الرأي
إصلاح الفكر والسياسة

كان‮ ‬يا ما كان‮…‬

نور الدين بوكروح
  • 4289
  • 0

كان‮ ‬يا ما كان في‮ ‬قديم الزمان،‮ ‬وسالف العصر والأوان،‮ ‬حضارتان،‮ ‬إحداهما من الشرق،‮ ‬هرمةٌ‮ ‬تَتَقوَّضُ‮ ‬تحتَ‮ ‬أثقال قُرون من الزمان،‮ ‬وأخرى من الغرب‮ ‬يانعةُ‮ ‬الشباب في‮ ‬أَوج القوة والعنفوان‮. ‬التَقَت في‮ ‬القرن الرابع عشر الغريمتان،‮ ‬وجها لوجه والتاريخ ثالثُهما حَكَمٌ‮ ‬يُهَيّئُ‮ ‬لكلَيهما الامتحان‮. ‬ينظرُ‮ ‬للأولى التي‮ ‬رافقته طويلا على مرّ‮ ‬الزمان؛ ثم‮ ‬يقول لها بحسرة وأسف‮: “‬الوداع‮” ‬ويُديرُ‮ ‬ظهرهُ‮ ‬ليَتَمَعَّنُ‮ ‬في‮ ‬الثَّانية التي‮ ‬لم‮ ‬يعرفها من ذي‮ ‬قبل‮. ‬يتأمل فيها،‮ ‬وبابتسامة عريضة‮ ‬يرحبُ‮ ‬بها ويقول‮: “‬أهلا وسهلا‮”. ‬لكن الريبةُ‮ ‬تَتَمَلَّكُ‮ ‬التاريَخ فجأة عندما‮ ‬يتذكر ما اعتاد عليه منذ قديم الأزمان‮: ‬أَنَّ‮ ‬الشمسَ‮ ‬تطلعُ‮ ‬من الشرق وتنصرف إلى الغرب‮. ‬فيتردَّدُ‮ ‬قليلا ويُفَكّرُ‮: ‬أليس في‮ ‬هذا اختلالٌ‮ ‬لقانون الأكوان؟ لكنه سرعان ما‮ ‬يعود إلى رشده،‮ ‬ويتذكرُ‮ ‬أنَّ‮ ‬دورهُ‮ ‬لا‮ ‬يعدو الشهادة وتدوين ما تصنعه‮ ‬يد الإنسان‮. ‬ثم مَن‮ ‬يكترثُ‮ ‬من أين تأتي‮ ‬وأين تذهب الشمس؟ أليس الأَهَمُّ‮ ‬أن تَستَمرَّ‮ ‬في‮ ‬بَسط نورها على البلدان؟

هكذا تَرَكَت الحضارةُ‮ ‬الإسلاميةُ‮ ‬عهدَ‮ ‬الحداثة الذي‮ ‬لم تَعُد لها فيه ناقةٌ‮ ‬ولا جملٌ،‮ ‬وعادت أدراجها حزينةً‮ ‬مجعدةَ‮ ‬الوَجه كئيبةً‮ ‬الملامح،‮ ‬إلى القرون الوسطى وغابر الأزمان؛ بينما نَفَضَت الغربيّةُ‮ ‬غُبارَ‮ ‬قُرون التخلف عن ثيابها،‮ ‬لتضعَ‮ ‬قدميها مرحةً‮ ‬لعوبًا في‮ ‬عصر الحداثة الذي‮ ‬كُتبَ‮ ‬لها أن تحقق فيه أشياءً‮ ‬عظيمة‮. “‬وَتِلْكَ‮ ‬الأيام نُدَاوِلُهَا بَيْنَ‮ ‬الناس‮…”: ‬لقد أنذرنا بذلك وخبّرنا القرآن‮. ‬

