الرأي

كابوتشي مكللا بتاج فلسطين

صالح عوض
  • 1820
  • 0

تمتاز القضايا الكبرى بقدرتها على اجتياز الحدود الجغرافية والعرقية والدينية لتكون قضية الضمير الإنساني فينهض من اجلها من استمع لنداء القلب والروح مؤكدا الآصرة الطبيعية بين بني البشر.. وقضية هي فلسطين لها من الجاذبية وقدرة النفاذ ما يجعلها بحق قضية الإنسان في كل زمان ومكان فهي تجلي الروح ونداء أعمق ما في الوجدان من هتاف وأقرب ما للعقل من ميزان وحكمة.. لذا فإن أحبابها وأنصارها لا تحدّهم الوطنية ولا القومية ولا الديانة.. انهم منتشرون في كل الأقوام وكل أتباع الأديان ضد الظلم والعنصرية والجريمة المنظمة.

من هؤلاء الكبار السيد هيلاريون كابوتشي (2 مارس 1922- 1 يناير 2017م) رجل الدين المسيحي السوري، ولد في حلب ودرس في بيروت وأصبح مطراناً لكنيسة الروم الكاثوليك في القدس عام 1965.. رجل أوقف نفسه لفلسطين دفاعا عن شعبها وأرضها ولم يتوقف عند حدود الموقف وهو أقصى ما يطلب من رجل في مكانته، بل ذهب بعيدا إلى ان يمتشق البندقية ويعبئها بالرصاص وينقل السلاح والذخائر من معسكرات المقاومة الفلسطينية بدمشق إلى القدس مرورا بالحواجز والمعابر الصهيونية غير هياب، محولا كل الامتيازات التي تمنحه إياها مكانته الدينية من اجل فلسطين. اعتقلته سلطات الاحتلال في آب 1974 أثناء محاولته تهريب أسلحة للمقاومة، وحكمت عليه محكمة عسكرية بالسجن 12 عاماً. 

يذكر الفلسطينيون والأحرار من العرب والمسلمين والشرفاء من بني البشر رجلا تميز بروحه الثورية الفذة وبوقوفه ببسالة مدافعا عن القضية الفلسطينية، مضحيا بكل متع الدنيا وملتحما بأمته هاتفا: الله اكبر الله اكبر.. عندما وقف معلنا عن تضامنه مع اهل غزة في شباط 2009 حيث كان على متن سفينة الإغاثة أسطول الحرية التي كانت تحمل الأمتعة والغذاء لأهالي غزة المحاصرين. 

امس استقبلت جموع غفيرة من ابناء فلسطين ولبنان وسورية وكثير من الأحرار جثمان المطران المحترم والفدائي الفذ ليواروه التراب في حين يتذكره رفاقه في السجن والذين يشهدون له بالثبات والرجولة في مواجهة الجلاد الصهيوني وإصراره على هيبته وقيمته الدينية والعلمية والسياسية العليا.. يتذكرون كيف عاش الإضراب عن الطعام بكبرياء وببسالة..

لم ينس المطران المحترم انه وطيلة فترة سجنه فعاليات ابناء فلسطين من اعلاميين وشبيبة ومنظمات عمل وطني للمطالبة بتحريره من السجن وظلت تلك الذكريات مثار فخر لديه وفرح أسطوري أبعد عنه هواجس الغربة والنفي والسجن.. وظل طيلة فترة النفي في الفاتيكان يتصدى للدعاية الصهيونية سفيرا لقضية الأمة يستقبل الزائرين من فلسطينيين وعرب ومسلمين يزودهم بمزيد من اليقين والعزيمة والتفاؤل بأن الكيان الصهيوني إلى زوال.

كم هم عظماء هؤلاء الرجال الذين ينهضون بكرامة من اجل قضايا أمتهم وإنسانيتهم لا تحدّهم الطوائف ولا القوميات ولا تمنعهم الحدود أيا كان عنوانها عن تأدية الواجب، لأن انحياز هؤلاء الكبار إلى انسانيتهم اعظم من أي شيء.. تاركين للصغار حساباتهم الصغيرة يفرقون بين الإخوة والأمة والإنسانية بعنصريات مقيتة..

ذهب كابوتشي إلى قمة المجد مكللا بتاج فلسطين وسيسجله التاريخ في مكان خاص بالعظماء قدوة للأجيال، معبرا عن عظيم التماسك الإنساني والالتقاء حول العناوين الكبيرة في منطقة أكرمها الله بتوالي الأنبياء عليهم السلام رفضا لشقاق وعداوة الإنسان لأخيه الإنسان.. تولانا الله برحمته.

مقالات ذات صلة