الرأي

قوانين جائرة على الأسرى الفلسطينيين

بقلم الفلسطينية: إيمان حمدان / طالبة دكتوراه في جامعة الجزائر 2
  • 38
  • 0
تعبيرية

لم يعرف التاريخ حركة كالحركة الوطنية الفلسطينية الأسيرة، التي حولت عتمة الزنازين إلى منارات للوعي والتثقيف، وجعلت من قمع السجان وقودا لاستمرار الثورة والتحدي، فلم تكن السجون والمعتقلات بالنسبة للمعتقل الفلسطيني مجرد أماكن للاحتجاز والعزل، بل استطاعت الحركة الأسيرة بصلابة أفرادها وتماسكهم التنظيمي إعادة صياغة واقع الأسير.

إن عمليات الاعتقال والأسر لمناضلينا لا تستهدف فقط حرمانهم من الحرية داخل السجون، إنما كل عمليات التعذيب المنهجية تطال الأسير في بنية وعيه وتدمير شخصيته.
الأسير الفلسطيني يتعرَّض اليوم إلى أبشع أنواع انتهاك الإنسانية، من خلال عمليات الانتقام التي يستخدمها المحتل معهم، وأخطر ما في الأمر، هو سعي الاحتلال لتنفيذ قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، الذي يعدّ جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية.

 لا يقتصر الإغلاق الاستراتيجي الإسرائيلي هنا على الزمن، بل يمتد أيضا لمنع أي سلطة تنفيذية أو حكومة مستقبلية من عمليات تبادل الأسرى مع المقاومة، وربما يعني ذلك أن رصيد التبادل سيتآكل بالتدريج مع الوقت، حين تجد المقاومة نفسها بعد عقدٍ أو عقدين أمام سجونٍ إسرائيلية تخلو من الأسماء الكبرى، فالقانون ليس ضربة آنية، إنما هو سياسة تجفيف تستهدف الجيل القادم من الأسرى، بإعدامهم قبل أن يُصبحوا ثقلا تفاوضيا، وهذا ما يجعله أخطر من أي أداة عسكرية في الميدان.

