“كوطة” الأئمة المتوجهين إلى الخارج تثير فتنة
بمجرد أن أعلن بداية الأسبوع الحالي، وزير الشؤون الدينية، السيد محمد عيسى عن إرسال مرتقب لأكثر من 120 إمام إلى فرنسا وكندا وألمانيا وإسبانيا، خلال شهر رمضان 2016، لأجل إمامة المهاجرين في صلاة التراويح حتى عادت “كوطة” الإنتدابات التي تقوم بها وزارة الشؤون الدينية كل خمس سنوات أوالخاصة بشهر رمضان، لتثير مزيدا من الفتنة وكثير من الاتهامات اتجاه وزارة الشؤون الدينية على خلفية الأسماء المختارة لهذه الانتدابات أو سفريات رمضان.
وبالرغم من أن السيد الوزير أكد بأن الدول المعنية هي التي تقدّمت بطلب للحكومة الجزائرية باختيار مقرئين من حفظة كتاب الله، لأداء صلاة التراويح، إلا أن الوزارة معنية بالاختيار من بين عشرات الآلاف من الأسماء وحفظة كتاب الله في الجزائر، حيث اتصل بالشروق اليومي الكثير من الأئمة، وتساءلوا عن المعايير التي تختار بموجبها وزارة الشؤون الدينية الأئمة والمقرئين، بدليل أن كل الحاصلين على جوائز عالمية في القراءة وفي الحفظ لم يتم اختيارهم أبدا، وهو ما جعل أحد الأئمة يقول بأن بعض الانتدابات بيعت بالأموال في فترة سابقة، وقد وجّهت عدة أسئلة شفوية للوزير السابق غلام الله بهذا الشأن، ولكن الغموض بقي يكتنف العملية، ولأن غالبية الأئمة المحتجين رفضوا ذكر أسمائهم خوفا – على حد تعبيرهم- من انتقام وزارة الشؤون الدينية، وجهنا السؤال بتساؤل عن مكان الكفاءات في هاته السفريات؟ فالجزائر موجودة وبقوة ضمن أكبر جوائز القرآن الكريم المنظمة في ماليزيا والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، ولكن كل المتوّجين الذين بإمكانهم أن يقدموا صورة جميلة عن الجزائر نراهم مغيّبون عن سفريات الخارج، وتساءل الأستاذ عدة فلاحي: كيف للإمام الذي عجز عن أداء واجبه هنا في الجزائر في بيئته بدليل الانهيار الأخلاقي الموجود في الجزائر، أن ينجح في بيئة أخرى؟
مسؤول من وزارة الشؤون الدينية قال للشروق اليومي، بأن إتفاقات رسمية موجودة بين الجزائر وفرنسا لأجل انتداب أئمة يبقون في مختلف المدن الفرنسية كل خمس سنوات، وفي رمضان يكون العدد غير محدّد، والجزائر صارت توفّر تكوينا خاصا لكل الأئمة المنتدبين إلى الخارج، سواء في اللغة الفرنسية أو في طريقة التعامل مع الآخر، وهو التكوين الذي انتقده الأئمة غير المعنيين بالانتداب، واعتبروه استجابة لأوامر وزارة الداخلية الفرنسية المشرفة على الشأن الديني، التي اشترطت الإلمام بالعلمانية واللائكية حتى لا يحدث صدام مع ثوابت وقوانين الجمهورية الفرنسية، لكن المشكلة التي أكدتها مصادر من وزارة الأوقاف، هو أن أكثر من 90 بالمئة من الأئمة الذي انتدبوا لمدة خمس سنوات في فرنسا بقوا هناك بعد نهاية الانتداب، بحجة أن أبناءهم دخلوا المدارس، وتعودوا على حياة المهجر، وكمثال فقط أخذناه من قسنطينة التي تعتبر الولاية الثانية بعد العاصمة التي يتم اختيار الأئمة منها بفضل جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية، لم يرجع إلا إمامين فقط إلى أرض الوطن، لأسباب عائلية أما البقية فبقوا في فرنسا ومنهم عبد الكريم بوالشعر الذي أمّ الناس في جامع الأمير عبد القادر، وعاطف خوالدية إمام سابق في جامع هارون، ومحمد ليتيم إمام جامع الشنتلي الكبير بقسنطينة، حيث أصبحوا من منتدبين للتعليم، إلى مهاجرين في فرنسا، والقائمة طويلة جدا في مختلف الولايات، حيث صار انتداب الأئمة لتدريس الجزائريين في المهجر، هو بطاقة هجرة بلا عودة.
أما مربط الفرس في حكاية الانتداب إلى الخارج، فتكمن في المرتب المهم للإمام في فرنسا، حيث يتراوح ما بين 2500 إلى 3000 أورو مع حصوله على سكن في المدينة الفرنسية من أموال الخزينة الجزائرية، وهو مرتب يوازي بالعملة الجزائرية قرابة الـ 50 مليون سنتيم، بينما لا يزيد مرتب إمام في الجزائر عن 30 ألف دينار جزائري بعد الزيادات الأخيرة.
سألنا الدكتور أبو حرم شوقي الإمام السابق في جامع الأمير عبد القادر بقسنطينة وهو الذي أمضى الأشهر الماضية في التدريس في مختلف المراكز الإيطالية والإسبانية، عن رأيه في القضية، فتمنى الإهتمام بالكفاءات، حتى نجد للجزائر مكانا بقوة في مختلف الهيئات والمجالس وفي تأسيس مختلف المرجعيات التي بادرت إليها فرنسا في السنوات الأخيرة، واعتبر الإلمام باللغات الأجنبية والكاريزمة والعلوم الدينية والدنيوية ضرورة للتواصل مع الآخر.
ومن أهم المعايير التي تشترطها وزارة الشؤون الدينية في انتداب الأئمة إلى الخارج، أن يكون المعني بالسفر إلى الخارج، قد أمّ الناس على الأقل خمس سنوات في مساجد الجزائر، ثم دخل ضمن الشروط إتقان اللغة الفرنسية، استجابة لطلب فرنسي، ومع ذلك بقيت المحسوبية هي الغالبة حسب إجماع الأئمة، ولم يتغير الأمر كثيرا في عهد السيد محمد عيسى، خاصة أن الوزير كان مديرا مركزيا في نفس الوزارة، وضمن اهتماماته الانتدابات إلى فرنسا، والخلاصة هزيمة الأئمة الجزائريين الكثير من مساجد فرنسا، التي تبنى بأموال مهاجرينا لصالح أئمة من المغرب وتركيا ومصر، وعندما يصبح هدف الإمام الجزائري هو الحصول على أوراق الإقامة في فرنسا والبقاء هناك مدى الحياة، فإن الرسالة الدينية لن تصل أبدا.