عندما‮  ‬نتفحّصُ‮ ‬حالَ‮ ‬العالم الإسلامي‮ ‬في‮ ‬وقتنا هذا،‮ ‬ندركُ‮ ‬من الوهلة الأولى أنَّ‮ ‬الإسلام فشل،‮ ‬ما عدا استثناءات نادرة،‮ ‬في‮ ‬ترقية الإنسان المسلم إلى مستوى التطور الفكري‮ ‬والعلمي‮ ‬والتكنولوجي‮ ‬والمؤسساتي‮ ‬والعسكري‮ ‬والاقتصادي‮ ‬الذي‮ ‬بلغتهُ‮ ‬الحضارات الأخرى‮. ‬كدنا نفقدُ‮ ‬فيه الأملَ‮ ‬منذ قرون ونَيأسُ‮ ‬منه إلى الأبد،‮ ‬لَو لَم تُوجَد في‮ ‬الماضي‮ ‬مساهماتهُ‮ ‬الهائلة في‮ ‬تطورالعلوم والفنون وشتّى الاختراعات التقنية والفكر؛ ولَو لم نُدرك الوثبةُ‮ ‬العملاقة التي‮ ‬سمحَ‮ ‬للبشرية بتحقيقها منذُ‮ ‬لحظة ظهوره حتى القرن الرابع عشر ومقدمة ابن خلدون؛ ولَو لَم نَتَذَكَّر أنَّهُ‮ ‬لم‮ ‬يَكُن دائما على هذا الحال من الهوان‮.‬

لكن المشكل في‮ ‬الحقيقة لا‮ ‬يكمن فيه هو وإنّما في‮ ‬الدعائم الاجتماعية التي‮ ‬حملته‮. ‬فالإسلام لم‮ ‬يأت ببشرية جديدة عند مجيئه،‮ ‬ولا نَزَلَ‮ ‬على إنسان جديد خرجَ‮ ‬لتَوّه من بين أيدي‮ ‬الخالق،‮ ‬بل ركب قطارَ‮ ‬الإنسانية وهو‮ ‬يَسير،‮ ‬فَنَزَلَ‮ ‬عند شعوب كانت تَحملُ‮ ‬ذهنيات وعقائد،‮ ‬وأنماطَ‮ ‬حياة،‮ ‬وصراعات مصالح،‮ ‬وأحقاد قبلية،‮ ‬ونزاعات متوارثة سبقتهُ‮ ‬وتواصلت بَعدَ‮ ‬قُدومه‮. ‬إنهُ‮ ‬لَم‮ ‬يَخلُق الإنسانَ‮ ‬المسلمَ‮ ‬من العدم،‮ ‬بل أَمسكَ‮ ‬بالإنسان العربي،‮ ‬القريشي،‮ ‬الفارسي،‮ ‬الأمازيغي،‮ ‬التركي،‮ ‬البشتوني،‮ ‬المغولي؛ فصَبَغَهُ‮ ‬باللَّون الأخضر ثم ألقى به في‮ ‬حلبة التاريخ‮. ‬والشعوبُ‮ ‬التي‮ ‬حلَّ‮ ‬عندها الإسلامُ‮ ‬قد‮ “‬تَأَسلَمَت‮” (‬إن صح القول‮)  ‬لكن سطحيا فقط،‮ ‬إذ هي‮ ‬احتفظت في‮ ‬أعماق ذاتها بأنظمتها الفكرية وتركيبتها النفسية وجيناتها المتوارثة؛ والتي‮ ‬ما انفَكَّت أن تَغَلَّبَت في‮ ‬أول فرصة على الروح الجديدة التي‮ ‬جاء بها،‮ ‬مُعيدَةً‮ ‬بذلك إيّاها إلى أنماط حياتها وتفكيرها القديمة‮.‬

