قوانين أثارت غضب الجزائريين سنة 2015!
شهد المجتمع الجزائري خلال سنة 2015، العديد من القوانين التي أثارت جدلا واسعا داخل البرلمان وخارجه، خاصة وأنها تتعلق بتغييرات جذرية في واقع الأسرة والصحة والاقتصاد، وهي الركائز الثلاثة التي يقوم عليها المجتمع، حيث اتهم المختصون ونشطاء المجتمع المدني واضعي هذه القوانين بمحاولة زعزعة قيم الجزائريين بتحريض الطفل على السلطة الأبوية، وتأليب المرأة على الرجل، واستهداف جيوب الجزائريين وصحتهم، بخوصصة القطاع الصحي والاقتصادي، ولازال الجدل قائما في الشارع حول تداعيات هذه القوانين ..
تقييد التعدد، تجريم الرجل، تحرير الطفل والتضييق على الجمعيات
قوانين مستوردة تعلن الحرب على المجتمع
على مدى الثلاثة سنوات الأخيرة صادق البرلمان الجزائري على العديد من القوانين التي نشرت في الجريدة الرسمية، ولقيت رفضا شعبيا واسعا، في مقدمتها التعديلات التي شملها قانون الأسرة سنة 2012، والتي قيدت التعدد وأثارت انتقاد الجمعيات النسائية التي اتهمت القانون بتشجيع الزواج العرفي والخيانة الزوجية، حيث أكدت رئيسة المرصد الجزائري للمرأة شائعة جعفري أن هذا التعديل مناقض لما جاء في الإسلام وغير صالح للتطبيق في المجتمع الجزائري.
ثاني قانون تم المصادقة عليه سنة 2013 ، هو قانون الجمعيات الذي دفع 40 جمعية وطنية إلى الاعتصام أمام البرلمان للمطالبة بتجميد هذا القانون الذي وصفته بـ “حبل المقصلة”، وطالبت بتجميده لتضمنه موادا تعطي لوزارة الداخلية سلطة تجميد أي جمعية تمس بالثوابت الوطنية وهي المادة التي وصفت بالغموض.
ومن القوانين التي حركت المجتمع سنة 2015 قانون الطفل الذي لقي انتقادات من قبل الجمعيات الطفولية والحقوقية لتشجيعه الأطفال على التبليغ ضد الأولياء والأقارب والجيران، وهذا ما وصفه المختصون بالمنافي لقيم وتقاليد المجتمع.
قانون آخر وصفه نشطاء المجتمع المدني بالمنافي للإسلام والقيم، وهو قانون تجريم العنف ضد المرأة الذي لا زال يصنع الجدل في المجتمع بتمريره على المصادقة في مجلس الأمة،
ومن القوانين التي خلفت رفضا شعبيا واسعا قانون المالية الذي زلزل البرلمان والشارع ومواقع التواصل الاجتماعي، ليتساءل الجزائريون عن خلفية هذه القوانين التي لا تخدم لا البلاد ولا العباد ..
قانون المالية .. جدل متواصل وتداعيات تستمر لسنوات
لن يهدأ الجدل حول مشروع قانون المالية 2016 حتى بعد المصادقة عليه بالبرلمان، بل ستزداد الضغوط مع وصول مشروع القانون أدراج مجلس الأمة، فلا يزال تقاذف التهم متواصلا، بين المعارضة وأحزاب الأغلبية، وهو ما جعل القانون يحتل قائمة أكثر القوانين إثارة للجدل منذ الاستقلال، فالمعارضة وصفت القانون بأنه أشرس وأخطر قانون عرفته الجزائر منذ 1962، إيرادته تعتمد كلية على الاقتطاع المباشر من جيوب الشعب، فيما رأت فيه أحزاب الموالاة، حلا مؤقتا واستثنائيا للخروج بسلام من أزمة انهيار أسعار النفط، في ظل عدم وجود بدائل متاحة. وفي هذا الصدد، اعتبر نائب حزب جبهة التحرير الوطني علي باي في تصريح “للشروق”، أن قانون المالية 2016 وما أثاره من جدل، يعتبر طريقا للتفكير في خطة مستقبلية لتجاوز الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وحسبه على الدولة التفكير في خلق تنمية بالجنوب، عن طريق الالتفات لقطاعات الصناعة والفلاحة والسياحة، مع التركيز على قطاع المناجم، ويضيف ” استغلال المناجم في صحرائنا، والتي تضم الخيرات من المعادن النفيسة، قد ينقل الجزائر إلى مصاف الدول الغنية”، معتبرا أن قانون المالية 2016 هو قانون مؤقت يساير الوضع الراهن فقط، وقد يتغير أو تعدل كثير من مواده قبل نهاية سنة 2016.
