كن إيجابيا
لماذا ينبغي أن أكون إيجابيا؟ وهل يوجد في العالم من يريد أو يرضى أن يكون سلبيا؟ ثم لماذا ينبغي أن تكون إيجابيا؟ وماذا تمثل الإيجابية في حياة الإنسان؟ وما هي المخاطر المتوقعة لمن لم يكن إيجابيا؟ ثم كيف تتشكل الإيجابية لدى الإنسان؟ وما هي العناصر التي تتكون منها؟
هذه تساؤلات أولية، يمكن أن تواجه الإنسان وهو يتلقى هذا التوجيه المباشر: كن إيجابيا…، بل ربما يتجاوز الأمر هذه التساؤلات إلى تساؤلات أخرى مثل، وماذا بعد؟ أي ما هي الفائدة من أن أكون إيجابيا ولا أكون سلبيا؟ وما الضرر في أن أكون سلبيا؟ وعندما أنشأ في مجتمع سلبي، هل يمكنني أن أتحول إلى إنسان إيجابي؟ وعندما أتوحل إلى عنصر إيجابي في المجتمع، كيف يكون واقعي في وسط مجتمع سلبي؟ وإلى ما هنالك من التساؤلات التي قد تواجه الإنسان وهو يتلقى ذلك التوجيه ويريد أن يتفاعل معه.
لا شك أن الإنسان ابن بيئته كما يقال، إذا وجد في مجتمع إيجابي يغلب على الظن أنه يكون إيجابيا، وإذا ولد في مجتمع سلبي فإنه مرشح لأن يكون سلبيا، كما جاء في الحديث النبوي الشريف “ما من مولود إلا يولد على الفطرة… اقرؤوا (فطرة الله التي فطر الناس عليها، لا تبديل لخلق الله، ذلك الدين القيم) [الروم: الآية 30]، كذا عند مسلم. وزاد البخاري: “فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء” . واقتصار الحديث على ذكر الدين هنا، لا يعني أن توجه الوليد الديني هو الذي يتأثر فيه بالوالدين فحسب، وإنما التأثر يكون في كل شي، بما في ذلك المعتقد والسلوك الديني، بحيث ما يلاحظه الطفل من قول وفعل وسلوك من الوالدين، هو الذي سيطبع به في حياته في الغالب؛ بل إن ما يتأثر به من طباع فينطبع به، يشمل كل شيء في المجتمع، وليس فيما يجده في الأسرة فحسب؛ لأن الأسرة في حقيقتها هي خلية من خلايا المجتمع، لا تستطيع الاستقلال بنفسها عن باقي المجتمع وعوائده وتقاليده، ورغم أنها هي المحضن الأول في المجتمع ولها من الثقل بفضل ثقلها القبلي وقيمها التي تبدو مستقلة عن غيرها، فإنها ليست بمنأى عن تأثير المجتمع ومؤسساته.
ومن ثم فإن الإنسان أسير المجتمع بكل ما فيه من قيم، دينية كانت أو ثقافية أو اجتماعية، وعندما نقول هو أسير للمجتمع، يعني هو أسير لثقافة المجتمع وتدين المجتمع وسلوك المجتمع وعاداته وتقاليده، وهو مرشح للإبقاء على كل ذلك بحكم العادة، بحسب موقعه ومكانته ودوره في المجتمع؛ لأن القيم الاجتماعية بمعانيها الواسعة، قيم راسخة يصعب اقتلاعها من نفوس الأفراد، إلا بجهود مضنية ومكثفة وجهود معرفية كبيرة.
ومع كل ذلك فإن “رسالية” الإنسان التي تقتضيها طبيعة الاستخلاف، تحتم على الإنسان إعمال مصفاة التكليف والمسؤولية، التي لا تقبل كل شيء ولا تسلم بكل شيء، إلا بعد تمريره على تلك المصفاة بأبعادها الدينية والأخلاقية والاجتماعية، وهي مصفاة لا تقبل الاستسلام للواقع المتوارث، بقدر ما تخضع كل قيمة لمعايير شرعية وأخلاقية وقيمية، تجمع بين تحقيق الحاجة وحفظ البقاء والخلود، فيحقق الإنسان بذلك مصالحة ويستبعد كل ما فرض عليه المجتمع من قيم سلبية تشده إلى الأرض.
ومن أهم أسباب التخلص من سلبيات المجتمعات، الارتقاء الذاتي والاهتمام به، والإنسان الذي لا يجعل في برنامجه الذاتي مسألة الارتقاء في حياته، لن يكون له حظ لأن يكون إيجابيا أو يكون متحررا من الأسر الاجتماعي.