لَقَد‮ ‬غَلَّفَ‮ ‬الإسلام عقلياتهم في‮ ‬السطح لكنه لم‮ ‬يحوّلها في‮ ‬العمق،‮ ‬حيث رأينا كيف كانت هي‮ ‬التي‮ ‬أَقلَمَتهُ‮ ‬في‮ ‬ما بعد،‮ ‬وحاكَتهُ‮ ‬على مقاس ميولها الطبيعية جاعلةً‮ ‬منه شيعيا في‮ ‬إيران،‮ ‬ووهابيا في‮ ‬الخليج،‮ ‬وشعوذةً‮ ‬في‮ ‬المغرب وإفريقيا،‮ ‬وطالبانيا في‮ ‬أفغانستان،‮  ‬و”تَأَسلُماً‮” ‬سياسيا وإرهابيا هنا وهناك‮. ‬الإسلام في‮ ‬الأصل تصورٌ‮ ‬للوجود ونظامُ‮ ‬قيم عُرضَا على الإنسان منذ أربع عشر قرنا مضت،‮ ‬صَنَعَت منهُ‮ ‬أجيالُ‮ ‬المسلمينَ‮ ‬الأُولى حضارةً‮ ‬بينما جعلت التي‮ ‬تلتها منه انحطاطا‮. ‬ومن الممكن أن نستعرضَ‮ ‬هنا لماذا‮ ‬

غرق الإسلام في‮ ‬الاستبداد والظلامية،‮ ‬ولماذا لم‮ ‬يتمكن من تشغيل مُحَرّكاته من جديد منذ أكثر من قرن رغم تعدد المحاولات في‮ ‬سبيل ذلك‮. ‬

في‮ ‬السنوات الأولى ولحسن الحظ،‮ ‬لم‮ ‬يؤثر الانقلاب الذي‮ ‬ارتكبه معاوية في‮ ‬حق السلطة الشرعية الممثلة في‮ ‬علي‮ (‬رضي‮ ‬الله عنه‮) ‬على ديناميكية الفتوحات الإسلامية‮. ‬فتمكن الإسلام من الانتشار سريعا في‮ ‬الأرض بين شعوب عريقةُ‮ ‬التَّحَضُّر،‮ ‬والتَقَطَ‮ ‬المشعلَ‮ ‬من فكر العصرالقديم بعدَ‮ ‬سقوط الدولة الأموية،‮ ‬ليُوَسّعَ‮ ‬التصورَ‮ ‬البشريَ‮ ‬للكون ويحققَ‮ ‬التقدمَ‮ ‬والاكتشافات في‮ ‬جميع الميادين العلمية والتقنية والفنية‮: ‬من‮ ‬750‮ ‬إلى‮ ‬1250م‮. ‬سلسلةٌ‮ ‬متواصلةٌ‮ ‬منقطعة النظير من العلماء الحقيقيين،‮ ‬والعقول النيرة والمخترعين‮.‬

‭..‬‮ ‬هكذا تَرَكَت الحضارةُ‮ ‬الإسلاميةُ‮ ‬عهدَ‮ ‬الحداثة الذي‮ ‬لم تَعُد لها فيه ناقةٌ‮ ‬ولا جملٌ،‮ ‬وعادت أدراجها إلى القرون الوسطى وغابر الأزمان؛ بينما نَفَضَت الغربيّةُ‮ ‬غُبارَ‮ ‬قُرون التخلف عن ثيابها،‮ ‬لتضعَ‮ ‬قدميها مرحةً‮ ‬لعوبًا في‮ ‬عصر الحداثة الذي‮ ‬كُتبَ‮ ‬لها أن تحقق فيه أشياءً‮ ‬عظيمة‮.‬

