كان يا ما كان…
كان يا ما كان في قديم الزمان، وسالف العصر والأوان، حضارتان، إحداهما من الشرق، هرمةٌ تَتَقوَّضُ تحتَ أثقال قُرون من الزمان، وأخرى من الغرب يانعةُ الشباب في أَوج القوة والعنفوان. التَقَت في القرن الرابع عشر الغريمتان، وجها لوجه والتاريخ ثالثُهما حَكَمٌ يُهَيّئُ لكلَيهما الامتحان. ينظرُ للأولى التي رافقته طويلا على مرّ الزمان؛ ثم يقول لها بحسرة وأسف: “الوداع” ويُديرُ ظهرهُ ليَتَمَعَّنُ في الثَّانية التي لم يعرفها من ذي قبل. يتأمل فيها، وبابتسامة عريضة يرحبُ بها ويقول: “أهلا وسهلا”. لكن الريبةُ تَتَمَلَّكُ التاريَخ فجأة عندما يتذكر ما اعتاد عليه منذ قديم الأزمان: أَنَّ الشمسَ تطلعُ من الشرق وتنصرف إلى الغرب. فيتردَّدُ قليلا ويُفَكّرُ: أليس في هذا اختلالٌ لقانون الأكوان؟ لكنه سرعان ما يعود إلى رشده، ويتذكرُ أنَّ دورهُ لا يعدو الشهادة وتدوين ما تصنعه يد الإنسان. ثم مَن يكترثُ من أين تأتي وأين تذهب الشمس؟ أليس الأَهَمُّ أن تَستَمرَّ في بَسط نورها على البلدان؟
هكذا تَرَكَت الحضارةُ الإسلاميةُ عهدَ الحداثة الذي لم تَعُد لها فيه ناقةٌ ولا جملٌ، وعادت أدراجها حزينةً مجعدةَ الوَجه كئيبةً الملامح، إلى القرون الوسطى وغابر الأزمان؛ بينما نَفَضَت الغربيّةُ غُبارَ قُرون التخلف عن ثيابها، لتضعَ قدميها مرحةً لعوبًا في عصر الحداثة الذي كُتبَ لها أن تحقق فيه أشياءً عظيمة. “وَتِلْكَ الأيام نُدَاوِلُهَا بَيْنَ الناس…”: لقد أنذرنا بذلك وخبّرنا القرآن.
عندما نتفحّصُ حالَ العالم الإسلامي في وقتنا هذا، ندركُ من الوهلة الأولى أنَّ الإسلام فشل، ما عدا استثناءات نادرة، في ترقية الإنسان المسلم إلى مستوى التطور الفكري والعلمي والتكنولوجي والمؤسساتي والعسكري والاقتصادي الذي بلغتهُ الحضارات الأخرى. كدنا نفقدُ فيه الأملَ منذ قرون ونَيأسُ منه إلى الأبد، لَو لَم تُوجَد في الماضي مساهماتهُ الهائلة في تطورالعلوم والفنون وشتّى الاختراعات التقنية والفكر؛ ولَو لم نُدرك الوثبةُ العملاقة التي سمحَ للبشرية بتحقيقها منذُ لحظة ظهوره حتى القرن الرابع عشر ومقدمة ابن خلدون؛ ولَو لَم نَتَذَكَّر أنَّهُ لم يَكُن دائما على هذا الحال من الهوان.
لكن المشكل في الحقيقة لا يكمن فيه هو وإنّما في الدعائم الاجتماعية التي حملته. فالإسلام لم يأت ببشرية جديدة عند مجيئه، ولا نَزَلَ على إنسان جديد خرجَ لتَوّه من بين أيدي الخالق، بل ركب قطارَ الإنسانية وهو يَسير، فَنَزَلَ عند شعوب كانت تَحملُ ذهنيات وعقائد، وأنماطَ حياة، وصراعات مصالح، وأحقاد قبلية، ونزاعات متوارثة سبقتهُ وتواصلت بَعدَ قُدومه. إنهُ لَم يَخلُق الإنسانَ المسلمَ من العدم، بل أَمسكَ بالإنسان العربي، القريشي، الفارسي، الأمازيغي، التركي، البشتوني، المغولي؛ فصَبَغَهُ باللَّون الأخضر ثم ألقى به في حلبة التاريخ. والشعوبُ التي حلَّ عندها الإسلامُ قد “تَأَسلَمَت” (إن صح القول) لكن سطحيا فقط، إذ هي احتفظت في أعماق ذاتها بأنظمتها الفكرية وتركيبتها النفسية وجيناتها المتوارثة؛ والتي ما انفَكَّت أن تَغَلَّبَت في أول فرصة على الروح الجديدة التي جاء بها، مُعيدَةً بذلك إيّاها إلى أنماط حياتها وتفكيرها القديمة.
