قواعد ذهبية للتحرر من تداعيات النكبة
أسوأ ما في النكبة انها مستمرة لايزال يعيشها الشعب الفلسطيني بكل تفصيلاتها تهجيرا وقتلا واستيطانا ومعاناة وفقدانا لكل عناوين الحياة الكريمة، وتعيشها الأمة غصصا متوالية باستقواء حفنة من البشر على المقدسات والحياة الانسانية في فلسطين دون رادع.. والأسوأ من ذلك ان شروط النكبة على الصعيد الذاتي تتكاثر ولم يغب منها شيء، الأمر الذي يلقي بثقله على الطموح الفلسطيني والأمل الفلسطيني بالعودة والخروج من دوامة النكبة.
شروط النكبة الذاتية على الصعيد الفلسطيني والعربي لم تظل خجلى بعيدة عن الإفصاح، أو منحصرة في فئة محدودة منزوية من البشر، بل ها هي تتقدم بكل جلاء وبلا حياء من أعلى المنابر ومن طبقات النخبة في السياسة والثقافة والمجتمع لتفرض وقائع سياسية وتثبّت مصطلحات سياسية ومفاهيم سياسية تترجم بدقة مفاعيل النكبة في العقل الفلسطيني والعربي.
ومن خلال عملية مراجعة سريعة للمقارنة بين المناخ النفسي والثقافي لحظات وقوع النكبة والمناخ الثقافي والنفسي الآن، تتكشف لنا الفروق المذهلة بين الحالتين، وكأن سنوات الكفاح الطويلة التي خاضها شعبنا وأمتنا لم ينتج عنها الا التطبيع المتراكم مع واقع النكبة بعناصرها والتي يمثّل انتصار العنصرية الصهيونية أبرز عناوينها.. ليصبح الاعتراف بشرعية العنصرية قاعدة أساسية للعمل السياسي العربي والفلسطيني لا يمكن تجاوزها لكل من أراد ان يكون له وجودٌ في الخريطة السياسية التي يقبلها الغربيون.
في التعامل مع النكبة، وكما سبق ان شرحنا في سلسلة مقالاتنا السابقة، يتكشف لنا حجم الفوضى الفكرية واضطراب الرؤية وفقدان القدرة على التوازن في مواجهة الضغوط والهجوم المتعدد الأشكال وانصرافنا إلى الحديث عن معالجة التداعيات وليس الجوهر في القضية، الأمر الذي أفقدنا مع الزمن عناوين قضيتنا، وبذلك فقدنا امكانية إحداث تراكم لإنجازاتنا وتفعيلها على طريق استعادة الحق وفرض السلام في المنطقة..
لقد ذهبنا للحديث عن الاحتلال والاستيطان وانصرفنا عن التركيز على العودة والاغتصاب.. وانهمكنا في الحديث عن الدولة أو شبه الدولة وابتعدنا عن الحديث عن الأرض والانسان.. وفي النهاية صارت الأرض والانسان الفلسطينيان هما خُمس الحالة الفلسطينية، ففقدنا امكانيات الحفاظ على المشروع الفلسطيني الذي يهتم بكل الفلسطينيين (14 مليوناً)، حيث يتواجدون وبكل الأرض الفلسطينية حيث هي..
تم ذلك كله على اعتبار أن موازين القوى مختلة لصالح العدو، وأننا أمة مهزومة، وليس للمهزومين ان يطالبوا بكل حقهم.. الا ان نواميس الصراع تدفع بالمنهار إلى مزيد من الانهيار، وبالمستسلِم إلى مزيد من التنازل، ولا تتوقف عجلة التدحرج نحو فقدان كل شيء؛ ففي التدافع ليس هناك نيّاتٌ حسنة وليس هناك اخلاق ومبادئ انسانية، بل هناك قوة لها اتجاه تحقق مصالح تتحرك في فراغات او تحدث فراغات بالقوة، فلم يكن نتيجة للجهود التي بُذلت على هذا الصعيد الا الحسرة والخسارة والتألم والامتلاء بشعور الخيبة.
هناك خللٌ منهجي أصبح هو المنهج المتبع في التعاطي مع السياسة والصراع.. ذلك المتمثل في اعتبار معطيات اليوم قدرا محتوما على وجه الأرض ومتحكما نهائيا في مصائر البشر لا يمكن مواجهته ولا تغييره، وانه علينا فقط أن نعرف كيف نقنعه ونكسب ثقته.. والأكثر ألما ان يُرى هذا الواقع من خلال الإعلام وما يحاول الأعداء تقديمه بجهود دعائية فائقة في التضليل.. فيما كان الأمر يحتاج إلى تحليل متحرر من ضغط اللحظة وتشويش الإعلام، وأن يذهب التحليل إلى العمق ودراسة الظواهر بحيادية والبحث من خلال عملية حسابية دقيقة عن دوائر الضوء الجاهزة الموجودة اقليميا ومحليا ودوليا، ودوائر الضوء التي يمكن ان يُحدثها جهدُنا وفعلنا الفلسطيني، وان يقوم ذلك كله بتعزيز رؤيتنا في كسب جولات سياسية أو ميدانية ضد عدو يراهن فقط على تذويب رؤيتنا وإفقادنا القدرة على الاستفادة من عناصر القوة الكامنة فينا أو في علاقات تحالفية او إنشاء مناخات مشجعة لتقدم قوى اضافية لصالحنا..