العقلُ‮ ‬المسلمُ‮ ‬كانَ‮ ‬يعملُ‮ ‬وقتها في‮ ‬جو من رُقيّ‮ ‬الفكر حيث الإنسانُ‮ ‬حُرٌّ‮ ‬ليَبحثُ‮ ‬ويَتحرَّي‮ ‬وينتقدُ‮ ‬ويتأملُ‮ ‬دون قيد،‮ ‬والمفكرُ‮ ‬يسعى لاكتشاف أسرار الطبيعة والحياة ويستنبطُ‮ ‬منها مختلف الاختراعات والتقنيات‮. ‬كما كان التسامح والتعايش السلمي‮ ‬بين المسلمين والمسيحيين واليهود على أَوجه،‮ ‬حيث كان علماء الأديان الثلاثة‮ ‬يشتغلون سواسيةً‮ ‬في‮ “‬بيت الحكمة‮” ‬التي‮ ‬أنشأت في‮ ‬بغداد عام‮ ‬840م،‮ ‬والتي‮ ‬عَرَفَت في‮ ‬870‭ ‬عربي‮ ‬مسيحي‮ (‬حنين ابن اسحق‮) ‬على رأسها‮. ‬تلك هي‮ ‬الفترةُ‮ ‬التي‮ ‬يُصطلحُ‮ ‬عليها بالعصر الذهبي،‮ ‬والذي‮ ‬عاش خلاله العدد الأكبر من العلماء‮ (‬العلميين‮) ‬والعقول الفذة،‮ ‬والذين‮ ‬يُمكنُ‮ ‬أن نذكرَ‮ ‬من بينهم‮: ‬الخوارزمي‮ ‬781‮ (‬إلى‮ ‬850‮)‬،‮ ‬أب الجبر والحساب اللذان لولاهما ما وُجدَ‮ ‬العَالَمُ‮ ‬الحديث والمعلوماتية والانترنت؛ بنو موسى‮ (‬الإخوة محمد واحمد والحسن في‮ ‬القرن التاسع‮) ‬الذين قاسوا محيط الأرض،‮ ‬واخترعوا أول الآليات،‮ ‬ووطوروا نظام الصمام المخروطي‮ ‬الذي‮ ‬يُطَبَّقُ‮ ‬مبدأه اليوم في‮ ‬صناعة الطائرات النفاثة وآلات الغسيل؛ عباس ابن فرناس‮ (‬810‮ ‬إلى‮ ‬887‮) ‬الذي‮ ‬صنع أول آلة للطيران كان بإمكانها أن تُدَشّنَ‮ ‬علم الطيران الحديث لو واصلَ‮ ‬من جاؤوا بَعدَهُ‮ ‬عَمَلَهُ،‮ ‬وابتكر ساعةً‮ “‬الميقات‮” ‬المائية،‮ ‬وكان أول من وضع تقنيات التعامل مع الكريستال،‮ ‬وصنع عدة أدوات لمراقبة النجوم؛ الرازي‮ (‬865‮ ‬ـ‮ ‬923‮)‬؛ الطبيب وعالم الكيمياء الذي‮ ‬اكتشف حمض الكبريت،‮ ‬ووضع مبدأ المراقبة الطبية والنفسية،‮ ‬وأنشأ أول مستشفىً‮ ‬عامّ،‮ ‬أبو القاسم الزهراوي‮ (‬936‮ ‬ـ‮ ‬1013‮) ‬مؤسس الجراحة؛ ابن الهيثم‮ (‬965‮ ‬ـ‮ ‬1040‮)‬‭ ‬مؤسس الفيزياء التجريبية وعلم البصريات الحديثة؛ البيروني‮ (‬973‮ ‬ـ‮ ‬1048‮) ‬أول من حسب قطر الأرض واكتشف أنها تدور حول نفسها والذي‮ ‬كان‮ ‬يمكن لأعماله لو توبعت أن تؤدي‮ ‬إلى الفيزياء الفلكية؛ الجزري‮ (‬1136‮ ‬ـ‮ ‬1206‮)‬‭ ‬الذي‮ ‬اخترع الذراع المحرك وعمود الحدبات والعمود المرفقي‮ ‬والعجلة الهيدروليكية ودورة مياه المراحيض والأبواب الآلية الخ،‮ ‬وفَصَّلَ‮ ‬كيفية صناعتها وعملها هي‮ ‬وأشياء أخرى عديدة في‮ ‬كتاب‮ “‬الجامع بين العلم والعمل النافع في‮ ‬صناعة الحيل”؛ حسن الرماح‮ (‬توفي‮ ‬في‮ ‬1295‮) ‬أب علم القذيفة وأول من صمم وجرب الطوربيد،‮ ‬مؤلف كتاب عظيم‮ (‬الفروسية والمكائد الحربية‮) ‬حول الآلات الحربية‮ ‬يصف فيه أول صاروخ في‮ ‬التاريخ‮. ‬هذا ولا ننسى العباقرة الآخرين من نفس العهد،‮ ‬من الذين انضَمَّت أسماؤهم إلى التراث الفكري‮ ‬العالمي‮ ‬خالدةً‮ ‬فيه‮: ‬الكندي،‮ ‬الفارابي،‮ ‬ابن سينا،‮ ‬ابن رشد،‮ ‬ابن طفيل وآخرينَ‮ ‬يُعَدُّونَ‮ ‬بالعشرات‮.‬