لَقَد غَلَّفَ الإسلام عقلياتهم في السطح لكنه لم يحوّلها في العمق، حيث رأينا كيف كانت هي التي أَقلَمَتهُ في ما بعد، وحاكَتهُ على مقاس ميولها الطبيعية جاعلةً منه شيعيا في إيران، ووهابيا في الخليج، وشعوذةً في المغرب وإفريقيا، وطالبانيا في أفغانستان، و”تَأَسلُماً” سياسيا وإرهابيا هنا وهناك. الإسلام في الأصل تصورٌ للوجود ونظامُ قيم عُرضَا على الإنسان منذ أربع عشر قرنا مضت، صَنَعَت منهُ أجيالُ المسلمينَ الأُولى حضارةً بينما جعلت التي تلتها منه انحطاطا. ومن الممكن أن نستعرضَ هنا لماذا
غرق الإسلام في الاستبداد والظلامية، ولماذا لم يتمكن من تشغيل مُحَرّكاته من جديد منذ أكثر من قرن رغم تعدد المحاولات في سبيل ذلك.
في السنوات الأولى ولحسن الحظ، لم يؤثر الانقلاب الذي ارتكبه معاوية في حق السلطة الشرعية الممثلة في علي (رضي الله عنه) على ديناميكية الفتوحات الإسلامية. فتمكن الإسلام من الانتشار سريعا في الأرض بين شعوب عريقةُ التَّحَضُّر، والتَقَطَ المشعلَ من فكر العصرالقديم بعدَ سقوط الدولة الأموية، ليُوَسّعَ التصورَ البشريَ للكون ويحققَ التقدمَ والاكتشافات في جميع الميادين العلمية والتقنية والفنية: من 750 إلى 1250م. سلسلةٌ متواصلةٌ منقطعة النظير من العلماء الحقيقيين، والعقول النيرة والمخترعين.
.. هكذا تَرَكَت الحضارةُ الإسلاميةُ عهدَ الحداثة الذي لم تَعُد لها فيه ناقةٌ ولا جملٌ، وعادت أدراجها إلى القرون الوسطى وغابر الأزمان؛ بينما نَفَضَت الغربيّةُ غُبارَ قُرون التخلف عن ثيابها، لتضعَ قدميها مرحةً لعوبًا في عصر الحداثة الذي كُتبَ لها أن تحقق فيه أشياءً عظيمة.
ثم فجأةً لم يَعُد هناكَ مُفكّرونَ ولا علماء، ولا عقول مبدعة ولا مخترعون ولا فلاسفة. هكذا، كما لو سقط يَومًا من السماء حاجزٌ ضخمٌ أصابَ عقولَ المسلمين بالعُقم إلى الأبد. وما وَقَعَ في الحقيقة قَريبٌ فعلا وإلى حدّ كبير من ذلك، إذ ظهر في نهاية القرن العاشر تيارٌ فكريٌ جديد، أسّسهُ شخص كان في السابق ينتمي لتيار المعتزلة هو أبو الحسن الأشعري (873 ـ 935)، ثم انقلب على حاله وأخذ يُهاجمُ فكرهم من جميع النواحي. ودَعَّمَهُ بعد ذلك أبو حامد الغزالي (1058 ـ 1111) الذي قسَّم العلم إلى ديني ودنيوي، ثم فصَلَ أحدَهُما عن الآخر وراح يهاجم الفلاسفة واصفا إياهم بالزندقة والكفر.
ازدادَ نفوذ هذا التيارالمناهض للاجتهاد والعقلانية والحرية تدريجيا، إلى أن قضى على فكر المعتزلة النَّير نهائيا. وأَثَّرَ التياران الأشعري والغزالي على المدارس الدينية السُّنية الأربعة حتى أصبحت تعتبر أفكارهما هي المألوفة والمُدَرَّسَة فيها. وهكذا بعد السابقة الخطيرة التي تركها معاوية للإسلام في الميدان السياسي، جاءت الضربة القاضية التي دَمَّرَت فيه الفكروالإبداع. فرُسمَت بذلك الحدودُ الجديدة يومَ أُغلقَت أبوابُ الاجتهاد، وتباطأت الديناميكية الاجتماعية، وتضاءلَ الإبداع العلمي والتقني الذي مَيَّزَ القرونَ الأولى حتى توقّفا تماما. وهكذا بَعدَ أن تَوَقَّفَ الأول، تَعَطَّلَ المحركُ الثاني والأخير لطائرة الإسلام، فلم تلبث أن هبطت إلى الأرض ولم تعد إلى الطيران بعد ذلك أبدا.
