كيف تجعل الجزائر أي عدوان معركةً لا يستطيع الخصم ربحها؟
في الحسابات التقليدية للحروب، تُقاس القوة بعدد الطائرات، والمدرعات، والسفن، والصواريخ، وحجم الإنفاق العسكري. لكن الحروب المعاصرة كسرت هذه المعادلة. فالدولة التي تمتلك تفوقًا تقنيًا هائلًا قد تنتصر في الساعات الأولى، ثم تكتشف أنها لم تنتصر في الحرب نفسها. ذلك لأن الحرب لم تعد تبدأ عندما تُطلق أول قذيفة.
إنها تبدأ قبل ذلك بكثير: عندما تُختبر قدرة الدولة على الصمود، وعندما تُدرس درجة تماسك مجتمعها، وعندما تُقاس هشاشة اقتصادها، وعندما تُرسم خريطة اعتمادها على الخارج، وعندما تُختبر قدرتها على إنتاج الرواية، وحماية معلوماتها، وتأمين مؤسساتها، واستمرار حياتها اليومية تحت الضغط. ومن هنا فإن السؤال الاستراتيجي الذي ينبغي أن يشغل الجزائر ليس: كيف نواجه قوة أكبر منا؟ بل: كيف نبني دولة لا يستطيع أي ائتلاف مهما اتسع أن يحول تفوقه العسكري إلى إخضاع سياسي؟ هذه هي النقلة التي تفصل بين إدارة الحرب وهندسة منع الهزيمة. فالجزائر ليست بحاجة إلى الدخول في سباق مع كل قوة كبرى في عدد الطائرات أو الصواريخ أو القطع البحرية. إنما تحتاج إلى بناء منظومة تجعل الحرب ضدها عاجزة عن تحقيق غايتها السياسية. وهنا تبدأ الاستراتيجية الحقيقية.
من عقيدة “الرد على العدوان” إلى عقيدة “إفشال الغاية من العدوان”:
هناك خطأ استراتيجي شائع في التفكير العسكري: افتراض أن الردع يتحقق بمجرد امتلاك قدرة على إلحاق الضرر بالخصم. لكن الردع الأكثر نضجًا يقوم على شيء آخر: إقناع الخصم بأن المشكلة لن تكون في قدرته على بدء الحرب، بل في عجزه عن التحكم في نهايتها. وهذا فارق جوهري. فالدولة المعتدية قد تكون قادرة على إحداث أضرار كبيرة في الأيام الأولى، لكنها لا تستطيع بالضرورة تحقيق أهدافها السياسية. وهنا يصبح التفوق العسكري مجرد قدرة تكتيكية، لا نصرًا استراتيجيًا.
الجزائر لا تحتاج إلى أن تكون أقوى من خصومها مجتمعين؛ تحتاج إلى أن تكون أصعب من أن تُكسر:
هذه الفكرة تبدو بسيطة، لكنها من أكثر الأفكار أهمية في التفكير الدفاعي الحديث. القوة لا تعني فقط القدرة على الضرب. القوة تعني كذلك: القدرة على الاستمرار؛ القدرة على التعافي؛ القدرة على اتخاذ القرار تحت الضغط؛ القدرة على حماية الاقتصاد؛ القدرة على منع الانقسام الداخلي؛ القدرة على الحفاظ على الخدمات الأساسية؛ القدرة على حماية المجال المعلوماتي؛ والقدرة على تحويل الأزمة إلى قضية دولية لا يستطيع المعتدي احتكار تفسيرها. ومن هنا يمكن بناء ما أسميه: “معادلة المناعة الوطنية متعددة الطبقات” أي أن أمن الجزائر لا ينبغي أن يعتمد على طبقة عسكرية واحدة، بل على شبكة مترابطة من:
المناعة العسكرية + المناعة الاقتصادية + المناعة الرقمية + المناعة المجتمعية + المناعة الدبلوماسية + المناعة الطاقوية + المناعة المؤسساتية + المناعة المعرفية.
إذا فشلت طبقة، تحميها الطبقات الأخرى. وهذه هي الفكرة التي يجب أن تتحول إلى فلسفة وطنية للدفاع.
لا تجعل مركز ثقل الدولة موجودًا في مكان واحد:
في الحرب التقليدية، يبحث الخصم عن مراكز الثقل. وفي الحرب الحديثة، لا ينبغي للدولة أن تمنحه مركز ثقل واحدًا أصلًا. وهنا ينبغي للجزائر أن تفكر بمنطق: “الدولة الموزعة استراتيجيًا” أي توزيع القدرة الوطنية على شبكات متعددة بحيث لا يؤدي تعطيل جزء منها إلى شلل الدولة كلها. المقصود ليس فقط المنشآت العسكرية. بل: مراكز القرار؛ الاتصالات؛ الخدمات المالية؛ الطاقة؛ المياه؛ الغذاء؛ المستشفيات؛ شبكات البيانات؛ البنية الرقمية؛ سلاسل الإمداد؛ المؤسسات الإعلامية؛ ومراكز المعرفة.
