الرأي

كاميكاز!

الشروق أونلاين
  • 3644
  • 0

ليس من اللائق أخلاقيا مناقشة جدوى العمليات الانتحارية التي تُرهب الآمنين كتلك التي وقعت أمس في الميترو بموسكو، وقبلها في العديد من المدن والعواصم والتجمعات، خصوصا أن الدماء لم تجف، والأحزان لم تتوقف…

والمواجع  ما تزال متيقظة لم تنم، لكن لابد من نقطة نظام، للقول، إن المبررات تحضر بكثافة، عندما تُستلب الأوطان، وتُهان كرامة الشعوب، وتُغتصب حقوق الناس، وتجهض أحلام البسطاء في العيش بأمان، فيتملكك الإحساس أن الخراب قادم مع الآخر، الباحث عن أي وسيلة للدفاع عن النفس، ولو كانت بتوزيع الموت في ميترو الصباح؟!

ليس هناك أسهل في هذا العالم الذي نعيش فيه حاليا، من ممارسة القتل الجماعي، كما أن ديمقراطية توزيع الموت باتت أسهمها في تصاعد مخيف، فلا تعرف النزول أبدا، خصوصا بعدما انخرط السياسيون والعسكريون في لعبة البقاء في السلطة واقتسامها، وكذا توسيع دوائر النفوذ عالميا، وتجويع الشعوب المستضعفة والإمعان في ظلمها، والتكبر عليها، وتوزيع الفتات عليها في مؤتمرات دولية تسمى كذبا وزورا، بإعادة الإعمار وتقليص الديون؟!

المثير للاستغراب أننا نتعامل مع الأحداث التي تتصل بشؤون المسلمين وهمومهم وكأنهم غرباء عنا، أو أننا لقطاء حضاريا لا صلة لنا بالشرق ولا بالغرب، متجاوزين الحديث النبوي الشريف الذي يقول: “من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم”. فمسارعة العديد من الجهات لربط انفجارات موسكو بمتمردين مسلمين، أمر يحتوي على كثير من الاختزال المسيء لنا بشكل كبير، لكن الأخطر، أننا بتنا نكرر الأمر كالببغاوات، دون عقل ولا فهم ولا إدراك ولا وعي.

أليس الجدير بنا التفكير مليا في تحوّل أجسادنا شرقا وغربا إلى متفجرات متحركة؟ هل هذا “المخلوق الكاميكازي” إنتاج عربي إسلامي خالص، يصول ويجول بيننا دون مقدمات ولا استئذان، ويخرج علنا ليفجر نفسه في الآخر، هكذا دون مبررات أو مصوغات؟! هل امتد الشعور بالإحباط إلى هذه الدرجة الكبيرة من ممارسة الترهيب بقتل النفس؟ أم أن الأمر لا يعدو كونه، آخر وسائل المقاومة دفاعا عن الشرف المهدور والكرامة المبعثرة؟!

موسكو ليست بعيدة عنا، والمسلمون في تلك المنطقة، ليسوا غرباء ولا لقطاء ولا نازلين من الفضاء، وبالتالي فإننا مسؤولون عن فكرهم وفعلهم، ظلمهم وتظلمهم، معاناتهم و”إرهابهم”. متضامنون أو غير متضامنين، المسألة لم تعد مهمة، بل الأهم هو سعينا لفهم الحالة الإسلامية عبر العالم، والتي شبعت ظلما وشربت منه حتى ارتوت، وبات من الضروري الاستماع لها، الشعور بها، والانتماء إليها.  

مقالات ذات صلة