كيف؟ ولماذا؟
قرأتُ في جريدة الشروق (ليوم الاثنين 16/2/ 2026 ص8) أنّ قرارًا أتّخِذ بهدم مسجد صلاح الدين الأيوبي في منطقة تيبحرين القريبة من مدينة المدية، بسبب ما أصابه من تصدّعات وانشقاقات وانزلاقات وانجرافات، مما يشكّل خطرا كبيرا على المصلّين، أو القريبين منه إقامةً أو مرورا.
عندما قرأتُ هذا الخبر أرجعتني الذاكرة إلى عام 1973، وهو العام الذي كنتُ فيه طالبا ضابطا احتياطيا بالمدرسة العسكرية لمختلف الأسلحة بمدينة شرشال، وذلك في أطار أداء واجب الخدمة الوطنية.
في بداية هذه السنة ألقى علينا المفكِّر مالك ابن نبي -رحمه الله- محاضرة تحت عنوان “الايديولوجيا والعمل”، وقد نُشرت المحاضرة في مجلة المدرسة، والأرجح أنها كانت آخرَ محاضرةٍ له، إذ لم ينشب أن توفّاه الله -عزّ وجلّ- في 31/ 10/ 1973.
الفكرةُ الأساس في المحاضرة هي أنّ أيَّ عمل -فكري أو مادي- يجب أن يُسبَق بسؤالين اثنين هما: “لماذا”؟ و”كيف”؟ ويرى الأستاذ أن السؤال الأول “لماذا؟” تجيب عنه “الإيديولوجيا” وأن السؤال الثاني “كيف” تجيب عنه “التيكنولوجيا” أي العلم، وهذا ما ذكّرني بكلام الإمام عبد الحميد ابن باديس القائل: “العلمُ هو وحده الإمامُ المتَّبَع في الحياة في الأقوال والأفعال والاعتقادات”. (آثار الإمام ابن باديس. نشر وزارة الشؤون الدينية. ج1. ص139). وكان الشيخ أحمد حمّاني يقول -كما ذكر الأستاذ أحمد رضا حوحو- “إنّ الله سبحانه لا يحاسب عباده عن عدد ما أنجزوا من المهمات في هذه الدنيا، وإنّما يحاسبهم على إتقان ما أنجزوا” (جريدة البصائر في 19/ 03/ 1954. ص6).
أنا أجزم أنّ من فكّروا في إقامة هذا المسجد كانوا في كامل وعيهم عندما فكّروا في بنائه، وهذا هو الجواب عن سؤال: “لماذا؟”، خاصة أنّ المسجد لا يبعد إلا خطوات معدودات عن ديرٍ تنصيري لا يزال باقيًّا إلى الآن، رغم أنّه لا يوجد نصرانيٌّ واحدٌ هناك، وربما كان القائمون على هذا الدير على مذهب كبيرهم الكاردينال ديفال الذي أجاب الفيلسوفَ روجي غارودي عندما سأله عن بقائه في الجزائر بعد 1962، قائلا: “لئن بقيتُ هناك مع قُسُسي فذلك لأننا قد نساعد بعض المسلمين على أن يصبحوا مسلمين على نحو أفضل”؟! (ر. غارودي: في سبيل حوار الحضارات. نشر دار عويدات. ص269).
وأعود إلى سؤال: “كيف؟” لأتساءل عمّن اتخذ قرار تأسيس مسجدٍ هناك، والمكان يجزم أجهلُ الجهلاء بالهندسة أنّه غير صالح لإقامة مسجد، أو أيّ بناء، لأنّ أرضية المكان غير صلبة، فهي ترابية، ومن ثم فهي قابلة للانجراف والانزلاقات… وكانت النتيجة هي أنّ البناء بدأ يتشقّق ويتصدّع بعد فترةٍ من الشروع في بنائه، ومن ثم فقد ذهبت أموال، وأهدِرت أوقات، لأنّ الجواب عن سؤال: “كيف نبني المسجد؟” كان “غائبا” عن أذهان الذين فكّروا ونفّذوا، أو أنّ الجواب لم يكن -لسببٍ من الأسباب- صحيحا، وكان الجوابُ عن سؤال: “لماذا؟” مسيطرا على أذهانهم.. وأنا أعلم أنّ هناك مسجدا آخر في قسنطينة وقع له ما وقع لمسجد “تيبحرين” بالمدية، وكل هذا يشير إلى بعض حكمة الله -عزّ وجلّ- في أنّ أوّل ما أنزله من كتابه الأقوم على نبيّه الأكرم -صلى الله عليه وسلم- هو “اِقرأ”.. فمتى نفقه هذا الأمر؟