الدولة التي تستطيع الاستمرار في العمل أثناء الأزمة، حتى في ظروف قاسية، تمتلك عنصرًا من عناصر القوة لا يظهر في ميزانيات الدفاع. إنها قوة الاستمرارية. وهذه قد تكون أهم من قوة الضربة الأولى.
المعركة القادمة قد تكون على “الثقة” قبل أن تكون على الأرض:
من أخطر الأخطاء النظر إلى الحرب المعلوماتية باعتبارها مسألة إعلامية، ليست كذلك، إنها مسألة أمن قومي. فالخصم الحديث قد يحاول أن يقنع المواطن بأن الدولة عاجزة، أو أن المؤسسات منقسمة، أو أن الاقتصاد ينهار، أو أن الحرب حُسمت قبل أن تبدأ، أو أن المقاومة غير مجدية. لذلك فإن حماية المجتمع من الحرب النفسية لا تعني التحكم في المجتمع، بل تعني بناء مجتمع يمتلك مناعة معرفية تسمح له بتمييز الحقيقة من التضليل. وهنا تحتاج الجزائر إلى بناء: “منظومة إنذار مبكر للمجال المعلوماتي”، تراقب بصورة قانونية وأخلاقية الاتجاهات الكبرى في البيئة المعلوماتية، وتكشف حملات التضليل المنسقة، وتوفر معلومات موثوقة وسريعة، وتمنع الفراغ المعلوماتي الذي يتحول عادة إلى بيئة خصبة للشائعات. القاعدة هنا شديدة البساطة: حين تصمت الدولة في اللحظة التي يبحث فيها الناس عن تفسير، يتكلم الآخرون نيابة عنها.
الردع الاقتصادي أقل صخبًا من الردع العسكري… لكنه قد يكون أكثر استمرارًا:
لا يمكن لدولة أن تخوض أزمة استراتيجية طويلة إذا كانت بنيتها الاقتصادية شديدة الحساسية للصدمات. ولهذا فإن بناء القدرة الدفاعية ينبغي أن يتقاطع مع بناء: اقتصاد حرب دون حرب. والمقصود اقتصاد قادر على الاستمرار في الظروف الاستثنائية. وهذا يتطلب تقليل نقاط الاختناق في: الغذاء؛ الدواء؛ الطاقة؛ التكنولوجيا؛ المكونات الصناعية؛ الاتصالات؛ أنظمة الدفع؛ وسلاسل الإمداد.
الهدف ليس الانغلاق، بل تنويع الاعتماد الخارجي بحيث لا يستطيع طرف واحد تحويل الاعتماد الاقتصادي إلى أداة ضغط سياسي. وهنا تظهر إحدى أهم قواعد السيادة الحديثة: لا تخف من اعتمادك على الخارج بقدر ما تخف من اعتمادك على الخارج من مصدر واحد.
القوة الحقيقية ليست في امتلاك التكنولوجيا فقط، بل في القدرة على الاستمرار عندما تُحرم منها:
هذه النقطة بالذات تستحق أن تصبح محورًا في التفكير الاستراتيجي الجزائري. فالعالم يدخل عصرًا تصبح فيه التكنولوجيا سلاحًا جيوسياسيًا. ومن ثم فإن السيادة التقنية لا تعني إنتاج كل شيء محليًا، فهذا غير واقعي، بل تعني معرفة: ما الذي لا يجوز أن تكون الدولة عاجزة عن الحصول عليه أو استبداله أو تطوير بديل له؟ وهنا يجب إنشاء قائمة وطنية للقدرات الحرجة، وتطوير بدائل محلية أو متعددة المصادر، وتوسيع البحث والتطوير في المجالات التي يمكن أن تتحول إلى نقاط ضغط استراتيجية. وهذا يتقاطع مباشرة مع توجه وزارة الدفاع الجزائرية نحو تطوير البحث العلمي والتكنولوجي باعتباره جزءًا من الاستقلالية الاستراتيجية، خصوصًا في ظل القيود على نقل واقتناء بعض التقنيات الحيوية.