ثم فجأةً‮ ‬لم‮ ‬يَعُد هناكَ‮ ‬مُفكّرونَ‮ ‬ولا علماء،‮ ‬ولا عقول مبدعة ولا مخترعون ولا فلاسفة‮. ‬هكذا،‮ ‬كما لو سقط‮ ‬يَومًا من السماء حاجزٌ‮ ‬ضخمٌ‮ ‬أصابَ‮ ‬عقولَ‮ ‬المسلمين بالعُقم إلى الأبد‮. ‬وما وَقَعَ‮ ‬في‮ ‬الحقيقة قَريبٌ‮ ‬فعلا وإلى حدّ‮ ‬كبير من ذلك،‮ ‬إذ ظهر في‮ ‬نهاية القرن العاشر تيارٌ‮ ‬فكريٌ‮ ‬جديد،‮ ‬أسّسهُ‮ ‬شخص كان في‮ ‬السابق‮ ‬ينتمي‮ ‬لتيار المعتزلة هو أبو الحسن الأشعري‮ (‬873‮ ‬ـ‮ ‬935‮)‬،‮ ‬ثم انقلب على حاله وأخذ‮ ‬يُهاجمُ‮ ‬فكرهم من جميع النواحي‮. ‬ودَعَّمَهُ‮ ‬بعد ذلك أبو حامد الغزالي‮ (‬1058‮ ‬ـ‭ ‬1111‮)‬‭ ‬الذي‮ ‬قسَّم العلم إلى ديني‮ ‬ودنيوي،‮ ‬ثم فصَلَ‮ ‬أحدَهُما عن الآخر وراح‮ ‬يهاجم الفلاسفة واصفا إياهم بالزندقة والكفر‮.‬

ازدادَ‮ ‬نفوذ هذا التيارالمناهض للاجتهاد والعقلانية والحرية تدريجيا،‮ ‬إلى أن قضى على فكر المعتزلة النَّير نهائيا‮. ‬وأَثَّرَ‮ ‬التياران الأشعري‮ ‬والغزالي‮ ‬على المدارس الدينية السُّنية الأربعة حتى أصبحت تعتبر أفكارهما هي‮ ‬المألوفة والمُدَرَّسَة فيها‮. ‬وهكذا بعد السابقة الخطيرة التي‮ ‬تركها معاوية للإسلام في‮ ‬الميدان السياسي،‮ ‬جاءت الضربة القاضية التي‮ ‬دَمَّرَت فيه الفكروالإبداع‮. ‬فرُسمَت بذلك الحدودُ‮ ‬الجديدة‮ ‬يومَ‮ ‬أُغلقَت أبوابُ‮ ‬الاجتهاد،‮ ‬وتباطأت الديناميكية الاجتماعية،‮ ‬وتضاءلَ‮ ‬الإبداع العلمي‮ ‬والتقني‮ ‬الذي‮ ‬مَيَّزَ‮ ‬القرونَ‮ ‬الأولى حتى توقّفا تماما‮. ‬وهكذا بَعدَ‮ ‬أن تَوَقَّفَ‮ ‬الأول،‮ ‬تَعَطَّلَ‮ ‬المحركُ‮ ‬الثاني‮ ‬والأخير لطائرة الإسلام،‮ ‬فلم تلبث أن هبطت إلى الأرض ولم تعد إلى الطيران بعد ذلك أبدا‮. ‬

