الشروق العربي
أبو لهب واللفعة وهتلر..

كيف تؤثر حرب الأسماء على التقارب الوجداني بين الزوجين

ليلى حفيظ
  • 1041
  • 0
بريشة: فاتح بارة

رجل لا ينادي زوجته باسمها، ويستعيض عنه بألفاظ تلغي كينونتها، وتهين كيانها كإنسان بالدرجة الأولى، قبل أن تؤذي أنوثتها وتضربها في الصميم. يُخيل إلى سامع هذا الكلام، أننا نتحدث عن رجل من جيل جدك وجدي أو والدك ووالدي، لكن الواقع أخطر من ذلك بكثير، فعدم مناداة الرجل زوجته باسمها، أو العكس، صار منتشرا حتى بين جيل الشباب. وأصبح يأخذ صورة أكثر حداثة، بالتزامن مع التطورات والابتكارات التكنولوجية والرقمية الحديثة، عبر تسجيل الزوجة بأسماء غريبة ومهينة على قائمة جهات الاتصال بالهاتف أو الحسابات الرقمية. وهو ما يؤشر لاضطرابات عميقة في العلاقة، أبعد ما تكون عن كونه عرفا اجتماعيا و”حرمة”.

خلل في التواصل الوجداني

الامتناع عن مناداة الزوجة باسمها، ليس مجرد عادة اجتماعية، أو موروث ثقافي أبوي مازال حاضرا، بل ظاهرة نفسية اجتماعية تعكس خللا في التواصل الوجداني. تقول الأخصائية النفسانية يسرا طالي، التي توضح أنه: “من الناحية النفسية، هذا السلوك يعبر عن مسافة عاطفية ورغبة لاواعية في الحفاظ على السيطرة أو تجنب الحميمية. وكأن النداء بالاسم يهدد صورة الرجولة أو يكشف ضعف التواصل. أما اجتماعيا، فهو امتداد لفكر يربط ذكر اسم المرأة بالعيب أو المساس بالستر، رغم أن في ذلك إنكارا لهويتها”.

اللافت أيضا، أن بعض الأزواج يبدؤون حياتهم الزوجية بمناداة الزوجة بالاسم بكل مودة، ثم مع مرور الوقت، وظهور الخلافات، يختفي الاسم تدريجيا ويستبدل بألقاب عامة أو صمت متبادل. وهذا التحول في النداء يعكس غالبا برودا عاطفيا وتراجعا في التواصل العاطفي. توضح يسرا طالي، التي تذكر في هذا السياق حالة لسيدة في منتصف الثلاثينيات من العمر، متزوجة منذ عشر سنوات، قصدت عيادتها لتشكو من برود زوجها وفتور العلاقة بينهما، ليتبين من حديثها أن زوجها لا يناديها باسمها، منذ أربع سنوات تقريبا. ويستعمل بدل ذلك كلمات مثل: اسمعي، أو شوفي.. وهو السلوك الذي رأت فيه دليلا على التجاهل ونقص الاهتمام. واتضح أنه بدأ إثر خلافات متكررة بينهما، ثم تحول إلى عادة عكست المسافة العاطفية بينهما.

وسيلة خفية للهيمنة

في العلاقات التي تطغى عليها النرجسية، يصبح الامتناع عن مناداة الشريك باسمه وسيلة خفية للهيمنة. فالنرجسي لا يرى في الطرف الآخر شخصا مستقلا له هوية، بل يرى فيه امتدادا لذاته، ووجوده مرهون بما يقدمه من إعجاب وخدمة. لذلك، يتعمد تجريده من اسمه ويستبدله بألقاب عامة أو مهينة أو يتجاهله تماما. وكأن نطقه للاسم يمنحه اعترافا لا يريد أن يمنحه إياه.. إنها طريقة صامتة للإلغاء النفسي، حين يصبح غياب الاسم دليلا على غياب الاحترام، قبل أن يغيب الحب نفسه. وبهذا، يتحول التواصل من جسر للتقارب إلى أداة للسيطرة، ويصبح الاسم الذي يفترض أن يرمز للمودة والاحترام ضحية لصراع خفي على النفوذ داخل العلاقة. وفي هذا السياق، تذكر الدكتورة طالي حالة لرجل في الأربعينيات من العمر، جاءها يشكو زوجته التي تميل إلى السلوك النرجسي، فلا تناديه باسمه إطلاقا،

وتكتفي بالإشارة إليه، بكلمات مثل هذاك أو هو، حتى أمام الناس لكونها تعتبر مناداته باسمه ضعفا منها. ومع مرور الوقت، أصبح يشعر بعم الاحترام وتقلص مكانته داخل العائلة، ما سبب له قلقا وحزنا شديدين. وخلال جلسات العلاج النفسي، تمت توعيته إلى كون هذا السلوك وسيلة للسيطرة، وليس دليلا على نقص فيه.”

الأسماء تدل على الحالة العاطفية بين الزوجين

الاسم ليس مجرد كلمة، بل رمز للاعتراف والوجود، حين يغيب سيغيب جزء من العلاقة الزوجية نفسها. تقول الأستاذة طالي: “فمناداة الزوجة باسمها أو بأحب الأسماء لقلبها، هو فعل بسيط، لكنه يحمل دلالة كبيرة. إنه اعتراف بالوجود واحترام للذات وكسر لصمت صنعته العادات، أكثر مما صنعته المشاعر. ونفس الأمر بالنسبة إلى مناداة الزوج”..

ومع تطور وسائل التواصل التكنولوجية، انتقلت حرب الأسماء بين الزوجين لقوائم جهات الاتصال بالهواتف ومواقع التواصل الاجتماعي. فصرنا نشهد من يسجل زوجته فيها بأسماء غريبة كاللفعة، غلطة عمري. وزوجات يقيدن أزواجهن فيها بأسماء من نحو هتلر وأبي لهب.

وطبعا، الأمر ليس اعتباطيا، وإنما يؤشر كذلك لخلل في التواصل الوجداني، لأنه يدل على الحالة العاطفية والنفسية بين الزوجين. ويُعمق من حجم الشرخ الحاصل. يعني الاسم الذي تنادي به شريك حياتك، يمكن أن يزيد أو يقلل من مقدار الحب بينكما.

من حسن العشرة مناداة الزوجة بأحب الأسماء

الشريعة الإسلامية أمرت بحسن العشرة، يقول الشيخ شمس الدين الجزائري: “ومنها، أن ينادي الرجل زوجته بأحب الأسماء إلى قلبها، ولو يخترعه من عنده. فمن النساء من تحب أن يناديها زوجها باسمها، ومنهن من تحب أن يخترع لها اسما جميلا من عنده، يدلعها به ويشعرها بحبه. فالنبي- صلى الله عليه وسلم- كان ينادي السيدة عائشة وأمهات المؤمنين بأسمائهن. ولكن الرجل الجزائري الشهم الذي لا ينادي زوجته باسمها، لا يفعل ذلك تحقيرا لها، وإنما صونا لهذا الاسم العزيز عليه. كي لا يشتهر ويتداول بين الناس. فهو يحب أن يبقيه لنفسه فقط. أما من يسميها باسم حقير، لمرا حاشاكم.. فهذا من الجهل والأذى الذي جاء الإسلام لتصحيحه.”

مقالات ذات صلة