كرة القدم ليست لعبة… أبدا
هناك انتصاراتٌ في عالم كرة القدم تحقق أهدافا أكثر مما يسجّلها اللاعبون بأقدامهم ورؤوسهم، فيصبح للانتصار طعمٌ آخر، ويخلُد في ذاكرة الناس. ولو سألتَ أي جزائري عن فوز المنتخب الجزائري، في أم درمان منذ 17 سنة على منتخب مصر، لعدّ لك أهدافا أكثر جمالا وعددا من هدف عنتر يحيى في ذلك اليوم المشهود، خاصة عندما تجد المباراة نفسها في ميدان سياسي، ويصبح الفوز بها قضية شرف، قبل أن يكون تتويجا بالكأس أو تأهلا إلى كأس العالم.
فريقُ اتحاد العاصمة الذي امتزجت لعبته بجماهيره الناغمة، التي تصوِّر بهجة العاصمة وبياضها، أرادوا منذ فترة إقحامه في لعبة فيها الكثير من المكر والخبث والنذالة، وكان في كل مرة ينتصر بحكمة ويتجاوز ألاعيبهم، ويضحِّي أحيانا بعرق أبنائه وجهدهم، من أجل أن يحافظ على تلك الصورة البهيجة لفريق عاصمي، سواد لونه وحمرته من ليالي القصبة المُستعمَرة ومن دماء شهدائها، فزاروه مرّة بخارطة مزوَّرة، فرمى في وجههم الكأس بما حملت، وهو الأولى بها، وانتصر عليهم قانونيًّا عندما حرمهم من حمل الخارطة الوهمية على قمصانهم في أيّ مقابلة، ثم حاولوا أن يشوِّهوا صورته، باقتحامهم ميدان الملعب، وأشاروا إلى جماهيره المتحضِّرة، بسبابة الاتهام، فتحمَّل قذارتهم، وأكمل مساره، إلى أن استعاد بضربة معلم لقبه ونصر فرقته وأنصاره والعدالة، ووضع جماهيره في بهجة العاصمة وبياضها الحقيقي.
فاز اتحادُ العاصمة في ربيع 2023 بلقب الكونفدرالية الإفريقية على ممثل تنزانيا في ظروف رياضية خالصة، وفي رحلة الدفاع عن لقبه، اصطدم في نصف نهائي النسخة الموالية في ربيع 2024 بممثل بلاد مراكش، المنتمي إلى مدينة بركان، الذي لا يمتلك من بُركانه سوى حممه الآسنة، فانسحب من مشهد المؤامرة الذي حاول المراكشيون أن يلطخوا به صورة الاتحاد، ورمى لهم الكأس التي لم يحصلوا عليها أصلا بعد ذلك أمام الزمالك المصري، لا في الواقع ولا في المواقع، وفي الربيع الموالي 2025، تمتع بالتفرُّج عليهم وهم يلعبون من دون الخارطة الملوَّنة، التي برمجوا على أن يجعلوها على قمصانهم كلما واجهوا بلدان الخارطة القارة، وعاد في ربيع 2026 ليكمل ملحمته، ولكن هذه المرة باسترجاع لقبه أمام أنظار كل الذين حاولوا أن يجعلوا من اللعبة وسيلة أخرى لا تقلُّ حقارة من المستنقع الذي هم فيه غارقون، وأمام الزمالك المصري الذي انتصر عليهم سابقا.
لم تعُد كرة القدم مجرد لعبة، ولم يعد الانتصار فيها مجرد تتويج لأقدام نفَّذت ما خطط له الطاقمُ الفني، بل أبحرت في محيطات متعددة، وصار الانتصار فيها والتتويج بألقابها، يؤرَّخ له كما يؤرَّخ لملاحم المعارك الكبيرة والثورات المظفَّرة، فقد خاض اتحاد العاصمة مباراة القمصان الملغَّمة والجماهير المسيَّسة والإشاعات الخبيثة والكواليس المسيَّرة عن بعد، وكان كلما أسقط ماردا، ظهر آخر، إلى أن وصل إلى اللقب وانتزعه كما ينتزع الفارسُ مجده من بين مخالب الأنذال.