الرأي

كورونا وأوكرانيا

بيّنت الأحداث الأخيرة التي وقعت في السنتين الأخيرتين، التي بدأت بجائحة كورونا، وبلغت حربا كلاسيكية في الأراضي الأوكرانية، بأن الذي أطلق على بعض الدول لقب “العظمى”، ومنحها الغلبة الصريحة والعِصمة في كل المجالات، إنما كان ذلك من مركّب نقص، وقناعة بـأنه أصغر من الآخرين، فكل الدول سواسية عند الانطلاق، ويبقى الصغر والعظمة مجرد ألقاب ما أنزل الله بها من سلطان. وإلا كيف نفسر حالة الذعر وعدم الثقة بالنفس، التي تعامل معها العالم و”العظماء” بالخصوص، مع جائحة كورونا فكانوا يبيتون على قرار، ويصبحون على آخر متناقض معه، حتى ظهر بأن الفيروس المجهري الذي لا حجم له أقوى من أكبر دولة في العالم، تتباهى باستنساخها للكائنات الحية وبلوغها المريخ. وجاءت أزمة أوكرانيا لتؤكد بأن “العظمة”، مجرد وهم أطلقه البعض وصدقوه، وفقط.

خلال اشتعال أزمة أوكرانيا، قال الرئيس الأمريكي الحالي جو بايدن إن الاستخبارات الأمريكية أكدت بما لا يدع مجالا للشك والجدل، بأن روسيا ستكتسح جارتها أوكرانيا برّا وتعزلها عن العالم وتستعمرها، وتنهي حربها عليها قبل نهاية الألعاب الأولمبية الشتوية التي شهدتها الصين واختتمت، ووعد بأن يكون الرد الأمريكي هو الحاسم في الحرب، ومرت الأيام، فلا صدقت استخبارات الدولة “العظمى” بالدقة اللازمة، ولا تأكد كلام رئيس الدولة “العظمى”، التي بنى عليها الأمريكان وحلفاؤُهم المرئيون وغير المرئيين تحرُّكاتهم فزلزلوا عالمَيْ السياسة والاقتصاد على خلفية ما قال زعيم “الدولة العظمى”، ضمن معادلة التاريخ الذي يعيد نفسه من زمن بوش الكبير وابنه الصغير اللذين كانا يؤكدان امتلاك صدام حسين لسلاح الدمار الشامل، فأعلنا حربا أتت على ماضي وحاضر أقدم بلد في الكرة الأرضية. وما نتابعه حاليا في الجبهة الأوكرانية الملتهبة، مخالفٌ تماما للسيناريو الذي رسمته استشرافات الدولة العظمى، من كون روسيا تريد ابتلاع أوكرانيا وجعلها مدينة في بلادها، ومن ردٍّ أمريكا بعد أن أعلن بايدن أن الجنود الأمريكيين غير معنيين بالحرب المسلحة المباشرة.

خلال اشتعال جائحة كورونا وتربُّعها على المشهد الصحي والاجتماعي والاقتصادي في الولايات المتحدة الأمريكية، قال الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، إن خبراء أمريكا أكَّدوا له بأنَّ عدد الوفيات بالفيروس، لن يتجاوز الثمانين ألفا، ووصف الرقم بـ”المهول والمحزن”، ولكنه “ضريبة تطور أمريكا وإصرارها على النجاح علميا واقتصاديا” كما قال،  ومرت الأيام والشهور، ولم يعد ينقص أمريكا لدخول المليون وفاة بفيروس كورونا غير ثلاثين ألفا فقط، في تناقض استشراف علمي رهيب أكد بأن “العظمة” مجرَّد وهْم أطلقه البعض وصدَّقوه، وبأننا جميعا ومن دون استثناء، ما أوتينا من العِلم إلا قليلا.

لقد نجت دولٌ صغيرة كانت على هامش التطور التكنولوجي في تفادي الكارثة الصحية وبدت أقوى من القِوى العظمى في مجابهة كورونا، ولم تسجل أرقام الإصابات والوفيات المهولة التي تربعت بها الدول العظمى على المشهد المأساوي العظيم، وما يطمئن حاليا في المشهد الأوكراني، أن هذه الدول بعيدة عن النار، ولم يُقحِمها أحدٌ في الحرب الجارية، بعد أن تعوّدت أمريكا من حرب أفغانستان إلى حرب العراق، على أن تقاتل بأموال وجنود غيرها من البلدان، وتجني الغنيمة لوحدها.

مقالات ذات صلة