التصوّر التقليدي الذي فرض نفسه في القرون الموالية صار يَحُثُّ على الخضوع للسلف ولتفسيره، لكن ليس السلفَ العقلانيَّ العلميّ النَّير الذي يُمثلهُ فكر المعتزلة، بل ذاك الذي أغلق أبواب التفكير والتطور وأوقف التقدم. فَلَم يَعُد يَجبُ التأملُ في القرآن وتفسيره بل فقط تطبيقه حرفيا، طبقا للفهم الذي وضعه علماء الدين، حتى لو لم تكن أفكارهم صالحة، وحتى لو لم يتعلق الأمر إلا بشؤون المجتمع وتنظيمه فقط، وليس بأمور تمس بالعقيدة.
انتزع الفكر التقليديُ الحَرفيُّ من المسلمين الحريةَ التي أعطاهم رسولُ الله (صلى الله عليه وسلم) حين قال: “أنتم أعلم بأمور دنياكم” (رواه مسلم)؛ وفتح الباب أمام حصاد وفير من الصوفيين والزهاد، ومن آيات الله عند الشيعة، ومن العلماء في المشرق، ومن الملا عند الأفغان، ومن شيوخ الشارع في الجزائر. كما سلّم ذات الفكر في الميدان السياسي بالقضاء والقدر، فأوجب السمع والطاعة لولي الأمر دون السماح بالسؤال عن الطريقة التي وصل بها إلى منصبه. ولَم نَسمع بعدَ ذلك بالمخترعين أو الفلاسفة، فَقَد حلَّ محلَّهُم آلاف “الدُّعاة” الذين لا يفكرون ولا يكتبون، مكتفين بالوعظ في المساجد والشوارع وشاشات التلفزيون.
جاءت الضربة القاضية التي دَمَّرَت فيه الفكر والإبداع. يومَ أُغلقَت أبوابُ الاجتهاد وتضاءلَ الإبداع العلمي والتقني الذي مَيَّزَ القرونَ الأولى حتى توقّفا تماما. فتَعَطَّلَ المحركُ الثاني والأخير لطائرة الإسلام، فلم تلبث أن هبطت إلى الأرض ولم تعد إلى الطيران بعد ذلك أبدا.
الإسلاموية المعاصرة هي وريثة هذا التيارالذي ساندَ وأضفى الشرعيةَ على انقلاب معاوية، ثم قَمَعَ الفكر الحر والعلمي الذي كان عند المعتزلة. وقبل أن تُمَثّلَ تقهقُرا بالنسبة للعَالَم الحديث، فهي تُمَثّلُ أولاً وقبل كل شيء تقهقرا بالنسبة للإسلام نفسه، حيث تحمل في طياتها قيمَ الانحطاط وليس قيمَ الإسلام الأصلي المتفتح النير. يمكن لنا طبعا أن نَتَوَهَّمَ فيها الإسلامَ لأنها تَستعرضُ مظاهرهُ وتستظهر شعائرهُ، لكنها في الحقيقة فارغة لا تَحملُ في جَوفها شيئا من عوامل الحياة أو التطور. فهي مثلا تَـحتَلُّ السلطةَ في دول الخليج أو إيران أوالسودان منذ عشرات السنين، إلا أنه لم يظهر في هذه البلدان لا علماء ولا مخترعون ولا عقول مبتكرة ومنتجة.
لماذا لم تصبح جامعة الأزهر أو جامعة القَرَويّين، الموجودتان منذ زُهاء ألف سنة، “داراً للحكمة” مثل تلك التي كانت توجد في بغداد؟ لأن روح هذه الأخيرة وعقلها اختفيا من الوجود. فمثل هذه الجامعات تكتفي اليومَ بالتحفيظ عن ظهر قلب لكُتُب انتهت صلاحية ما تحتويه منذ زمن طويل. حتى أصبحت رزنامتها العلمية تشير إلى العام 1437، لكن من التأريخ الميلادي وليس الهجري. ولغَّمَ تفكير العلماء هذا طُرُقَ الاقتراب من الإسلام، ولفَّ مُحيطَهُ بالأسلاك الشائكة، وسَدَّ كل المنافذ التي تدخل إليه وتخرج منه؛ فهم يسيطرون على المذاهب، والجامعات الإسلامية وبرامج تعليم المواد الدينية، وهيئات الفتوى وتفسير القرآن، وأئمة المساجد والتلفزيون. هم فقط من يخول إليهم الاجتهادُ الذي أغلقوا أبوابهُ منذ ألف عام ولم يعد بمقدور أحد أن يُعيدَ فتحها. حتى العلماء الذين حاولوا التغيير مثل عبد الرحمان الكواكبي، ومحمد عبده، وعلي عبد الرازق ومحمد الغزالي، لم يفلحوا في فرض رؤاهم الإصلاحية.
