الرأي

كيف تحول عيد العرش إلى هروب جماعي نحو سبتة؟

ليس من قبيل الصدفة أن يختار أكثر من ستّين ألفا من الشباب والشابات وحتى الأطفال المغاربة، توقيت الاحتفال بذكرى عيد العرش هذه السنة 2026، ليكون موعدا لمغامرتهم نحو الضفة الإسبانية؛ فهذا التزامن، الذي قد يبدو للوهلة الأولى عابرا أو غير مقصود، يحمل في طياته دلالة رمزية عميقة تستحق التوقف والتحليل، ففي اللحظة ذاتها التي تتعالى فيها أصوات الاحتفال الرسمي ويُلقى الخطاب الملكي الذي يستعرض حصيلة الإنجازات ومسار “التنمية”، يختار عشرات الآلاف من الشباب، أن يمنح صمتهم صوتا مغايرا معبّرا عن موقفهم لا بالكلمة بل بالفعل، ولا بالاحتجاج المعلن بل بالهروب نحو المجهول. وكأن هذا التوقيت المُختار بعناية، ولو بشكل غير مُعلن أو منظّم، يشكل رسالة احتجاجية مضادة توازي في رمزيتها الخطاب الرسمي نفسه، ليتحول عيد العرش هذه السنة 2026، الذي يُفترض أن يكون مناسبة للاحتفاء بالإنجاز الوطني، إلى محطة تكشف عمق الفجوة بين خطاب السلطة وواقع الرعايا من المغاربة الذين لا يجدون في هذا الاحتفال ما يعنيهم أو يمسّ حياتهم اليومية.

تكشف المَشاهد المؤلمة القادمة من شواطئ الفنيدق، المقابلة لسياج سبتة المحتلة، عن حقيقة اجتماعية لا تقبل التجميل؛ فقد اندفع عشرات الآلاف من الشباب والشابات والأطفال نحو عرض البحر بأجساد عارية وآمال مكسورة، في محاولة يائسة للوصول إلى الضفة الأخرى، مخاطرين بحياتهم في رحلة قد تنتهي بالموت أكثر مما تنتهي بالنجاة. وليست هذه الموجة من الرحيل الجماعي مجرد رد فعل آني أو استجابة لدعوات متداولة على منصات التواصل، بل هي في حقيقتها تعبير جماعي صادق عن حالة اليأس، وشهادة حية تُدين انسداد الأفق أمام فئة عريضة من المجتمع.

والمفارقة أن هذا المشهد المأساوي يتقاطع زمنيا مع خطاب رسمي ألقاه الملك محمد السادس بمناسبة مرور 27 عاما على توليه العرش، وهي مصادفة تحمل دلالة رمزية عميقة، فالخطاب الرسمي، بلغته المصقولة وأسلوبه المحكم، يبدو موجها بالأساس إلى “مغرب” آخر مختلف تماما؛ مغرب النخبة الناطقة بالفرنسية، ورجال المال والأعمال، والمشاريع الاستثمارية الكبرى، والبنية التحتية المُعدّة لاستقبال المستثمرين والشركاء الأجانب. في هذا الخطاب تحضر لغة الأرقام والإنجازات المصقولة، بينما تغيب تماما معاناة الحياة اليومية لغالبية الرعايا، وكأن السلطة تخاطب من علٍ فئة محدودة تستفيد من عائدات هذا “المغرب” اللامع، متناسيةً عمدا باقي أبناء الوطن الذين يرزحون تحت وطأة الفقر والتهميش.

هذا التناقض الحاد بين المشهدين يفضح انقساما طبقيا غير مُعلن، لكنه واقعي وملموس؛ فهناك مغرب علوي محظوظ تُصاغ له الخطابات بعناية واهتمام، ومغرب سفلي مهمَل يعيش سكانه البطالة والفقر والإقصاء، وتُقابل طموحاتهم بلا مبالاة تكاد تصل إلى حد الاحتقار، وكأنهم مجرد أعداد لا وزن لها في حسابات المخزن وخططه التنموية.