التصوّر التقليدي‮ ‬الذي‮ ‬فرض نفسه في‮ ‬القرون الموالية صار‮ ‬يَحُثُّ‮ ‬على الخضوع للسلف ولتفسيره،‮ ‬لكن ليس السلفَ‮ ‬العقلانيَّ‮ ‬العلميّ‮ ‬النَّير الذي‮ ‬يُمثلهُ‮ ‬فكر المعتزلة،‮ ‬بل ذاك الذي‮ ‬أغلق أبواب التفكير والتطور وأوقف التقدم‮. ‬فَلَم‮ ‬يَعُد‮ ‬يَجبُ‮ ‬التأملُ‮ ‬في‮ ‬القرآن وتفسيره بل فقط تطبيقه حرفيا،‮ ‬طبقا للفهم الذي‮ ‬وضعه علماء الدين،‮ ‬حتى لو لم تكن أفكارهم صالحة،‮ ‬وحتى لو لم‮ ‬يتعلق الأمر إلا بشؤون المجتمع وتنظيمه فقط،‮ ‬وليس بأمور تمس بالعقيدة‮.‬

انتزع الفكر التقليديُ‮ ‬الحَرفيُّ‮ ‬من المسلمين الحريةَ‮ ‬التي‮ ‬أعطاهم رسولُ‮ ‬الله‮ (‬صلى الله عليه وسلم‮) ‬حين قال‮: “‬أنتم أعلم بأمور دنياكم‭” ‬‮(‬رواه مسلم)؛ وفتح الباب أمام حصاد وفير من الصوفيين والزهاد،‮ ‬ومن آيات الله عند الشيعة،‮ ‬ومن العلماء في‮ ‬المشرق،‮ ‬ومن الملا عند الأفغان،‮ ‬ومن شيوخ الشارع في‮ ‬الجزائر‮. ‬كما سلّم ذات الفكر في‮ ‬الميدان السياسي‮ ‬بالقضاء والقدر،‮ ‬فأوجب السمع والطاعة لولي‮ ‬الأمر دون السماح بالسؤال عن الطريقة التي‮ ‬وصل بها إلى منصبه‮. ‬ولَم نَسمع بعدَ‮ ‬ذلك بالمخترعين أو الفلاسفة،‮ ‬فَقَد حلَّ‮ ‬محلَّهُم آلاف‮ “‬الدُّعاة‮” ‬الذين لا‮ ‬يفكرون ولا‮ ‬يكتبون،‮ ‬مكتفين بالوعظ في‮ ‬المساجد والشوارع وشاشات التلفزيون‮. ‬

جاءت الضربة القاضية التي‮ ‬دَمَّرَت فيه الفكر والإبداع‮.  ‬يومَ‮ ‬أُغلقَت أبوابُ‮ ‬الاجتهاد وتضاءلَ‮ ‬الإبداع العلمي‮ ‬والتقني‮ ‬الذي‮ ‬مَيَّزَ‮ ‬القرونَ‮ ‬الأولى حتى توقّفا تماما‮. ‬فتَعَطَّلَ‮ ‬المحركُ‮ ‬الثاني‮ ‬والأخير لطائرة الإسلام،‮ ‬فلم تلبث أن هبطت إلى الأرض ولم تعد إلى الطيران بعد ذلك أبدا‮. ‬

الإسلاموية المعاصرة هي‮ ‬وريثة هذا التيارالذي‮ ‬ساندَ‮ ‬وأضفى الشرعيةَ‮ ‬على انقلاب معاوية،‮ ‬ثم قَمَعَ‮ ‬الفكر الحر والعلمي‮ ‬الذي‮ ‬كان عند المعتزلة‮. ‬وقبل أن تُمَثّلَ‮ ‬تقهقُرا بالنسبة للعَالَم الحديث،‮ ‬فهي‮ ‬تُمَثّلُ‮ ‬أولاً‮ ‬وقبل كل شيء تقهقرا بالنسبة للإسلام نفسه،‮ ‬حيث تحمل في‮ ‬طياتها قيمَ‮ ‬الانحطاط وليس قيمَ‮ ‬الإسلام الأصلي‮ ‬المتفتح النير‮. ‬يمكن لنا طبعا أن نَتَوَهَّمَ‮ ‬فيها الإسلامَ‮ ‬لأنها تَستعرضُ‮ ‬مظاهرهُ‮ ‬وتستظهر شعائرهُ،‮ ‬لكنها في‮ ‬الحقيقة فارغة لا تَحملُ‮ ‬في‮ ‬جَوفها شيئا من عوامل الحياة أو التطور‮. ‬فهي‮ ‬مثلا تَـحتَلُّ‮ ‬السلطةَ‮ ‬في‮ ‬دول الخليج أو إيران أوالسودان منذ عشرات السنين،‮ ‬إلا أنه لم‮ ‬يظهر في‮ ‬هذه البلدان لا علماء ولا مخترعون ولا عقول مبتكرة ومنتجة‮. ‬

