يواجه الطرف الآخر تهديدات استثنائية.
– يمارس الطرف الآخر حقه السيادي في حماية أمن أراضيه.
وبناءً على ذلك، يمكنه اقتراح تدابير مثل:
– ممرات ملاحية إلزامية،
– متطلبات إخطار مسبق.
– قواعد أمنية تقنية.
– مساهمات مالية في تكاليف بعض الخدمات الأمنية.
إلا أن المجتمع الدولي سيردّ على الأرجح بأن هذه التدابير لا تكون قانونية إلا إذا كانت ضرورية، وغير تمييزية، ومتناسبة، ولا تنتهك حق العبور، ويكمن جوهر النقاش القانوني في هذه النقطة.
وربما لا تكمن القضية الأساسية فيما إذا كان بالإمكان الاستناد إلى القانون العرفي، بل في مضمون هذا العرف تحديداً. ويعتقد العديد من الخبراء القانونيين الآن أن نظام العبور الذي أرسته اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار قد أصبح بحد ذاته قاعدة من قواعد القانون العرفي، بل وملزمًا حتى للدول غير الموقعة. وإذا قُبل هذا التحليل، فلن تتمكن الدولة المُطلّة على المضيق من استخدام القانون العرفي للتحايل على هذا النظام؛ بل على العكس، ستكون ملزمة به.
وفي المقابل، قد تدافع هذه الدولة عن تفسير أكثر تقييداً، بحجة أن المرور البريء فقط هو ما يندرج تحت القانون العرفي، وأن العبور إلزامي فقط بين الدول التي قبلت الاتفاقية. وهذه تحديداً إحدى نقاط الخلاف العقائدي والدبلوماسي بشأن مضيق هرمز.
ثامناً: السوابق القضائية المتعلقة بالملاحة البحرية في المضائق
توجد العديد من السوابق التاريخية، لكن لا يوجد ما يُضاهي مضيق هرمز. وتُعدّ حالة هذا المضيق غير مسبوقة نظرًا لتضافر عدة عوامل مهمة، هي الطاقة العالمية، والتوترات العسكرية، ووجود قوى بحرية أجنبية، والخلاف حول النظام القانوني.
ومن أهم السوابق:
1. مضيق كورفو (1946-1949)، الذي يُعد أهم سابقة قانونية في القانون الدولي، ففي عام 1946، عبرت سفن حربية بريطانية مضيق كورفو بين اليونان وألبانيا، واصطدمت بألغام في المياه الإقليمية الألبانية، ورُفعت القضية أمام محكمة العدل الدولية. وأرست المحكمة عدة مبادئ لا تزال تُستند إليها حتى اليوم، وهي:
أ. لا يجوز إغلاق مضيق يربط بين منطقتين بحريتين للملاحة الدولية تعسفيًا في وقت السلم.
ب. مرور السفن مبدأ من مبادئ القانون الدولي العرفي.
ت. يجوز للدولة الساحلية وضع لوائح السلامة، لكن لا يجوز لها اشتراط الحصول على إذن مسبق أو منع المرور بشكل عام.
تشبه هذه القضية قضية مضيق هرمز لأنها شملت أيضًا دولة ساحلية تستند إلى أمنها، وقوى بحرية تستند إلى حرية الملاحة.
2. مضيق تيران، عامي 1956 و1967، أغلقت مصر مضيق تيران أمام السفن الإسرائيلية، وكان هذا الإغلاق أحد الأسباب المباشرة لحرب الأيام الستة. ومن الناحية القانونية، اعتبرت دول عديدة إغلاق مضيق دولي مخالفًا للقانون الدولي. ويكمن الفرق في أن النزاع كان يتعلق أساسًا بحق دولة في الوصول إلى المضيق، بينما يتعلق مضيق هرمز بالتجارة العالمية برمتها.
3. المضائق التركية (البوسفور والدردنيل):
تخضع لاتفاقية مونترو لعام 1936، ويُعد هذا مثالًا مثيرًا للاهتمام، إذ يوجد نظام خاص، لكنه لم يُنشأ من جانب واحد من قِبل تركيا؛ بل هو نابع من معاهدة دولية وافقت عليها القوى الكبرى. وبإمكان تركيا، على وجه الخصوص، تقييد مرور السفن الحربية في ظروف معينة، لا سيما أثناء الحرب. وهذا يدل على إمكانية وجود نظام خاص اليوم، ولكن فقط على أساس تعاقدي وليس بقرار أحادي.
4. قناة السويس، فقد أُغلقت لعدة سنوات خلال أزمة عام 1956، التي أعقبتها الحروب العربية الإسرائيلية. ومع ذلك، تُعد قناة السويس قناة اصطناعية، تخضع لنظام مختلف عن المضيق الطبيعي.
ومن خلال هذه السوابق القضائية بشأن مضيق هرمز، يسعى القانون الدولي دائمًا إلى تحقيق التوازن بين مبدأين، هما:
– سيادة الدولة الساحلية
– حرية الملاحة الدولية.
وحتى الآن، لم تعترف أي محكمة دولية بحق دولة ساحلية مطلة على مضيق دولي في فرض رسوم مرور عامة، أو تعليق المرور بشكل دائم، أو إنشاء نظام خاص أحادي الجانب قائم فقط على اعتبارات أمنية. ومع ذلك، يُقرّ الاجتهاد القضائي بإمكانية تبرير التدابير الأمنية التنظيمية المحدودة والمتناسبة.
وإن حكم قناة كورفو يتضمن جانباً دقيقاً هاماً، غالباً ما يُغفل عنه. وتُقرّ المحكمة بأنه، نظرًا لظروف استثنائية، كان ينبغي على ألبانيا سنّ لوائح تنظم مرور السفن الحربية، لكنها تُحدد أنه لا يُمكنها اشتراط الحصول على ترخيص مسبق أو منع المرور بنفسها.
وهذا الجانب الدقيق تحديدًا هو ما قد يُؤجّج النقاش القانوني الحالي حول مضيق هرمز: إلى أي مدى يُمكن لدولة ساحلية تنظيم الملاحة لأسباب تتعلق بالسلامة دون انتهاك الحق الدولي في المرور؟ وربما يكون هذا أحد أهم الأسئلة في قانون البحار المعاصر.