وحين يقفز الشباب إلى البحر في اللحظة نفسها التي تُقام فيها الاحتفالات الرسمية، فإن ذلك يعكس هوة نفسية وسياسية عميقة بين الطرفين؛ إذ يُعبّر هؤلاء الشباب بصمتهم المؤسسي المفروض عليهم عن رفضهم لواقع لا يعترف بوجودهم، مؤكدين أن الهجرة عبر البحر أصبحت، بالنسبة لهم، السبيل الوحيد للفرار من مصير لا يراهم إلا كأجساد زائدة خارج حسابات “المغرب النافع”.

تُشكّل هذه المحطة التطور الأكثر خطورة وتكثيفا في مسار المواجهة النقدية بين الشارع والسلطة؛ فبعد الأسئلة الجوهرية والصريحة التي طرحها “جيل زاد 212” عبر مظاهراته السابقة مطالبا بالتعليم، والصحة، والعدالة الاجتماعية، بدلا من الملاعب والاستعراضات الكروية، جاء الرد الرسمي متمثلا في التجاهل التام والصمت الذي يخاطب فقط نخب “لو ماروك” وينتشي بالأرقام والمشاريع البراقة.

هذا الصمت الإداري والسياسي لم يزد الشباب “جيل زاد 212” إلا شعورا بالاحتقار والعدمية، ليتحول هذا الانسداد إلى رد فعل ميداني مغاير تماما ومباشر؛ إذ قررت هذه الكتلة الشبابية الصادمة رد الصاع صاعين عبر موجة الهجرة العلنية والكبيرة نحو شواطئ سبتة في ذات يوم الاحتفال بعيد العرش.

لم تكن تلك السباحة الجماعية واقتحام الحدود مجرد بحث تقليدي عن فرص عمل أو هروب عادي من الفقر، بل كانت بمثابة رسالة انتقام واحتجاج سياسي بليغ تمرَّد فيها هؤلاء الشباب بأجسادهم في البحر على ملكٍ وحكومة لم يعيرا أي أهمية لمطالبهم المشروعة في عيش كريم ومدرسة ومستشفى. لقد صاغ الشباب بصرختهم في الأمواج ردا عميقا مفاده: طالما أن الدولة فضّلت بناء الحجر والملاعب على حساب صحتنا وعقولنا وتجاهلت مطالبنا، فإننا نمنحكم ملاعبكم البراقة ونلقي بأنفسنا في البحر أمام أنظار العالم، لننسف الرواية الرسمية ونُسقط مساحيق “المغرب الآمن والمزدهرفي أكثر أيامكم احتفالا وتجملا.

تكمن القوة التحليلية في مطالب “جيل زاد 212″، في إدراكه العميق للفارق بين المشهد المؤقت والرصيد الدائم؛ فكرةُ كرة القدم والملاعب الرياضية -على جاذبيتها وشغف الجماهير بها- تظل أحداثا وقتية، عابرة ومحدودة الزمان والمكان، وتنتهي فور انطفاء الأضواء وصافرة النهاية، دون أن تغير من واقع البطالة أو الغلاء أو تدهور الخدمات شيئا. في المقابل، يُشكل الاستثمار في التعليم والصحة والعدالة المرتكز الحقيقي والوحيد الذي تُبنى عليه نهضة الأمم واستقرار المجتمعات وتنمية عقولها على المدى البعيد. إن صرخة “جيل زاد 212” جاءت لتذكر القائمين على الأمر بأن الشعوب لا تحيا بالاستعراضات والواجهات الزجاجية للملاعب، بل بتمكين الإنسان، وتوفير العيش الكريم، وبناء دولة المؤسسات التي تجعل من صحة المواطن وعقله الأساس الأول لأي مشروع تنموي حقيقي.