لماذا لم تصبح جامعة الأزهر أو جامعة القَرَويّين،‮ ‬الموجودتان منذ زُهاء ألف سنة،‮ “‬داراً‮ ‬للحكمة‮” ‬مثل تلك التي‮ ‬كانت توجد في‮ ‬بغداد؟ لأن روح هذه الأخيرة وعقلها اختفيا من الوجود‮. ‬فمثل هذه الجامعات تكتفي‮ ‬اليومَ‮ ‬بالتحفيظ عن ظهر قلب لكُتُب انتهت صلاحية ما تحتويه منذ زمن طويل‮. ‬حتى أصبحت رزنامتها العلمية تشير إلى العام‮ ‬1437،‮ ‬لكن من التأريخ الميلادي‮ ‬وليس الهجري‮. ‬ولغَّمَ‮ ‬تفكير العلماء هذا طُرُقَ‮ ‬الاقتراب من الإسلام،‮ ‬ولفَّ‮ ‬مُحيطَهُ‮ ‬بالأسلاك الشائكة،‮ ‬وسَدَّ‮ ‬كل المنافذ التي‮ ‬تدخل إليه وتخرج منه؛ فهم‮ ‬يسيطرون على المذاهب،‮ ‬والجامعات الإسلامية وبرامج تعليم المواد الدينية،‮ ‬وهيئات الفتوى وتفسير القرآن،‮ ‬وأئمة المساجد والتلفزيون‮. ‬هم فقط من‮ ‬يخول إليهم الاجتهادُ‮ ‬الذي‮ ‬أغلقوا أبوابهُ‮ ‬منذ ألف عام ولم‮ ‬يعد بمقدور أحد أن‮ ‬يُعيدَ‮ ‬فتحها‮. ‬حتى العلماء الذين حاولوا التغيير مثل عبد الرحمان الكواكبي،‮ ‬ومحمد عبده،‮ ‬وعلي‮ ‬عبد الرازق ومحمد الغزالي،‮ ‬لم‮ ‬يفلحوا في‮ ‬فرض رؤاهم الإصلاحية‮.  ‬

لو قارننا بين عدد المُؤلَّفات التي‮ ‬كُتبَت في‮ ‬اتجاه الجمود طيلةَ‮ ‬قرون من تاريخ الإسلام،‮ ‬وتلك التي‮ ‬كُتبت في‮ ‬اتجاه التغيير،‮ ‬لكانت النسبة‮ ‬1‭ ‬لكُلّ‮ ‬10‭.‬000،‮ ‬أو أقل‮. ‬وهذا ليس بالشيء الغريب،‮ ‬فَتحطيم استبداد الدُّوَل والسّاسة أسهلُ‮ ‬بكثير من التعرض لاستبداد العلماء‮. ‬هؤلاء ليسوا فقط أعداءً‮ ‬طبيعيين للتغيير،‮ ‬بَل لَن‮ ‬يُمكنَ‮ ‬لَهُم أَن‮ ‬يُغيّروا في‮ ‬شيء حتى لَو أرادوا ذلك وسَعَوا إليه‮. ‬لأن كُلَّ‮ ‬تعليمهم وجميع كفاءاتهم متخصصة تحديدا في‮ ‬اللا تغيير‮. ‬لقد تَكَوَّنوا في‮ ‬ذلك ومن أجل ذلك،‮ ‬وهم حراس‮ “‬التقاليد‮” ‬وحُفَّاظُ‮ ‬الماضي‮. ‬مصالحهم تقتضي‮ ‬أَن‮ ‬يبقى الحال على ما هو عليه،‮ ‬لأن في‮ ‬ذلك دوامُ‮ ‬نفوذهم وازدهارُ‮ ‬حرفَتهم‮. ‬يَحفَظون آلاف الصفحات عن ظهر قلب،‮ ‬ويَحسَبونَ‮ ‬أنَّ‮ ‬في‮ ‬ذلك أعلى درجات التَّمَكُّن والاقتدار في‮ ‬علم الدين،‮ ‬بينما هو ليس إلا مضيعةً‮ ‬للوقت والجهد‮. ‬فأين هي‮ ‬الحاجةُ‮ ‬إلى استهلاك الملايين من الخلايا الذهنية لحفظ آلاف الصفحات من معلومات‮ ‬يُمكنُ‮ ‬الوصول إليها في‮ ‬ثوان على الأنترنت؟‮ ‬