ومن جهة أخرى، اعتبر عضو لجنة المالية والاقتصاد بالمجلس الوطني الشعبي، مجدوبي بن عبد الله، أنه حتى بعد المصادقة على مشروع قانون المالية بالبرلمان، فالحراك السياسي والاجتماعي الذي صاحب الإعلان عن القانون سيمتدّ إلى مجلس الأمة، وحسب قراءته السياسية “مشروع قانون المالية سيطرح للنقاش والمصادقة قبل نهاية شهر ديسمبر، ويتزامن الأمر مع نهاية عُهدة نُوّاب مجلس الأمة، وهذا التزامن قد يستغله كثير من النواب لمعارضة القانون، “حفظا لماء وجههم” أمام الشعب، بسبب الانتقادات المثارة حول القانون”.
قانون تجريم العنف ضد المرأة يثير غضب الإسلاميين
يحتلّ مشروع قانون تجريم العنف اللفظي والجسدي ضد المرأة، المرتبة الثانية من ناحية القوانين الأكثر إثارة للجدل بالجزائر خلال العام 2015، والأشدّ تحريكا للرأي السياسي والاجتماعي، فبمجرد تداول أخبار حول تجميد القانون تكتلت جمعيات نسوية وهدّدت بتصعيد اللهجة، فيما طالب فرع منظمة العفو الدولية “أمنيستي” بالجزائر، بالتعجيل في تمرير مشروع القانون بمجلس الأمة، مُوجّهة نداء إلى الوزير الأول عبد المالك سلال، للتدخل العاجل للفصل في الموضوع.
وشهدت جلسة مصادقة نواب البرلمان على مشروع القانون في 5 مارس المنصرم، معركة طاحنة بين أحزاب الأغلبية والمحسوبين على التيار الإسلامي، فالأخيرة والممثلة في تكتل الجزائر الخضراء، وأيضا حزب العمال، اتهموا رئيس المجلس الشعبي الوطني محمد العربي ولد خليفة، بتمرير القانون بطريقة مشبوهة، أما الأحزاب الإسلامية فرأت فيه ضربا “لمبادئ وقيم المجتمع الجزائري”.
ويُنتظر أن تزداد حدة الجدل خلال مناقشة مشروع القانون بمجلس الأمة، رغم ضم الغرفة العليا أكثرية من أحزاب الأغلبية وشبه غياب للإسلاميين، فالنقاش سيحتدم بالخصوص بين نواب المعارضين للمشروع.
وحسبما علمته الشروق من مصادر بـ” السينا “، فإن مجموعة كبيرة من أعضاء المجلس ممثلين للأفلان والأرندي وأحزاب أخرى وحتى من الثلث الرئاسي، متحفظون وبشدة على مشروع القانون، معتبرين أن القانون لم يأت بالجديد، لأن قانون العقوبات يتضمن موادا تجرم العنف ضد المرأة، كما لا يمكن حسب مصدرنا تجاهل ضغوطات رجال دين ومفكرين المعارضين للقانون.
وفي هذا الصّدد، استبشرت الناشطة الحقوقية وعضوة جمعية تحرر المرأة، سمية صالحة، من برمجة مناقشة مشروع القانون الأسبوع المقبل، على مستوى مجلس الأمة، بعد بقائه 8 أشهر حبيس الأدراج، واستنكرت المتحدثة في اتصال مع “الشروق”، ما يشاع حول وجود معارضة للقانون “بالسينا”، وهو ما سيحول دون التصويت، حيث قالت “من يرفض القانون، هو شخص يشجع تعنيف واغتصاب وإهانة النساء”، ومؤكدة أن ظاهرة تعنيف النساء أخذت منحنى خطيرا في الجزائر بسبب النظرة الدونية للمرأة، لا يكفي فقط القانون بمحاربتها، بل لابد من ممارسات اجتماعية، ومن يبرر الرفض بوجود مواد في قانون العقوبات تعاقب المعتدين على النساء، تقول “هو غير كاف وفيه العديد من الثغرات” حسبها، ووجهت صالحي رسالة لأعضاء مجلس الأمة مفادها “بدل السّماع لأصوات المعارضين للقانون، لم لا نسمع لصرخات المعنفات”.
قانون الطفل يثير انتقاد الجمعيات الطفولية والحقوقية
لم يسلم قانون الطفل هو الآخر من الجدل والانتقادات التي طالته بعد المصادقة عليه في الغرفة السفلى للبرلمان، حيث اعتبره بعض معارضيه وكذا المحسوبين على التيار الإسلامي يتعارض مع ما جاءت به الشريعة الإسلامية، كما رأت بعض الكتل البرلمانية أنه جاء بصيغة قضائية عقابية، وأنه يعالج النتائج وليست الأسباب على غرار المجموعة البرلمانية لتكتل الجزائر الخضراء التي نددت بشدة بهذا القانون، موضحة أن الظاهر من هذه القوانين هو سياسة اللاعقاب واللاتأديب بشعارات ظاهرها الرحمة وباطنها يحمل الكثير من العذاب والشقاء لهم، حيث أنه يشجع على الجريمة وتهديد القيم التربوية والاجتماعية، بما أن الذهاب إلى سياسة اللاعقاب في مثل سن 17 و18 يتنافى مع الصرامة والعقوبة المناسبة.