وتظل صرخة الشاعر المغربي الكبير عبد اللطيف اللعبي في قصيدته ماذا تبقى؟ بمثابة مرآة ممتدة عبر العقود، تشخص الواقع وتستشرف هذا الانسداد المعاش، وكأن صدى كلماته عن الوطن المسيَّج بالخوف والمجاز يُكتب اليوم مجددا بأقدام وأجساد أكثر من ستين ألف من  الشباب والقاصرين الذين يلقون بأنفسهم في أمواج البحر نحو سبتة.

إن هذا التناقض الصارخ هو المسرح السياسي والاقتصادي الذي تتدحرج فيه تجربة العيش لغالبية الرعايا المغاربة؛ إذ يعيش جل المجتمع تحت وطأة تهميش قاسي وتدنٍ حاد في أدنى مقومات الحياة الكريمة، بينما يستمر الخطاب الرسمي لسلطة “المخزن” في ضخ صورة ملمّعة عن التنمية والاستقرار، ورسم بواكر رخاء وكأن الرعية المغربي يعيش في رفاهية تضاهي أعلى المستويات المعيشية في دول شمال أوروبا.

تتجلَّى الخطورة في هذا الشرخ العميق عندما يُقابَل هذا الواقع الاجتماعي بأسئلة وجودية تفجِّرها مشاهد الهروب الجماعي؛ فهذه الحشود الغفيرة التي تقفز في الماء أو تتسلق السياج الحدودي بصدور عارية لم تخرج فارّة من نزاع مسلح أو حرب أهلية تطحن البلاد، ولم تهرب من جائحة أو مرض فتاك يهدد الأبدان، بل هي فارّة من حرب غير معلنة من التهميش، وانعدام الفرص، والانسداد النفسي والمستقبلي. هو هروبٌ من معاناة مركبة تُصادر فيها الكرامة، وتغيب فيها جودة المدرسة والمستشفى، ويُترك فيها الشباب في فراغ تنموي قاس لا يرى في عقولهم وأجسادهم سوى عبء إحصائي، لتكون النتيجة مغادرة استثنائية في طريقة تعبيرها وصدمتها.

إن ما يحدث على التخوم الشمالية هو بالضرورة استفتاءٌ بأقدام الرعايا المهمشين، إذ يضع الرواية الرسمية أمام اختبارها النهائي؛ فالمغادرة الجماعية هي الإجابة العفوية والجريئة على كل خطابات “العيش السعيد” والتطور المادي. هي إعلان صريح بأن الشعوب لا تحيا بالواجهات الزجاجية ولا بالوعود الممتدة في الزمان، بل بالعدالة والتوزيع المنصف للثروة، وأنه حين يضيق الوطن برعاياه ويُسَيّج بالخوف والازدراء، يغدو البحر –على هوله ومخاطره– أرحم في نظر شبابه من بقاءٍ محكوم بالعدم والانتظار.

إن الصمت المطبق والذي لوحظ من قبل المؤسسة الملكية والحكومة، وأجهزتهما الإعلامية والسياسية وحتى العسكرية والأمينة، تجاه مشاهد الهجرة الجماعية عند شواطئ الشمال في يوم عيد العرش ذاته، يفتح الباب أمام قراءات تحليلية وسياسية متعددة لتفسير هذا التجاهل الرسمي. يمكن تفكيك أسباب هذا الصمت وامتناع نظام “المخزن” عن الخوض المباشر في الأحداث عبر عدة زوايا إستراتيجية وإعلامية:

  1. حماية الرمزية والقدسية السياسية لليوم

يُعتبر يوم العرش المحطة الأهم في الأجندة السياسية للأنظمة الملكية؛ فهو يُصمَّم ليكون عرضا كبيرا لـ”شرعية النظام”، والتلاحم العرشي، وتكريس صورة الاستقرار والاستمرار. من وجهة نظر هندسة الاتصال السياسي في أروقة الحكم، فإن صدور أي تصريح أو بيان رسمي تعليقا على مشاهد السباحة والهروب الجماعي في هذا اليوم بالذات سيُعدُّ اعترافا رسميا بوجود الأزمة، وهو ما يُكسر الهالة الاحتفالية ويمنح الحدث الاحتجاجي شرعية سياسية وإعلامية لا يرغب النظام في تقديمها.