لو قارننا بين عدد المُؤلَّفات التي كُتبَت في اتجاه الجمود طيلةَ قرون من تاريخ الإسلام، وتلك التي كُتبت في اتجاه التغيير، لكانت النسبة 1 لكُلّ 10.000، أو أقل. وهذا ليس بالشيء الغريب، فَتحطيم استبداد الدُّوَل والسّاسة أسهلُ بكثير من التعرض لاستبداد العلماء. هؤلاء ليسوا فقط أعداءً طبيعيين للتغيير، بَل لَن يُمكنَ لَهُم أَن يُغيّروا في شيء حتى لَو أرادوا ذلك وسَعَوا إليه. لأن كُلَّ تعليمهم وجميع كفاءاتهم متخصصة تحديدا في اللا تغيير. لقد تَكَوَّنوا في ذلك ومن أجل ذلك، وهم حراس “التقاليد” وحُفَّاظُ الماضي. مصالحهم تقتضي أَن يبقى الحال على ما هو عليه، لأن في ذلك دوامُ نفوذهم وازدهارُ حرفَتهم. يَحفَظون آلاف الصفحات عن ظهر قلب، ويَحسَبونَ أنَّ في ذلك أعلى درجات التَّمَكُّن والاقتدار في علم الدين، بينما هو ليس إلا مضيعةً للوقت والجهد. فأين هي الحاجةُ إلى استهلاك الملايين من الخلايا الذهنية لحفظ آلاف الصفحات من معلومات يُمكنُ الوصول إليها في ثوان على الأنترنت؟
في القرن الثاني الهجري، كان عَرَبُ ومُسلمُو ”بيت الحكمة” ببغداد يَعكفون على جمع كل ما أنتجه العقل البشري من كتب ومؤلفات في العلم والفلسفة والدين من اليونان والهند والفرس والبلدان المسيحية؛ لترجمته إلى العربية. أما اليوم، فدولة اليونان الصغيرة، بنحو 11 مليونا من السكان، تُتَرجمُ إلى لغتها كل سنة أكثر مما يُتَرجمهُ العَالَمُ العربي بـ 400 مليون من سكانه. أمّا إسبانيا فتُترجمُ بدورها سنويا بقَدرَ ما تَرجَمَهُ العربُ خلال الألف سنة الأخيرة. وما عسانا نقول عن الغرب الذي اخترع خلال الخمسين سنة الماضية أكثرَ مما اخترعت جميع الحضارات البشرية (بما فيها حضارته) منذ خمسة آلاف سنة. إذا ما استثنينا احتمال حدوث كارثة طبيعية عظمى تَقضي على البشرية خلال القرنين المقبلين، فإنه سوف يتمكن خلالهما من خلق الحياة، والتغلب على المرض، والسفر في الفضاء بسرعة تقارب سرعة الضوء، والوصول أو حتى الاستقرار والعيش على كواكب أخرى.
ما يمكن أن نصل إليه بعد هذا التذكير المقتضب والمُرَكَّز للتاريخ السياسي والفكري للإسلام، هو المحصلة الآتية: كلما رجعنا في التاريخ واقتربنا من المنبع الأولي للإسلام اكتشفنا الجوهر الديمقراطي والعقلاني له. وكلما ابتعدنا عن المصدر القرآني وسيرة الرسول (صلى الله عليه وسلم) اقتربنا من الانحطاط. ولو لم تتمكن الظلامية من قطع الطريق أمام مسيرة النورالقرآني، لَكانَ في وسع العلوم والتكنولوجيا، وعلوم الاجتماع والسياسة وحقوق الإنسان أن تتقدم بألفيةً كاملة عمّا هي عليه اليوم، ولكانت الحضارة الإسلامية في زمننا هذا تقودُ العالم وربما الكون. لكن حدثَ ما حدث، وكانَ ما كان… في قديم الزمان !
ترجمة: بوكروح وليد