كثير من الفضائيات الإسلامية.. ولكن كم من التأثير والنفع؟ 2-2
يحيلنا ذلك إلى الحديث عن تلك الفوضى غير الخلاقة في الفتوى والاستفتاء، وعن الاختلافات والاختلالات الظاهرة والخفية في الواقع بسبب تلك القنوات، فقد زادت مساحة الانقسام بين: السلفي وغير السلفي، والمتدين، والمتدين جدا، والمتشدد والمتساهل.
ويمثل سلوك اللباس لدى فتياتنا وبناتنا وحده نموذجا لحالة الفصام تلك والتي تؤكد الفجوة الضخمة في التصورات والأطروحات؛ فمن جلباب ”يسحل” على الأرض ونقاب وتغطية للأيدي، إلى حجاب شرعي (كما عرفناه في الجزائر على الأقل)، إلى حجاب عادي، إلى حجاب هو بمثابة تغطية فقط للجسم، إلى لباس محتشم، إلى حجاب عصري تماماً يغطي ولا يغطي؟ الخ…. إلى درجة يقف الإنسان حائرا: هل هؤلاء كلهن على الحق؟ ومن يجرؤ على القول بأن البعض منهن على باطل أو نصف باطل؛ طالما نرى من يفتي في الفضائيات بمثل ذلك الزي واللباس، ونحن نرى فتيات عمرو خالد، وطارق السويدان، وغيرهما كثير من “الدعاة الجدد” بالسروال والكحل والنظارات الشمسية الكبيرة، والتزاويق على الوجه.. واللباس اللاصق!.
وأخيرا…
إذا كان أمر الفضائيات العربية المبطلة والفاسدة والمفسدة؛ سواء تعلق الأمر بالقنوات الإخبارية الموجهة كـ”العربية” وسواها، أو القنوات المنوعة والغنائية التي تبث يوميا وعلى مدار الساعة الميوعة وتنشر الفاحشة والرذيلة بمسميات الفن والدراما والموسيقى والتسلية.. إذا كان أمرُ تلك القنوات معروفا لأن وراءها أبطالاً من رجال الأعمال والسياسيين وأصحاب النفوذ والقرار في بعض الدول العربية، فكيف هو الأمر بالنسبة للقنوات الفضائية الإسلامية والدينية؟ كيف لها أن تنشر ما تنشر ولم تفتقد إلى منهجية واضحة في العمل والتغيير؟ ولماذا لم تُغن كثرتها ـ حتى الآن ـ فهي كثيرة ومتنوعة ومتعددة المشارب والتوجهات ولكن…كم هو تأثيرها الإيجابي؟ وكم هو نفعها؟ ذلك هو السؤال.
تبقى إشارات عامة إلى الإعلام الفضائي الجزائري الذي دخل الساحة الإعلامية الفضائية قبل مدة غير طويلة، وهو أيضا من التنوع والتفاوت والإفادة والتخريب ما يجعله أهلا لدراسات مستقلة. ويعنينا في الأساس هنا التنبيه إلى أهمية الإجماع على الحد الأدنى الممكن في مجال خدمة المجتمع، وتحقيق وظائف الإعلام الحقيقي أو بعضها على الأقل كـالترشيد، التثقيف، الإخبار الموضوعي، التعليم والتنوير، الدفاع عن القيم والثوابت، إشاعة ثقافة الحوار والتسامح، غرس القيم الإنسانية العليا، المشاركة الايجابية، التصدي لحملات الشر والتشكيك في الدين واللغة والوطن…. وهو أمرٌ لو تم -وينبغي أن يتم أصلا بالقوانين- سيحقق الكثير من الخير، وأقله وحدة الصف وتعزيز المكاسب التي تجعل الوطن في منأى عن الزوابع، وتعين على تقريبات التصورات الخاصة بالعيش الكريم المشترك، والقبول بالرأي والرأي الآخر. وكل ذلك يتطلب “فلسفة” إعلامية سياسية منهجية دقيقة المعالم واضحة الأهداف.
نفسح المجال أولا لعدد من الخبراء والمتابعين للإجابة ثم نختم برأي عام.
الأستاذ جمال عرفة، الكاتب والإعلامي والخبير، سألته مجلة “الرابطة” التي تصدرها رابطة العالم الإسلامي عن نوعية البرامج التي تقدَّم في القنوات الفضائية الدينية، فأجاب بقوله:
بشكل عام تتميز تلك البرامج بثقل الدم وعدم الإبهار، مما يُشعر متابعيها بالملل… والقنوات الدينية تُعتبر ناجحة فقط من زاوية أنها لم تكن موجودة من قبل وإثبات وجودها في الساحة نجاحٌ مؤقت، ولكنها ما لم تطوّر أساليبها وبرامجها وتستعين بالمواد التعليمية والأفلام التسجيلية، والمؤثرات التي تتناسب مع المواد المعروضة فستبقى أقرب إلى القنوات الإذاعية أكثر منها قنوات بصرية، أيضا من عيوبها عدم تنوع برامجها والتأخر في ابتكار أشكال وطرائق جديدة لجذب جمهورها.
أما الدكتور عبد الرحمن البراك فيرى الأمر من زاوية أخرى، يقول: لا شك أن أي عمل بشري له إيجابياته وسلبياته، وعند الحكم على أي عمل فإن الاعتدال مطلوب.. وللإنصاف والحكم على القنوات الإسلامية يجب أن نضع مجموعة اعتبارات من أهمها: حداثة التجربة؛ فالإعلام الإسلامي، مقارنة بالإعلام الغربي أو حتى الإعلام العربي العام، يعتبر وليد اليوم، كذلك مشكلة التمويل حيث إن ميزانيات التشغيل في القنوات الإسلامية ضعيفة ومتواضعة جدا، بالإضافة إلى ضعف التدفقات النقدية الإعلانية والإشهارية، وضعف أو عدم توفر الكوادر المناسبة، فكل هذه الأمور يجب أن تؤخذ في الاعتبار… ولكن مع كل تلك المشاكل استطاع الإعلام الإسلامي أن يشق طريقه ويصنع جمهورا لا بأس به، في ظل الإمكانات المتاحة، وهناك برامج قوية جدا بالرغم من محدودية الإمكانات.. مثل برامج: ساعة حوار، شباب في شباب، وبرامج الدكتور عمر عبد الكافي، وبرنامج الدكتور سلمان العودة.