الرأي

كم‮ ‬خاضع‮ ‬للأجنبي‮ ‬بين‮ ‬قرّاء‮ ‬هذا‮ ‬العمود؟

محمد سليم قلالة
  • 3445
  • 11

وصلتني رسالة مقتضبة من الأخ عبد الكريم يحياوي ـ سيدي عقبة ـ يقول فيها: “انطلاقا من قول الشيخ عبد الحميد ابن باديس، رحمه الله: “والله لو أن فرنسا قالت لي : قل لا إله إلا الله محمد رسول الله ما قلتها”، أكتب لنا عن ميزة عدم خضوع المعارض الجزائري للقِوى الأجنبية‮”‬

نعم، سأقول بأن ابن باديس جسّد بكل وضوح موقف الرجل، والاتجاه المدرك لطبيعة الصراع، العارف بأنه لا يمكن الاستقواء بالمحتل، أو الأمل في أنه يمكن أن يتحوّل عن طبيعته العدوانية ذات يوم. موقف الرجل الذي لم يخطئ في فهم طبيعة المعركة، ولم يساير ما يسمى اليوم بالاتجاه المصلحي البراغماتي الماكيافيلي الذي يريد تحقيق أهدافه بغض النظر عن حليفه.. و الكل يعرف أنه كان من نتيجة ذلك أن أصبح ابن باديس، محل متابعة مركّزة من قبل المخابرات الفرنسية (هناك وثائق تم الكشف عنها تُثبت ذلك)، إلى أن مات مسموما رحمه الله…

والجزائري بشكل عام يرفض الاستقواء بالأجنبي، ويرفض أن يمن عليه بمساعداته ولو كان في أحلك الظروف.. والمجتمع المدني هو الآخر يرفض مد يده للأجنبي مهما كان، بل إن ما يعُرف بالمساعدات الأجنبية للمجتمع المدني وللتحول الديمقراطي في بلادنا، لم تجد لها أرضية خصبة في‮ ‬بلادنا‮. ‬رغم‮ ‬وجود‮ ‬محاولات‮ ‬عديدة‮ ‬لكي‮ ‬تنتشر،‮ ‬ووجود‮ ‬مؤيدين‮ ‬لذلك‮ ‬والطامعين‮ ‬في‮ ‬ذلك‮.‬

وكانت‮ ‬الأحزاب‮ ‬السياسية‮ ‬الجزائرية‮ ‬تتفق‮ ‬في‮ ‬الغالب‮ ‬كلما‮ ‬تعلّق‮ ‬الأمر‮ ‬بمواقف‮ ‬في‮ ‬السياسة‮ ‬الدولية،‮ ‬وإن‮ ‬تطاحنت‮ ‬فيما‮ ‬بينها‮ ‬في‮ ‬الشأن‮ ‬الداخلي‮…‬

وهي سمة لها جذور في تاريخنا العريق منذ ماسينيسا ويوغرطا وتاكفاريناس إلى يومنا هذا، ينبغي أن نطورها في العقلية الجزائرية، بل إن المسيحي الأول في الجزائر القديس أوغسطين، عندما جد الجد انحاز إلى أبناء بلده ضد الغزاة حتى سقط قتيلا مدافعا عن مدينة عنابة.

لم يُعرف التاريخ الجزائري، بأنه تاريخ خيانة وغدر أو استسلام، رغم الصورة التي حاول أن يكرسها المستعمر عن زعمائنا، وعن قادتنا وسياسيينا، وصدّقها البعض.. وإذا ما وجد مثل هؤلاء فابحثوا عن أصولهم وستجدونها غير جزائرية حتى لا أذكر أجناسا بعينها.

إذن أيّها الأخر الكريم، ليس أمامنا إلا أن نأمل في هذا العمق التاريخي الذي نملك، وإن كان خطاب اليأس يُروج إلى أن الكل اليوم أصبح سارقا، خائنا، خاضعا للأجنبي، يبيع بلده ببضعة دولارات، مستعدا للتحالف مع الشيطان لتحقيق مآربه.

هل هذا صحيح؟ كم هو عدد الذين ينتمون لمثل هؤلاء من بين قرّاء هذه الكلمات. أكيد لا أحد، إلا من كان من غير طينتنا. من غير أوصولنا، ويكون من البداية قد سخر من ابن باديس، لأنه قال تلك الكلمات.

مقالات ذات صلة