والارتقاء الذي يسير بصاحبه في اتجاه التحرر من السلبيات، والتطلع إلى الإيجابية يكمن ابتداء في السلوكات البسيطة، التي تهدف إلى تحقيق الحاجة؛ لأن الإنسان بطبيعته التي فطر عليها، يشعر بحاجات مادية ومعنوية، يشعر بأنه مسؤول على تحقيقها، وذلك استجابة للفطرة ابتداء وليس لغرض آخر، ثم في مستوى آخر أرقى وأعلى، يرتقي المرء إلى مرتبة أفضل من مجرد تحقيق الحاجة استجابة لغريزة أو عاطفة ما…، وهي مرتبة الحرص على البقاء بتوفير شروطه اللازمة؛ لأن الإنسان لا يعيش من أجل تلبية حاجاته فحسب، وإنما له وجود ويريد له أن يبقى، وهو محرك فطري يملي الشعور بالخوف من الموت ومن المستقبل ومن جميع المخاطر التي تهدده أو يشعر بخطرها على بقائه ووجوده، وقد عبر عن ذلك أرنولد توينبي بمصطلح الشهير “التحدي – الاستجابة”، وجعل ذلك شرطا لكل نهضة في المجتمعات، وذلك مهم بطبيعة الحال، ولكن الطبيعة البشرية ليست رهينة المخاطر للتحرك من أجل البقاء والاستمرار في الحياة، وإنما هي مفطورة على أمور أقوى وأعلى من مجرد رد الفعل على الخطر من أجل البقاء، وإن كان ذلك له أهميته بطبيعة الحال.
وإنما هي مرشحة لرقي أكثر أهمية وهو الطموح والتعلق بالغيب وفق منظور معين ورؤية كونية معينة، حيث أن الطموح المبني على رؤية تكون فاعليته وطلبه للارتقاء أكبر وأجود، بفضل التطور الذي شهده في التحول من مجرد طالب لرغبة وحاجة ظرفية آنية، ومن مجرد شعور بالخطر يهدد بقاءه إلى مستوى تحقيق الأماني والأهداف والطموحات الكبرى التي يطمح إليها.
تلك هي الخطوات التي تحرر الإنسان من الأسر الاجتماعي، وتنقله من الخضوع إلى العادات السيئة والضغوط الاجتماعية السلبية إلى الاستثمار، في رحابة الطاقة الكامنة في الإنسان، وفق الفاعلية المطلوبة بالنسبة للإنسان وطبيعته الاستخلافية التي تقضي بإيجابية الإنسان مطلقا.
وعلى ضوء ما سلف، يمكن تعريف الإيجابية بما يلي: هي طموح مشروع مصحوب بتوفير الشروط وانتفاء الموانع؛ لأن الطموح قد تعبر عنه خواطر الإنسان بحالة نفسية معينة تتوق إلى مستوى معين من الرقي، ولكن تحققه مرهون بمستوى الشروط اللازمة لتحققه، وانتفاء الموانع من مثبطات وعراقيل…
على أن أشد الموانع القائمة في حياة الناس، هي الشعور بسلطان المجتمع على الأفراد، بما تحمل من غرائز وعواطف نشطة في مطاردة مصلحة الجماعة، بسبب ما يغلب على الأفراد من أنانيات وتخوفات وأوهام مختلف ألوانها، حتى أن العالم النفساني الأمريكي “دافيد هاوكينز” لاحظ في دراساته أن نسبة 78 بالمائة من المجتمعات الإنسانية في مستوى متدني جدا من الناحية النفسية، وذلك يمثل “قمة السلبية”، بسبب محاصرتها بقيم غالبة تتمثل في: العار والتأنيب واللامبالاة والأسى والخوف والغضب والشهوة والفخر، بحيث لا يمكن ان يشعر الإنسان بالإيجابية المطلوبة إن لم يتخلص من هذه الحالة النفسية المثبطة…؛ بحيث يعتبر هاوكينز من يتخلص من مثل هذه السلبيات يرتقي إلى مستوى أفضل عده من الإيجابية، رغم أنه ليس كذلك، مثل: الحياد والاستعداد والشجاعة القبول الحب الحكمة؛ لأن هذه الأمور ليست أكثر من التخلص من السلبية أما الإيجابية، فتتمثل في الحرص على تحقيق ثلاثية الفطرة المشار إليها آنفا: وهي الاستجابة لتحقيق الحاجة وحب البقاء والطموح المشروع بشروطه المذكورة.