كما ذكرت بعض الأطراف تحفظات شكلية على المضمون على رأسها مركز التوثيق والإعلام لحماية الطفل والمرأة، الذي اعتبر أن القانون يتحدث عن صنفين من الأطفال دون غيرهم ويتعلق الأمر بالطفل الجانح والطفل في حالة خطر، وهي نسبة لا تتجاوز 2 بالمائة من مجموع 18 مليون طفل تحت سن 18 سنة، ومن ثم لا يمكن تعميمه بهذا الشكل.
وفي ذات السياق دعا بعض نواب البرلمان المعارضين لهذا القانون زملاءهم المؤيدين للتفطن جيدا لخطورته والطريقة التي تمت من خلالها المصادقة عليه، مناشدين المجلس الأعلى الطعن في دستوريته، كما وجهوا رسالة صريحة إلى الشعب الجزائري للوقوف في وجه مثل هذه القوانين التي تسعى لانتهاك خصوصية الشعب الجزائري وضرب هويته، إلا أن محاولاتهم باءت بالفشل وتم تمرير القانون.
وفي تعليقه على الموضوع أوضح عبد الرحمان عرعار رئيس شبكة ندى أن قانون الطفل الذي صدر رسميا في الجريدة الرسمية ينتظر تفعيله وتجسيده على أرض الواقع لتنصيب الآليات التي جاء بها، مؤكدا أنه سيساهم في الحد من ظاهرة العنف ضد الأطفال، كما سيسمح بفتح ورشات على مستوى القضاء بما فيها التشريع، على غرار الحديث عن قانون المعاقين الخاص بالأطفال الذي لم يتناوله قانون الطفل، كما أشار عرعار إلى أمله في المصادقة على قانون تجريم العنف ضد المرأة ليكون هنالك تكامل بينه وبين قانون الطفل.
قانون الصحة يثير استياء الأطباء والممرضين
أوضح نائب رئيس الاتحادية الوطنية لمستخدمي الصحة العمومية، خميس علي، أن قانون الصحة القديم والصادر في 1985 لحماية الصحة العمومية يعد القانون الأول والوحيد لسنوات عديدة، وهو لا يتوافق مع التحولات والتطورات التي شهدها ميدان الصحة والطب في العالم ولا يواكب التغيرات الاجتماعية أيضا، فقد ظهرت عدة تخصصات وتقنيات وآلات ووسائل لم تكن مطروحة من قبل كقضية التبرع بالأعضاء، وزرع الأعضاء وهي مستحدثات طبية لم تكن موجودة في السابق.
وقد أثارت جدلا واسعا في ظل غياب قانون ينظم هذه المسائل، لتطالب نقابات الصحة بإصدار قانون جديد وقد جاء هذا القانون نتيجة للمطالب المتزايدة على حد قول المتحدث دوما، غير أنه تضمن سلبيات كغيره من القوانين لكنها قابلة للتعديل والتدارك ومن بين المواد التي يجب إعادة النظر فيها المتعلقة بالجانب العقابي للأطباء ومستخدمي الصحة العمومية حيث تسلط عليهم عقوبات قاسية في حال ارتكابهم لأخطاء مهنية، إعادة تقسيم الخريطة الصحية الجديدة فالظروف الراهنة لا تسمح بإعادة هيكلة الصحة العمومية الأمر الذي يتطلب موارد مالية ضخمة والبلاد تمر حاليا بمرحلة “تقشف” لذا يجب إسقاط هذه المواد، وشدد المتحدث أن المواد المتعلقة بالمستخدمين وذلك لمنحهم امتيازات وحقوق تحفظهم أثناء تأدية مهامهم وجانب أخلاقيات المهنة، زيادة على بعض المواد التي تتعلق بتنظيم المستشفيات وحقوق المريض والتعويضات التي يجب أن تتحملها الوزارة مع صندوق الضمان الاجتماعي وإعداد جدول خاص لكيفية تعويض ضحايا حوادث المستشفيات الطبية أو الجراحية.
واستطرد ذات المتحدث بأن الترخيص للمستشفيات الخاصة إضافة وتخفيف على المستشفيات العمومية غير أن الانتقال من القطاع العام إلى الخاص سيكون وفق ضوابط خاصة فالدولة جمدت النشاط التكميلي لموظفي القطاع لوضع حد للبزنسة في المرضى.