كورونا يفتك بقوتِ الجزائريين
بينما كانت اهتماماتُ الجزائريين تنصبّ على التفشي المتواصل لفيروس كورونا وما يخلّفه يوميا من ضحايا في شتى أنحاء العالم، فاجأهم الفيروس من حيث لم يحتسبوا، ليس بانتشاره خارج الحالات العشرين المعلن عنها إلى الآن، بل بتسبّبه في انهيارٍ مريع لأسعار النفط، ما ينذر بحدوث أزمة بالغة الخطورة للاقتصاد الوطني، ستكون لها عواقب وخيمة على المستوى المعيشي لغالبية الجزائريين.
أسعارُ النفط تتهاوى فجأة وتفقد 30 بالمائة من قيمتها في يوم واحد، وتُفتح أمس الاثنين على 31.02 دولارا فقط للبرميل، بسبب حرب أسعارٍ مفاجِئة شنّتها السعودية ردا على رفض روسيا خفض حصتها من الإنتاج خارج أوبيك، لدعم الاتفاق الأخير الذي توصلت إليه المنظمة قبل أيام لخفضِ إنتاجها مجددا للتكيّف مع التراجع المتواصل للطلب العالمي على النفط بسبب انتشار كورونا..
هذا السقوط الحرّ لأسعار النفط، إذا تواصل أشهرا عديدة، ستجعل الاقتصاد الوطني يواجه أزمة أخطر بكثير من أزمة 1986 التي أجبرت البلاد على إعادة جدولة ديونها الخارجية في أفريل 1994 وما ترتّب عن ذلك من أزمةٍ اجتماعية حادة بفعل انهيار قيمة الدينار وتحرير الأسعار وغلق آلاف الشركات وتسريح مئات الآلاف من العمال…
منذ 1962 والسلطات تتغنى بضرورة تحرير الاقتصاد من التبعية المزمنة للريع النفطي، والاتجاه إلى توفير بدائل لهذه الثروة الزائلة، لكنّ ها هي 58 سنة كاملة تمرّ على الاستقلال، دون أن تتقدّم خطوة واحدة على صعيد تنويع الاقتصاد ومصادر الدخل.. لم تستطع تطويرَ الفلاحة ولا السياحة ولا الصناعة ولا حتى الخدمات التي تشكّل بديلا للريع النفطي في الإمارات، ولا الطاقات البديلة وفي مقدّمتها ثروة الطاقة الشمسية الهائلة بالجنوب الكبير.. لقد أظهر النظامُ عجزا مزمنا عن استغلال هذه الثروات الزاخرة للخروج من التبعية الخطيرة لثروةٍ زائلة لا يتحكّم في أسعارها، حتى حينما ارتفعت أسعار البترول في عهد الرئيس المستقيل عبد العزيز بوتفليقة وبلغت 132 دولارا، عجز النظام عن استغلال هذه الفرصة التاريخية لتطوير أيّ بديل، وبدّد نحو 1500 مليار في مشاريع غير منتجة نخرها الفساد، كورشات نفخ العجلات، قبل أن يوصل الجزائر أخيرا إلى حافة الإفلاس وطباعة النقود!
اليوم، وبعد قرابة 6 عقود من العجز عن تقديم البدائل والحلول، والغرق المزمن في الفساد والعبث بمقدرات البلاد، ها هي الجزائر تقف أمام أزمة خطيرة قد تعجّل بنفاد احتياطاتها المتبقية من الصرف، ومن ثمة العجز عن استيراد الكثير من الحاجات الأساسية للجزائريين بالأسعار الحالية للنفط، باستثناء الغذاء والدواء، وتوقّف جلّ المشاريع، وبذلك قد تلجأ البلاد إلى الاستدانة الخارجية مجددا، مع ما يعنيه ذلك من الرضوخ للشروط القاسية للهيئات المالية الدولية تحت غطاء “إصلاحات” اقتصادية هيكلية جديدة، قد تدفع ملايين الجزائريين إلى ما دون خطّ الفقر.
في الصيف ضيّعتِ اللبن.. مثلٌ عربيّ شهير ينطبق على حكامنا منذ الاستقلال إلى الآن.. آلاف ملايير الدولارات التي جنيناها من النفط طيلة 58 سنة من الاستقلال، أهدروها ذات اليمين وذات الشمال، منها نحو 1500 مليار دولار في العشرين سنة الأخيرة وحدها، والنتيجة شبح الإفلاس لدى أول هزة خطيرة في أسواق النفط، والمواطنون هم الذين سيدفعون الثمن غاليا كما يحدث في كل مرة.. لطفُك اللهم.