“الحرب التي لا يستطيع الخصم إغلاقها”: تحويل الجغرافيا والدبلوماسية والمجتمع إلى منظومة ردع
إذا كان ما سبق ذكره يتعلق بجعل الدولة قادرة على البقاء، فإن ما نحن الآن بصدده يتعلق بجعل المعتدي عاجزًا عن تحويل الحرب إلى نتيجة سياسية. وهنا تحديدًا يمكن للجزائر أن تستثمر عناصر قوة لا تظهر في الخرائط العسكرية التقليدية.
لا تحارب على الجبهة التي اختارها خصمك:
هذه واحدة من أقدم الحكم الاستراتيجية، لكنها تكتسب معنى جديدًا في القرن الحادي والعشرين. إذا أراد الخصم تحويل المواجهة إلى اختبار للقوة العسكرية، فلا ينبغي للدولة أن تسمح له باختزال الصراع في هذا البعد. بل تنقل الصراع إلى مجالات تمتلك فيها الدولة قدرة أكبر على المناورة: الدبلوماسية، القانون الدولي، الاقتصاد، الرأي العام الدولي، الأمن الإقليمي، المؤسسات متعددة الأطراف، المعرفة، الإعلام، والطاقة. وهنا يصبح العدوان مشكلة متعددة الأبعاد بالنسبة إلى المعتدي نفسه. كلما حاول حصر الجزائر في معركة واحدة، ينبغي أن يجد نفسه أمام شبكة من المعارك السياسية والقانونية والدبلوماسية والاقتصادية. هذه ليست حربًا هجومية، إنها هندسة للبيئة الاستراتيجية.
الجزائر تحتاج إلى “شبكة علاقات” لا إلى “حلف واحد”:
من الأخطاء التي قد تقع فيها الدول المتوسطة أن تبحث عن قوة عظمى تحميها. لكن الرهان الأكثر استدامة هو بناء شبكة واسعة من العلاقات المتوازنة. وهنا يصبح عدم الانحياز، الذي تؤكد الجزائر تمسكها به، ليس مجرد إرث تاريخي، بل يمكن قراءته كأداة لإدارة المخاطر الاستراتيجية. فقد أكدت وزارة الدفاع الجزائرية في 2026م تمسك الجزائر بعدم الانحياز واستقلال قرارها وسيادتها في الوقت نفسه الذي تعمل فيه على تطوير علاقات التعاون مع دول مختلفة. المبدأ الذكي هنا: لا تجعل أمنك تابعًا لعلاقة واحدة. كلما اتسعت شبكة المصالح الجزائرية مع دول ومؤسسات ومناطق مختلفة، أصبح عزل الجزائر أصعب، والدولة التي يصعب عزلها، يصعب إخضاعها.
إفريقيا ليست عمقًا جغرافيًا فقط… إنها عمق استراتيجي:
وهنا ينبغي التفكير بصورة مختلفة في علاقة الجزائر بمحيطها الإفريقي، فالاستثمار في الاستقرار والتنمية والأمن الإقليمي ليس عملًا خيريًا، إنه استثمار في الأمن الوطني الجزائري. وقد أكدت المؤسسة العسكرية الجزائرية في مناسبات حديثة على أهمية الاستقرار والتنمية والتعاون الأمني في منطقة الساحل، وعلى رفض المقاربات التي تجعل السلاح الحل الوحيد للأزمات. الجزائر التي يكون جيرانها أكثر استقرارًا تصبح أكثر أمنًا. والجزائر التي تمتلك حضورًا اقتصاديًا ومعرفيًا ودبلوماسيًا في محيطها تصبح أقل قابلية للعزل. وهنا يجب أن تنتقل الجزائر من مفهوم: “الأمن على الحدود” إلى مفهوم أكثر عمقًا: “أمن البيئة المحيطة بالحدود”. فأفضل حدود للدولة ليست دائمًا الحدود التي تحرسها أكثر، أحيانًا تكون أفضل الحدود هي تلك التي يوجد خلفها محيط مستقر، وشبكات مصالح، وعلاقات ثقة، ومؤسسات تعاون.
الجزائر تحتاج إلى “دبلوماسية الطوارئ قبل الطوارئ”:
ينبغي ألا تنتظر الدولة وقوع الأزمة كي تبدأ في البحث عن الدعم السياسي. الدبلوماسية الناجحة في الأزمات تُبنى قبل الأزمة، وهنا يمكن إنشاء ما يمكن تسميته: “شبكة الاستجابة الدبلوماسية الاستباقية”، بحيث تكون الدولة قادرة منذ الساعات الأولى لأي أزمة كبرى على تفعيل قنوات سياسية وقانونية وإقليمية ودولية جاهزة أصلًا. ليس الهدف طلب النجدة، بل منع احتكار الرواية الدولية. فالطرف الذي يشرح الأزمة أولًا لا يربح الحرب بالضرورة، لكنه قد يؤثر في الطريقة التي يفهم بها العالم الحرب. ولهذا فإن الدبلوماسية في الأزمات ليست بروتوكولًا، إنها قدرة قتالية من نوع آخر، ولكن بلا رصاصة.