في‮ ‬القرن الثاني‮ ‬الهجري،‮ ‬كان عَرَبُ‮ ‬ومُسلمُو‮ ‬‭”‬بيت الحكمة‮” ‬ببغداد‮ ‬يَعكفون على جمع كل ما أنتجه العقل البشري‮ ‬من كتب ومؤلفات في‮ ‬العلم والفلسفة والدين من اليونان والهند والفرس والبلدان المسيحية؛ لترجمته إلى العربية‮. ‬أما اليوم،‮ ‬فدولة اليونان الصغيرة،‮ ‬بنحو‮ ‬11‮ ‬مليونا من السكان،‮ ‬تُتَرجمُ‮ ‬إلى لغتها كل سنة أكثر مما‮ ‬يُتَرجمهُ‮ ‬العَالَمُ‮ ‬العربي‮ ‬بـ‮ ‬400‮ ‬مليون من سكانه‮. ‬أمّا إسبانيا فتُترجمُ‮ ‬بدورها سنويا بقَدرَ‮ ‬ما تَرجَمَهُ‮ ‬العربُ‮ ‬خلال الألف سنة الأخيرة‮. ‬وما عسانا نقول عن الغرب الذي‮ ‬اخترع خلال الخمسين سنة الماضية أكثرَ‮ ‬مما اخترعت جميع الحضارات البشرية‮ (‬بما فيها حضارته‮) ‬منذ خمسة آلاف سنة‮. ‬إذا ما استثنينا احتمال حدوث كارثة طبيعية عظمى تَقضي‮ ‬على البشرية خلال القرنين المقبلين،‮ ‬فإنه سوف‮ ‬يتمكن خلالهما من خلق الحياة،‮ ‬والتغلب على المرض،‮ ‬والسفر في‮ ‬الفضاء بسرعة تقارب سرعة الضوء،‮ ‬والوصول أو حتى الاستقرار والعيش على كواكب أخرى‮.‬

ما‮ ‬يمكن أن نصل إليه بعد هذا التذكير المقتضب والمُرَكَّز للتاريخ السياسي‮ ‬والفكري‮ ‬للإسلام،‮ ‬هو المحصلة الآتية‮: ‬كلما رجعنا في‮ ‬التاريخ واقتربنا من المنبع الأولي‮ ‬للإسلام اكتشفنا الجوهر الديمقراطي‮ ‬والعقلاني‮ ‬له‮. ‬وكلما ابتعدنا عن المصدر القرآني‮ ‬وسيرة الرسول‮ (‬صلى الله عليه وسلم‮) ‬اقتربنا من الانحطاط‮. ‬ولو لم تتمكن الظلامية من قطع الطريق أمام مسيرة النورالقرآني،‮ ‬لَكانَ‮ ‬في‮ ‬وسع العلوم والتكنولوجيا،‮ ‬وعلوم الاجتماع والسياسة وحقوق الإنسان أن تتقدم بألفيةً‮ ‬كاملة عمّا هي‮ ‬عليه اليوم،‮ ‬ولكانت الحضارة الإسلامية في‮ ‬زمننا هذا تقودُ‮ ‬العالم وربما الكون‮. ‬لكن حدثَ‮ ‬ما حدث،‮ ‬وكانَ‮ ‬ما كان‮… ‬في‮ ‬قديم الزمان‮ ! ‬

 

ترجمة‮: ‬بوكروح وليد

مقالات ذات صلة