وهناك تجاهلٌ دولي واضح لقضية الأسرى والأسيرات في سجون الاحتلال، إذ أن الاحتلال الإسرائيلي لم يضطرّ إلى مواجهة أي لوم أو مساءلة من العواصم الغربية في هذا الملف الحساس حتى مع اشتداد مشاهد التنكيل والوحشية ضد الأسير الفلسطيني.
ويضع قانون الإعدام الإسرائيلي حيز 90 يوما لنهاية حياة الأسير الفلسطيني، مع هامشٍ زمني استثنائي يمتد إلى 180 يوم، من دون أي إمكان للتراجع، وأي صلاحية للإفراج عن الموقوف أو المحكوم طالما أن قضيته متصلةٌ بقتل إسرائيلي.
تؤكد هذه الصياغة أن القانون يتجاوز كونه إجراءً قانونيًّا معزولًا، ليمثل سياسة تجفيف استراتيجي لجأت إليها إسرائيل حين فشلت في منع الأسر ميدانيًّا (اختصار الزمن) ببروتوكول هنيبعل خلال 7 أكتوبر، أو تخفيض قيم صفقات التفاوض، فلجأت إلى الحل الأشد راديكالية؛ بقطع الزمن الممتد بين لحظة الأسر ولحظة التحرير قضائيًّا، وهو الزمن الذي شكّل ولعقود مساحة المقاومة في تحرير مئات المناضلين.
يُمثل ذلك أيضا، بداية طورٍ جديد يعيد الإسرائيلي فيه تعريف السجون، لا كمحاضن للمقاومة، ولا كمحطة في حياة المناضل الفلسطيني، إنما كمسارٍ مغلق نحو الموت، يصدق فيه القول إنه “برزخٌ” للأسير وعائلته ومجتمعه وللبنية الذهنية للمقاومة واستراتيجيا الأسْر الخاصة بها، نتيجة محاولة استئصالها من الوجدان الفلسطيني المقاوِم.
لا يقتصر الإغلاق الاستراتيجي الإسرائيلي هنا على الزمن، بل يمتد أيضا لمنع أي سلطة تنفيذية أو حكومة مستقبلية من عمليات تبادل الأسرى مع المقاومة، وربما يعني ذلك أن رصيد التبادل سيتآكل بالتدريج مع الوقت، حين تجد المقاومة نفسها بعد عقدٍ أو عقدين أمام سجونٍ إسرائيلية تخلو من الأسماء الكبرى، فالقانون ليس ضربة آنية، إنما هو سياسة تجفيف تستهدف الجيل القادم من الأسرى، بإعدامهم قبل أن يُصبحوا ثقلا تفاوضيا، وهذا ما يجعله أخطر من أي أداة عسكرية في الميدان.
وهكذا، يتمظهر في صلب هذا القانون سؤالٌ حاسم: إذا كان الاحتلال يسعى عبر قانون الإعدام إلى إغلاق زمن الأسر وإمكانات التبادل، فهل تستطيع المقاومة إعادة فتحه أو خلق زمنٍ بديلٍ للأسير؟
بالنظر إلى طبيعة المقاومة، فالإجابة متعددة الأوجه؛ ميدانيًّا يعيد القانون رسم حسابات المواجهة، فالفلسطيني الذي يُدرك أن مصيره الموت في كل الأحوال، لن يكون لديه أي حافزٍ للاستسلام خلال المواجهة، وهو ما يرفع الكلفة على الاحتلال نفسه.
أمّا المقاومة كمنظومة، فتملك ثلاثة مسارات محتملة، ليس بينها التخلي عن استراتيجيا الأسْر، بل بتغير منطق التفاوض وتحويله من أسير إلى أسرى، إلى أسير بمَطالب سياسية كرفع الحصار وفتح المعابر وإخراج المرضى أو الأسيرات، لكن لهذا المسار سقف؛ هو قدرة المجتمع الإسرائيلي على تحمُّل الثمن.
المسارُ الثاني هو تدويل الأسير الفلسطيني، بتحويل كل حكم إعدام إلى ضغطٍ دولي جديد على إسرائيل، لكنه مسارٌ يفترض تحركًا دوليًّا، وهو رهانٌ ثبُت عقمُه مرارا. أمّا المسار الأخير وهو الأعمق، فيكمن في إعادة تعريف التحرير نفسه، فكما يمثل القانون ذروة الصدام إسرائيليًّا، فإنه في الوقت ذاته قد يدفع المقاومة إلى إعادة بناء عقيدتها التحريرية من الأساس، لتحوّل من “تحرير الأسير” إلى “تحرير الأرض التي تُحرِّر الأسير”، وهو ما ينقل المعركة على التبادل من تكتيك إلى استراتيجيا وجودية شاملة، لم يعد ذلك خياليًّا بعد 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023.
ومهما يكن، فإن الرهان الحالي لم يعد على المقاومة وحدها، بل أيضا على المجتمع الفلسطيني بصفته الحاضنة التي تمنح الأسير معنى يتجاوز زنزانته وسنين أسره، وهو ما يجعل إعادة دمج الأسير ضمن بنية المجتمع الفلسطيني وأولوياته، وفتح مسارات ضغطٍ على الاحتلال تتجاوز منطق التبادل التقليدي، شرطا لأي استراتيجيا مقاومة مقبلة، وإلَّا فالبديل لن يكون أقلَّ من تحوُّل إغلاق الزمن الإسرائيلي من قانون إلى واقع.
قُصارى القول، حين تُعدم إسرائيل الأسير، تعتقد أنها تُغلق ملفًّا، لكن التاريخ يقول إن كل إغلاق قسري يصنع سؤالًا أعمق: مَن يملك الزمن حقًّا؟

مقالات ذات صلة