أخطر سلاح يمكن أن تمتلكه الجزائر هو أن تبقى الجزائر:
قد تبدو هذه العبارة شاعرية، لكنها في الحقيقة استراتيجية. فالعدوان الخارجي لا يحقق غايته بمجرد إلحاق الأضرار، إنما يحقق غايته عندما ينجح في تغيير سلوك الدولة، أو تفكيك مؤسساتها، أو إنهاك مجتمعها، أو دفعها إلى قرارات تتعارض مع مصالحها الأساسية. لذلك فإن أعظم ردع يمكن بناؤه هو: استمرار الدولة، استمرار المؤسسات، استمرار الاقتصاد، استمرار الخدمات، استمرار التعليم، استمرار الإعلام المهني، استمرار الحياة الاجتماعية، استمرار القرار السيادي، واستمرار ثقة المواطن بأن الدولة قادرة على إدارة الأزمة. إذا فشل المعتدي في كسر هذه العناصر، فإنه قد يحقق تفوقًا عسكريًا موضعيًا، لكنه لا يكون قد حقق بالضرورة هدفه الاستراتيجي.
خاتمة: الجزائر التي لا تبحث عن الحرب… يجب أن تكون مستعدة كي لا تُفرض عليها
ليست الوطنية أن نبحث عن الحرب، وليست الوطنية أن نستخف بقوة الآخرين، وليست الوطنية أن نَعِد الشعب بانتصارات سهلة. الوطنية الحقيقية أكثر صعوبة: أن نبني دولة لا يجرؤ أحد على اختبار هشاشتها. أن نمتلك جيشًا قويًا، ولكن أيضًا اقتصادًا قادرًا على الصمود. أن نمتلك السلاح، ولكن أيضًا المعرفة. أن نمتلك الحدود، ولكن أيضًا العمق الإقليمي. أن نمتلك الدبلوماسية، ولكن أيضًا القدرة على تحويلها إلى شبكة مصالح. أن نمتلك التكنولوجيا، ولكن قبل ذلك أن نمتلك القدرة على إنتاج المعرفة. وأن نمتلك مجتمعًا لا تهزمه الإشاعة قبل أن تصل إليه القذيفة.
لقد أثبت التاريخ الجزائري أن القوة الوطنية لا تُقاس فقط بما تمتلكه الدولة من أدوات، وإنما بما تستطيع الدولة أن تتحمله دون أن تفقد نفسها. ولهذا فإن العقيدة الأكثر ملاءمة لعصرنا ليست عقيدة تقول: “كيف ننتصر في الحرب؟” بل عقيدة أكثر عمقًا: “كيف نجعل الحرب عاجزة عن تحقيق أهدافها؟” هنا تتحول الجغرافيا إلى قوة، والاقتصاد إلى درع، والدبلوماسية إلى حصانة، والتكنولوجيا إلى سيادة، والمجتمع إلى عمق استراتيجي، والذاكرة التاريخية إلى مصدر صلابة، والجيش إلى الضامن الأخير للسيادة، لا إلى الأداة الوحيدة للدفاع عنها. وهنا أيضًا يصبح معنى الاستقلال أكثر اتساعًا من مجرد حماية الأرض. الاستقلال هو أن تستطيع الجزائر أن تقول “لا” عندما تريد، وأن تستطيع أن تقول “نعم” عندما تريد، وأن يبقى القرار في الحالتين جزائريًا.
إن الدولة التي تستطيع الاستمرار، والتكيف، وتنويع علاقاتها، وحماية مجتمعها، وتأمين اقتصادها، وإنتاج معرفتها، والحفاظ على مؤسساتها، لا تحتاج إلى تهديد الآخرين كي تردعهم. يكفي أن يعرف الآخرون شيئًا واحدًا: أن الجزائر قد تُضغط، لكنها لا تُختزل؛ قد تُحاصر، لكنها لا تُعزل؛ قد تُختبر، لكنها لا تُدار من الخارج. وهذا، في نهاية المطاف، هو جوهر الردع السيادي. ليس أن تجعل الحرب مستحيلة، بل أن تجعل نتيجتها السياسية غير قابلة للفرض من الخارج. فالجزائر لا تحتاج إلى أن تكون الدولة التي يخشاها الجميع، يكفي أن تصبح الدولة التي يعرف الجميع أن كسر إرادتها أصعب بكثير من كسر بعض قدراتها.