كلّ أسرار قضيّة حجز 124 مليار ومليون يورو!
كشفت التحقيقات الأوليّة في ملف من أكبر قضايا الفساد وتهريب الأموال وتبييضها، تم تفجيره الأسبوع الماضي، عن طريقة ممنهجة على شاكلة أفلام “أكاشن” التي تستعملها الشبكة المنظمة المكونة من موظفي دولة ومتعاملين اقتصاديين، لضرب الاقتصاد الوطني تحت شعار ” الاستيراد”، لكن القضاء كان بالمرصاد.
وتتعلق القضية بتفكيك شبكة تضم 4 موظفين عموميين و5 متعاملين اقتصاديين، اثنان من أفراد الشبكة الإجرامية يتواجدان في حالة فرار، وحجز 124 مليار سنتيم وأزيد من مليون أورو، والتي بدأت تفكيك أولى خيوطها بولاية مستغانم وانتهت في محكمة القطب الجزائي الاقتصادي والمالي.
سرقة منزل تفضح أخطر شبكة لتهريب الأموال
حيثيات قضية الحال حسب تفاصيل تحوز عليها ” الشروق” حصريا، تعود إلى ذات مساء عادي في بلدية جديوية بولاية غليزان، أين اهتز صمت حي سكني على وقع جريمة سرقة لم تكتمل، إذ حاول أحدهم التسلل إلى منزل بدا للوهلة الأولى عاديا، غير أنه كان مجهزا بنظام أمني شديد الغرابة، عن طريق جهاز إنذار يطلق غازا ساما بمجرد محاولة الاقتحام لأي مكان داخله، وما إن انطلقت صافرة الخطر، حتى أسلم السارق أنفاسه الأخيرة على الفور.
مقتل سارق بجهاز إنذار يطلق غازا ساما.. من هنا بدأ تفكيك أولى خيوط الجريمة
لكن المفاجأة هي أن حادثة سرقة تقليدية، تحولت بسرعة إلى مفتاح لكشف واحدة من أكثر قضايا الفساد والتهريب تعقيدا، صاحب المنزل، لم يكن رجلا عاديا، بل ضابط أمني، تفطن للحادثة وحاول، وفق ما كشفت عنه التحقيقات، التخلص من” أسراره الثقيلة”، فسارع فورا للاتصال بأحد أصدقائه طالباً منه نقل محتويات حساسة من البيت إلى شقة يملكها في وهران.
وصلت شاحنة النقل، في عملية وصفها صاحبها بأنها مجرد ” تحويل منزلي” غير أن المشهد أخذ منحى دراميا، حيث أن المتهم صاحب المنزل “رجل أمن” يقود سيارته من نوع “ياريس” في المقدمة لفتح الطريق، والشاحنة تتبع مساره لكن عند حاجز للدرك الوطني، طلب المتهم من الناقل تغيير الوجهة نحو مستغانم، عندها، تسللت الشكوك إلى قلب الناقل، وراودته شكوك حول احتمال تورطه في عملية تهريب مخدرات، فانطلق مسرعا في محاولة للهروب والإفلات من قبضة رجال الدرك لتبدأ مطاردة هوليودية، انتهت بحادث مرور خطير للمتهم “رجل الأمن”.
حدوث المفاجأة بعملية مموهة لتحويل أثاث المنزل وحادث مرور وهروب المتهم
صاحب الشاحنة زاد يقينه بأن الأمر أكبر مما صُوّر له، قصد مركز الشرطة مسرعا، وأبلغ أنه استُخدم كوسيلة في “عملية غامضة”، وعند فتح الشاحنة وتفتيشها، كانت المفاجأة المدوية، حيث تم العثور على 124 مليار سنتيم مكدسة داخل حقائب وأكياس وطرود، ومع توالي التحقيقات، وتنقل عناصر الشرطة إلى منزل ” المتهم” تم العثور على مبلغ آخر ضخم قدر بمليون أورو نقدا.