ذلك لأن ارتجاج الرؤية عندنا وإفقادنا قضيتنا بُعدها الإنساني التحرري ضد العنصرية والامبريالية يفقدنا بالضرورة حلفاء حقيقيين وقوى حقيقية، كما أنه ينزع بنا نحو التفرّد والانقطاع عن مدد معنوي وسياسي كفيل بتوحيد صفوفنا وتطوير أدائنا.
هنا ينبغي للمثقفين والمفكرين والسياسيين الفلسطينيين والعرب والمسلمين والأحرار التفكير في ضرورة الخروج من هذه الدوامة الفكرية والسياسية التي يشرف عليها أعداؤنا؛ فلقد اصبحنا مكبلين بإرادتهم الشريرة في التملص من اي التزام حتى بالاتفاقيات التي وقعت معهم برضاهم ورضى حلفائهم والمجحفة في حقنا.. وان نقطة الانطلاق الأساسية لاستعادة المبادرة تتمثل في عودتنا لقراءة الجملة الأولى في القضية الفلسطينية: وطنٌ لشعبٍ تعرّض لعدوان غربي سافر استخدم القوة والبطش لإقامة كيان عنصري لاستنزاف المنطقة و منعها من النهضة وامتلاك ثرواتها.. وفي هذه العملية تم ترحيل نصف الشعب الفلسطيني واحتلال ارضه وكل ملاحق العملية المعروفة..
وجنبا إلى جنب استعادتنا لوعي الشرط الذاتي في قضيتنا، نعيد قراءة الواقع الإقليمي والدولي كما هو بكل تحولاته، وبعيدا عن مواقفنا النفسية والشخصية والأيديولوجية متحررين من انحيازات غير علمية، لنصل إلى تقييم دقيق يحدد لنا امكانيات القوة وامكانيات تطويرها.. ومن هنا بالضبط توضع الخطط والتصورات والبرامج بعيدا عن استدراجات اللحظة القاسية وابتزازها والعمل بكل جد لإطلاق المبادرات ليكون عملنا بمثابة نخرٍ مستمر للمشروع العنصري وتقويض لأركانه نحو مستقبل إنساني يليق بفلسطين مهد الديانات ومجتمع التنوّع المتعايش والمتواد والذي ليس سواه مرشحاً أن يكون مجتمعا انسانيا بامتياز.
القاعدة الذهبية الأولى: التشبّث بعودة المهجرين الفلسطينيين إلى ديارهم وقراهم ومدنهم.. هذه قاعدة يجب أن تبرز بجلاء وتوضع لها الخطط الإعلامية والثقافية والسياسية وأن يبذل كل الجهد من اجل تحويلها إلى قوة ضاغطة فاعلة لها مردود بالملموس..
القاعدة الذهبية الثانية: عدم الاعتراف بالمطلق بأي شكل من اشكال العنصرية او الشوفينية الدينية او القومية او الطبقية ورفض التعاطي معها او منحها فرصة بأن تكون طرفاً في المعادلة، وفي هذا الصدد يتم تفعيل كل القوى الحية والحرة عبر العالم من منظمات حقوق الانسان والمنظمات الدولية والجمعيات والأحزاب والقوى والشخصيات المناهضة جميعا للعنصرية..
القاعدة الذهبية الثالثة: إن الكل الفلسطيني “الإنسان والأرض” معنيٌ بمشروع التحرّر الفلسطيني، وعليه لابد من إشراكه في الفعل والرأي وتحمّل المسئولية وتحويل العدد الهائل “المهمَل” من فلسطينيي الشتات إلى قوة فاعلة من اجل استعادة الحق، وان نتحرر تماما من سطوة الجغرافيا، فالفلسطينيون جميعا هم عناوين القضية، وهم جميعا يتجرعون غصص القهر والظلم.. تولانا الله برحمته.
هوامش:
* ينبغي للمثقفين والمفكرين والسياسيين الفلسطينيين والعرب والمسلمين والأحرار التفكير في ضرورة الخروج من هذه الدوامة الفكرية والسياسية التي يشرف عليها أعداؤنا؛ فلقد اصبحنا مكبلين بإرادتهم الشريرة في التملص من اي التزام حتى بالاتفاقيات التي وقعت معهم برضاهم ورضى حلفائهم والمجحفة في حقنا.