-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
سمير الكحلوت شقيق أبو عبيدة يتحدث لـ"الشروق" عن الوجه الآخر للملثّم

“كان أبًا حنونًا وأخًا محبًا… لم تُثنه قضيته عن الاهتمام بعائلته”

“كان أبًا حنونًا وأخًا محبًا… لم تُثنه قضيته عن الاهتمام بعائلته”
ح.م
الشهيد أبو عبيدة

بعد أكثر من عقدين من ظهوره العسكري والإعلامي بصفته الناطق باسم كتائب القسام، بقيت صورة الشهيد أبو عبيدة في الوعي العام صوتًا محكمًا ومقنعًا، لا يكتب للعامة سوى بيانات الحرب، ولا يخاطب إلا الجمهور الواسع. غير أن الورقة التي وصلت أخيرًا إلى عائلته كشفت وجهًا آخر لم يسبق لأحد أن رآه: وجه الإنسان الذي يميل إلى عائلته حين يخفّ الضجيج.
في رسالته الخطّية الأخيرة قبيل استشهاده، كتب أبو عبيدة بخط يده جملة قصيرة لا تشبه اللغة العسكرية التي عهدها الناس منه، بل تشبه لغة الأبناء الذين يخشون أن ينقطع حبل التواصل فجأة:
“أسأل الله أن تكونوا بخير وصحة وعافية، وأن يفرّج سبحانه الكرب، ويرفع عنا وعن أهلنا البلاء والمحنة، وأن نراكم على خير بإذنه تعالى. أرجو إذا وصلك كتابي هذا أن تطمئنني على أهلي جميعًا، كيف هي أحوالكم، وأين مقامكم في هذه الأثناء، عسى أن تكونوا في خير حال إن شاء الله”.
كانت الرسالة مختصرة ومتماسكة، لكنها محمّلة بما لا يستطيع القيادي أن يقوله أمام الكاميرا؛ فالمنطقة ما بين الواجب والحنين ليست متاحة في خطابات الحرب، وإنما في الأوراق الصغيرة التي تُترك خلف الأسرّة، أو في الجيوب، أو في درج صغير ينتظر من يفتحه بعد الغياب.

الغياب الثقيل
لم يكن استشهاد أبو عبيدة حدثًا عاديًا في فلسطين؛ فقد رحل الرجل الذي لم يرَ الناس وجهه، ولم يعرفوا مكانه، لكنهم سمعوه في أشد لحظات الحرب حساسية، وتعلّقوا بصوته كما يتعلّق الناس بآخر خيط معنوي حين تضيق السماء.
أما لدى عائلته، فلم تكن تفاصيل الغياب سياسية، بل إنسانية بالكامل. فالأب، سمير ياسين الكحلوت (أبو صهيب)، كتب بعد استشهاد ولده مرثية طويلة، لم تكن موجهة للجمهور، بل لابن غاب قبل الوداع:
“رحلتَ يا حبيب بغير وداع… إلى العلا في ركبٍ من الشهداء… لم تنتظر حتى نراك ساعة… عسى ربنا أن يجمعنا في جنة الفردوس في العلياء”.
كانت المرثية محاولة لإكمال الحوار الذي انقطع؛ فالأب لم يُنهِ أسئلته بعد، ولا يزال يخاطب ابنه كما لو كان يسمعه: “أخبرنا كيف لقاؤك برب السماء؟ هل سعدت بقربك من سيد الأنام؟”.
وطوال سنوات، مثّل أبو عبيدة رمزًا يتعامل معه الجمهور عبر البيانات العسكرية، لكن عائلته وحدها عاشت معه نسخته اليومية: الابن، الشاب، الطالب، المتديّن، المكلّف، الأب، الأخ… تلك النسخة التي لا تتّسع لها خطابات الحرب.
ولذلك ختم والد الشهيد مرثيته بجملة حملت كل ما تبقى من المعنى: “إلى اللقاء يا ولدي الغالي في ظلال جنة الرحمن”.
كانت شهادة شقيقه سمير الكحلوت فرصة لتسليط الضوء على الجوانب الإنسانية للشخصية المعروفة باسم حذيفة الكحلوت (أبو عبيدة)، حيث برزت قيم الوفاء، والأخلاق العالية، وحسن المعاملة مع الجميع.

حذيفة… الأب والابن والأخ
قال سمير الكحلوت، لـ”الشروق”، إن علاقة شقيقه بعائلته تميّزت بالبر والاهتمام الدائم، مؤكدًا أنه كان ابنًا بارًا بوالديه، خافض الجناح لهما، ومشاركًا لهما في كل صغيرة وكبيرة. وأضاف أن حذيفة كان حريصًا دائمًا على أن يمنح عائلته حقوقها، رغم انشغاله بالدفاع عن قضيته، موضحًا أنه كان أبًا حنونًا وأخًا محبًا، يشاركهم همومهم وأفراحهم.
وفيما يخص علاقاته بالآخرين، أشار سمير إلى أن حذيفة كان دمث الأخلاق، بشوش الوجه، محبوبًا من الجميع، سواء داخل الدائرة العائلية أو بين الجيران ومعارفه.
كما كان حذيفة دائمًا يوصي بالصبر والثبات، مؤكدًا أن الابتلاءات لا بد أن تنتهي بخير وفرج عظيم، وأن قضيته عادلة من الناحيتين الدينية والوطنية.
وخلال فترة صعبة استمرت عامين، يكشف سمير الكحلوت في حديثه أن «أبو عبيدة زار العائلة مرة واحدة فقط، لكنها كانت زيارة سريعة غنية بالحرص والاهتمام»، ما يعكس متابعته الدائمة لأحوال أهله وأحبابه رغم ضيق وقته.
واختتم سمير الكحلوت شهادته بالقول إن رحيل شقيقه شكّل خسارة كبيرة على المستويين العائلي والإنساني، لكنه يظل قدوة في الوفاء، والأخلاق، والالتزام بالعائلة والمجتمع، مؤكدًا فخر العائلة بأن تكون جزءًا من حياته ورفيقة دربه.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!