الرأي

كلهم سقطوا عند أعتاب دمشق

صالح عوض
  • 2160
  • 0

سنوات نحسات ثقيلة بطعم البارود ولون الدم القاني لفّت سورية.. سنوات جلبت كل أصحاب المال والسلاح والبرامج ليقتتلوا بدم أبنائها وعلى جسدها، ونفخ الشيطان في كل مكان ليبعث حربه المدمرة إلى بلد ظل هو الوحيد في المنطقة يرفع راية فلسطين ويستقبل المقاومين الفلسطينيين ويؤويهم إليه في بؤبؤ العين وسويداء القلب بلا مِنة ولا أذى، ويرفض أن يهجّر الفلسطينيين عندما طلب منه الأمريكان ذلك، وكان موقفه فقط إلى فلسطين.. جاؤوا ليعصفوا بسورية ليضمنوا بقاء إسرائيل أحقابا جديدة.. وليحولوا سورية ممرا لغازهم ونفطهم نحو أوروبا، فأبت على أي منهم أن يمر من المشهد رافع الرأس.. وتحالف على سورية القريب والبعيد وأصبح الجيران جميعا مصادر لتصدير الجريمة نحوها، وانجرف كثير من الأبناء بحسن نية إلى دعاية الأشرار فكانت الملحمة الكبرى.. قذفت بأبنائها في وجوه القتلة وتقطعت أوصالها، لكنها رفضت أن تمنح أحدهم وساما لنصر.. فكلهم سقطوا عند أعتاب دمشق.

لم تكن هذا الحرب الهمجية الأولى التي تواجهها الشام.. ولكنها الحرب الأعنف جريمة والأكثر تعقيدا.. أحسنت فيها سورية الصبر الجميل بلا تنازل، وأحسنت فيها التحالف الكريم بلا تماه، وأحسنت فيها سورية بروح معنوية أن تتطاول على المرحلة وقيحها وما تبعثه عبوات التفجير وسكاكين الذبح والقتل.

الآن تتغير الأمور.. وكيف لا تتغير بعد أن أصبح في وقع العالم كله أن لا إمكانية لتقسيم سورية وتدميرها أو انتزاع موقف صلح مع إسرائيل؟ كيف لا تتغير بعد أن تكسرت النصال على النصال وانهارت الهجمات الواحدة تلو الأخرى؟ كيف لا تنهار بعد أن فشلت كل عناوين القتل والجريمة في تحقيق مطامع إسرائيل؟ الآن تتغير الأمور وهاهم البرلمانيون والسياسيون الغربيون يتوافدون إلى دمشق، وهاهم بعض المجرمين وممولي الإجرام يبحثون عن سبيل إلى دمشق لأن الإرهاب الذي صنعوه ينقلب عليهم.. وهاهو الموقف الرسمي العربي الذي غطى الجريمة بصمته أو موقفه السلبي.. هاهو يتصدع ويرسل سفراء جددا إلى دمشق.. وهاهو الجيش السوري يـبسط حضوره على مساحات واسعة من البلاد بعد حرب مرهِقة لم يكن في باله يوما خوضها.

أجل.. إن سوريا ستخرج واحدة موحّدة من هذا الأتون الرهيب.. وسيعرف السوريون بعد الآن كم هو ثمن البلد الواحد والشعب الواحد؟ وكم هو ثمن الاستقرار والسلم الاجتماعي؟ فلقد حلت بهم كارثة لم تحلّ بسواهم، فهم البلد المضياف الكريم الذي اتسع لكل المهاجرين الجزائريين والفلسطينيين والعراقيين واللبنانيين وأسكنهم صدر البيت وأجلسهم فيما ينبغي للضيف العزيز.. هم البلد الأول لكل من نطق بالضاد وحمل مشعل المقاومة ضد العدو الصهيوني.. إلا أنهم في محنتهم لم يتسع لهم مكانٌ ففاضوا على الحدود وتشتتوا، فكان لزاما أن يكون الدرس القاسي للجميع ألا تفرّطوا في الوطن ولا تتتنازلوا عن وحدته وأمنه واستقراره، وأن لا عدو إلا العدو الصهيوني، وألا تصغوا السمع للأفاكين من تجار الدم والدين الذين يريدون الشرّ ببلدكم وقد أكلهم الغيظ من نبله وصموده واكتفائه الذاتي

انكسر العدوان وعلى السوريين أن يرمموا ما دُمِّر وأن يعمِّروا ما خُرّب.. عليهم أن يبنوا حياة تليق بالإنسان، ولعله من المؤكد ألا تعود أساليب المعالجات البوليسية للحريات وحق التعبير والتداول السلمي على السلطة.. لأن عدم الإقلاع عن السلوك السابق يعني وجود الخميرة المناسبة للإجرام والتسلل المعادي.. تولانا الله برحمته.

مقالات ذات صلة