الرأي

كتائبُ الشعب الفلسطيني

في ملحمة غزة، لا يوجد قادة لطوفان الأقصى، وكتائب القسام وسرايا القدس ويحيى السنوار ومحمد الضيف وفقط، بل يوجد أيضا شعبٌ فلسطيني مثل السيل الجارف، لن يهدأ له بال حتى يُغرق أساس هذا الكيان الجاثم على أرضه، ولا يوجد طوفان ورشق بالصواريخ وكمائن واشتباكات من مسافة الصفر فقط، وإنما زحفٌ شعبي هادر، وعشق خرافي للأرض، وللبيت، حتى وهو ركام، وتحدي للإرهاب الصهيوني العالمي، ولذاك الرجل الذي بلغ من الكبر عتيا، ويصيح من واشنطن مهددا أبناء فلسطين بصوته الجهوري، يرسم خرائط في مصر والأردن تارة لسكان غزة، ويرسم أخرى في إندونيسيا وألبانيا لهؤلاء، الذين لو منحهم بلاده بكل ولاياتها لعافوها، ورضوا أن يبقوا بين أنقاض بلاد العزة.. غزة.

في الأساطير الخالدة وفي الملاحم الجميلة، وحتى في أفلام الويسترن الأمريكية، لا بدّ أن تنتهي الروايات بالانتصار، يُتوَّج فيها البطل بالسُّؤدد كله، كذلك هي ملحمة غزة، بدأت بطوفان لأجل الأقصى، ولا بدَّ من أن تنتهي في الأقصى. وفي الثورات العظمى التي قُطفت ثمارها، كان خلف الثوار والمجاهدين، دائما، شعبٌ أكثر شراسة من الثوار أنفسهم، فكلما قتلوا “سنوارا” ظهر غيره، والذين كذبوا وصدّقوا كذبتهم عن نهاية المقاومة الفلسطينية، ظهر لهم شعب لا يريد لغرسه إلا أرض غزة العزة، لينبت من هنية نباتات ومن السنوار أدغالا ومن كتائب القسام جحافل لا نهاية لها.

لم يحدث في تاريخ البشرية أو على الأقل عالم السمعي البصري أن تسمّر الناس أمام شاشات التلفزيون يشاهدون رجالا ونساء وأطفالا من كل الأعمار وهم يمشون عشرات الكيلومترات، يمشون فقط، في اتجاه واحد، ولم يحدث في تاريخ البشرية وأن نزح الناس إلى الرّدم والركام، بهذا العدد وهذا الإصرار، بل وبتلك الابتسامات التي حيّرت أصدقاء المقاومة، فما بالك بالأعداء الذين حوّلوا شاشات التلفزيون التي نقلت الزحف العظيم إلى حوائط مبكى، ندبوا فيها حظهم أمام شعب أراد الحياة، فكان لا بد للقيد أن ينكسر، ولليل أن ينجلي.

هناك انتصاراتٌ حربية لا يتوقف فيها النصر عند الأعمال العسكرية وما تحقّق فيها من أهداف إستراتيجية، فما قدّمه هذا الشعب البطل من صور، سيسجّلها التاريخ، ويغيّر تفسير الحروب المصيرية أو حروب الحق إلى تشبُّث الشعب بأرضه حتى ولو حوّلوا هذه الأرض إلى قطعة لا تصلح للحياة، بعد أن لوّثوا ماءها وهواءها وقطعوا زرعها وأبادوا الإنسان والحيوان فيها.

هم خمسون ألف قتيل وما يزيد عنهم بين جريح ومفقود وقادة قضوا نحبهم وارتقوا جميعا حيث لا خسران أبدا، وهو قطاع تحوّل إلى دمار وخراب، ويقال إنه مثل كوكب زحل أو مثلث بيرمودا، لا يصلح للحياة، ولكن الذي أبدع كل هذه اللوحات من مقاومة لا تملّ ولا تكلّ وشعب لا يثمل، قادر على المزيد.. على وزن ترانيم الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش الذي قال ذات ألم: آه يا جرحي المكابِر، وطني ليس حقيبة وأنا لست مسافرا، إنني العاشق والأرض الحبيبة.

مقالات ذات صلة