خيوط الجريمة لم تتوقف عن هذا الحد، فالمنزل الذي انطلقت منه القضية تبيّن أنه مسجل باسم شخص آخر، يعمل بمقهى، ما ألقى بظلال كثيفة من الشكوك حول عمليات تمويه واسعة.
أما مصدر الأموال، فقد كشفت التحقيقات أنها نتاج شبكة فساد متشعبة قوامها: شقيق رجل الأمن الذي كان يشتغل بميناء مستغانم، وعدد من أعوان الجمارك المتورطين، في قضايا فساد يقبعون حاليا خلف القضبان بتهم ثقيلة.
صاحب المنزل عامل بمقهى …وعمليات تضليل ممنهجة لتهريب وتبييض الأموال
وحسب ما توصلت إليه التحريات المعمقة ، فإن هذه الشبكة كانت تشتغل في مجال استيراد السيارات، بمعدل يقارب 200 سيارة أسبوعيا، تمر عبر الميناء بسلاسة مريبة، بعد أن تخفض قيمتها الجمركية، وهي الملفات التي عالجها القطب الاقتصادي والمالي والمعروفة بـ “فضائح العمليات المشبوهة لجمركة سيارات مستوردة والتلاعب بالفواتير مع التهرب الضريبي “.
للإشارة، فإن مجلس قضاء الجزائر، كان قد كشف في 26 أوت الماضي عن تفكيك شبكة لتبييض الأموال وحجز 124 مليار سنتيم وأزيد من مليون أورو، حيث أمر قاضي التحقيق لدى القطب الجزائي الوطني الاقتصادي والمالي، الثلاثاء، بإيداع 9 متهمين رهن الحبس المؤقت، بينما لا يزال شخصان آخران في حالة فرار.
وبحسب بيان صادر عن نيابة الجمهورية لدى القطب الجزائي الإقتصادي والمالي، أن الشبكة تضم 4 موظفين عموميين و5 متعاملين اقتصاديين إثنان من أفراد الشبكة الإجرامية يتواجدان في حالة فرار
وفي التفاصيل، أكد البيان أنه “على إثر معلومات واردة إلى مصالح أمن ولاية مستغانم بتاريخ 12 أوت 2025، مفادها وجود أغراض مشبوهة بمركبة من نوع ماستر، وبعد تفقدها تبين أنها عبارة عن حقائب وأكياس وطرود بداخلها مبالغ مالية معتبرة.
وأضاف المصدر أنه “على إثر ذلك تم فتح تحقيق ابتدائي من طرف المصلحة الجهوية لمكافحة الجريمة المنظمة بالغرب بوهران التابعة للمديرية العامة للأمن الوطني تحت إشراف نيابة الجمهورية لدى القطب الجزائي الوطني الاقتصادي والمالي بعد التخلي عن الملف لصالحها من النيابة المختصة ليتم الكشف عن جماعة إجرامية منظمة لتبييض الأموال وحجز مبالغ مالية معتبرة بالعملة الوطنية والعملة الصعبة”.
وتمثلت المحجوزات، حسب القطب الإقتصادي والمالي، في 1.239.841.500 دج “تقريبا 124 مليار سنتيم” و1.084.775 أورو، 94.400 دولار أمريكي، 4300 ريال سعودي 500 درهم إماراتي و 200 فرنك سويسري. إضافة إلى 14 مركبة سياحية.
بعد تقديم المشتبه فيهم أمام نيابة الجمهورية، يوضح البيان تمت متابعتهم عن طريق التحقيق القضائي من أجل جنحة تبييض الأموال في إطار جماعة إجرامية باستعمال التسهيلات التي يمنحها نشاط مهني، جنحة قبول مزية غير مستحقة، جنحة إساءة استغلال الوظيفة، جنحة منح موظف عمومي مزية غير مستحقة.
وبعد استجواب المتهمين عند الحضور الأول أصدر قاضي التحقيق أوامر بوضع جميع المتهمين الحاضرين رهن الحبس المؤقت حسب ـ البيان ـ ذاته.