كيف تؤثر جروح الطفولة على استقرار علاقاتنا الزوجية ؟
الآباء يأكلون الحصرم والأبناء يضرسون. هذا المثل ينطبق تماما على الأزواج الذين تعرضوا في طفولتهم إلى أخطاء في التربية والمعاملة من طرف أوليائهم. الأمر الذي تسبب لهم في جروح وندوب نفسية وعاطفية عميقة، يصعب عليهم تجاوزها لدرجة أنهم قد يفشلون في علاقاتهم الزوجية بسببها.
جروح الطفولة،كما يوضح الدكتور هشام زكاغ، طبيب مختص في الصحة النفسية والعقلية للطفل والمراهق: “هي آلام نفسية مخبأة في جهازنا النفسي والعصبي، نصاب بها في طفولتنا وتكبر معنا لتؤثر على حياتنا، سواء في المراهقة أم البلوغ أم حتى في آخر عمرنا. بدليل أن هنالك شيوخا في السبعين والثمانين من العمر ما زالت جراح الطفولة تعذبهم. وتكون هذه الآلام ناتجة عن أحداث مؤلمة، وبالأخص أحداث التعنيف، كالضرب، التخويف، التحرش، أو أحداث الحرمان، أي أن يحرم الطفل من تلبية احتياجه للحب، الاهتمام، والرعاية، التقدير وغيرها. كما يمكن أن تكون هذه الجروح ناتجة عن توهمات الطفل الذي يولد وهو يحمل استعدادا جينيا ليرى ويشعر بأنه محروم أو معنف، لأنه في شجرة عائلته، أجداده وأجداد أجداده تعرضوا لجروح طفولة معينة، فيولد الطفل ولديه قابلية ليحس بذلك الألم. وهو لم يعشه في الحقيقة. فيتوهمه ويتوقعه لأنه مبرمج جينيا عليه.”
آليات تأقلم للتخفيف من جروح الطفولة
هذه الجروح، يضيف محدثنا: “تخلق ألما نفسيا يتعامل معه الطفل بآليات لتخفيفه. هذه الآليات تصنع أنماطا تبني شخصية الفرد. فالطفل الذي لديه جرح طفولة من نوع “أنا لا قيمة لي”، يخلق آلية تأقلم من نوع المثالية المفرطة، هدفها تخفيف ألم “لا أحد يحبني أو يقدرني”. فيميل إلى الإتقان الزائد والمثالية المفرطة، تخفيفا لهذا الألم. وعندما يكبر ويكون أسرة سوف يهمل زوجته وأولاده ليقدم أوقاتا إضافية من العمل في المؤسسة التي يعمل بها.”
خلافات زوجية أصلها جراح في الطفولة
وكمثال عن تأثير جروح الطفولة على الحياة الزوجية للمتعرض لها، يذكر الدكتور هشام زكاغ حالة لشابة تعاني من جرح طفولة من نوع “أنا لا قيمة لي”، المشاعر المرافقة له قويه جدا. وحتى تتعايش معها طورت آلية تأقلم من نوع المثالية المفرطة، حيث كانت كثيرة الاجتهاد والإتقان لعملها ومهامها. لا تترك أي هامش للخطأ. وتسعى دائما للإنجاز والتميز، لأنها عندما تفعل ذلك تشعر بأنها ذات قيمة. ويهدأ جرح الطفولة الذي تعاني منه. وفي المقابل، عندما لا تنجز، تحتقر وتمقت وتلعن ذاتها. هذه الفتاة تزوجت من شاب وسيم، متعلم ومثقف، لديه من المال ما يسمح لهما بعيش عيشة
كريمة. بعد فترة من العشرة الزوجية، أدركت أنه قد نشأ في أسرة تدلل أبناءها ما جعله ينشأ بشخصية لا مبالية اعتمادية، لا يرغب في بذل الجهد ولا يتقن عمله ويؤجله. وهي كانت تلعن نفسها إذا فعلت أيا من تلك الصفات. فمن دون وعي منها، بدأت تحتقر زوجها عندما تصدر منه مثل تلك السلوكات والتصرفات. وبدوره، وبسبب الدلال الزائد الذي تحصل عليه في عائلته، وبقدر ما أظهرت له من الحب والاهتمام، فإنه كان يحس أنها غير راضية عنه. ما أدى للنفور بينهما. وبعد سنة من الزواج صارت فكرة الطلاق بينهما مطروحة. والسبب صغائر الأمور ومواضيع لا وزن لها، يعود أصلها لجروح الطفولة. الأمر الذي أدى بهما لطلب العلاج النفسي.”
العلاج
أساس علاج جروح الطفولة هو الوعي، ليس بها تحديدا، وإنما الوعي بالأنماط المتكررة، أي بالطرق والأساليب التي نستخدمها لتخفيف الألم الناتج عنها. فالإنسان الذي يشعر بأنه لا قيمة له ويستخدم المثالية الزائدة نقول إن نمطه هو المثالية. فلما يعي ذلك، يبدأ المشروع العلاجي الذي يبنى على جلسات علاجية قائمة على طرق حديثة، مثل العلاج بالمخططات والعلاج بالتقبل والالتزام، التي قد تستمر لأربع سنوات ثم يستطيع المريض أن يكمل مسيرة التشافي لوحده. فتلك الجراح يمكن أن تظهر من جديد وتستحوذ عليه، حتى لا يورثها لأولاده الذين يجب أن يستخدم معهم نمطا تربويا سليما قائما على التربية الواعية.”