  1. تفادي تفكيك الرواية التنموية الموجهة للخارج

يُخاطب الخطاب الملكي في عيد العرش بيئة معقدة من المستثمرين، والشركاء الأوروبيين، والدول الكبرى، مركزا على مؤشرات النمو، والجاهزية لتنظيم الاستحقاقات الدولية، ومشاريع البنية التحتية. والتعليق الرسمي على اندفاع الشباب والقاصرين نحو البحر سيضع هذه الرواية الاقتصادية الملمّعة في مواجهة حادة مع واقع التهميش الاجتماعي، مما قد يُضعف موقف الدولة أمام شركائها الدوليين المتابعين لمفاهيم الاستقرار الاجتماعي وحقوق الإنسان.

  1. إستراتيجية”التجاهل الإيجابي” وإدارة الأزمات صامتا

يتعامل نظام “المخزن” تاريخيا مع الكثير من الأزمات الاجتماعية والاحتجاجية بأسلوب الامتصاص الصامت وتقليل الأهمية. تُفضّل أجهزة الدولة في مثل هذه الحالات عدم خوض معارك كلامية أو إعلامية قد تُزيد من اشتعال الرأي العامّ، معتمدة بدلا من ذلك على الحلول الميدانية والأمنية بعيدا عن أضواء الكاميرات، مثل الإبعاد الإداري عبر الحافلات وإعادة الانتشار الأمني، لتفريغ الحدث من شحنته السياسية دون إعطائه غطاءً من النقاش الرسمي.

  1. إلقاء الكرة في ملعب “الفعل الفردي والإشاعات”

تجنب التعليق الرسمي يُتيح للإعلام القريب من السلطة ومنابرها غير الرسمية تقديم تفسير جانبي للحدث؛ عبر اختزال الأزمة في كونها مجرد “انسياق وراء إشاعات تحريضية في شبكات التواصل الاجتماعي” أو “تصرفات فردية لقاصرين”، بدلا من التعاطي معها كأزمة هيكلية ترتبط بالتعليم والبطالة والعدالة الاجتماعية.

إن عدم تعليق المؤسسة الملكية أو الحكومة على هذه المشاهد الميدانية في يوم العرش لم يكن مجرد صدفة أو إهمال عابر، بل هو خيار اتصالي وسياسي مدروس يهدف إلى حماية الصورة الرسمية للدولة، ومنع تحول هذه المشاهد من صرخة ميدانية إلى أزمة سياسية علنية تُربك الرواية الرسمية حول التنمية والاستقرار، والذي هو في حقيقة الأمر عبارة عن تنمية واستقرار اصطناعي، وكما يقول الشاعر المغربي الكبير عبد اللطيف اللعبي والذي قضى أكثر من ثماني سنوات في سجون الملك الحسن الثاني المقبور: «أيها الوطن المسيَّج بالخوف.. متى يكبر فيك النهار؟»

هذا التناقض الحاد بين المشهدين يفضح انقساما طبقيا غير مُعلن، لكنه واقعي وملموس؛ فهناك مغرب علوي محظوظ تُصاغ له الخطابات بعناية واهتمام، ومغرب سفلي مهمَل يعيش سكانه البطالة والفقر والإقصاء، وتُقابل طموحاتهم بلا مبالاة تكاد تصل إلى حد الاحتقار، وكأنهم مجرد أعداد لا وزن لها في حسابات المخزن وخططه التنموية.

حين يقفز الشباب إلى البحر في اللحظة نفسها التي تُقام فيها الاحتفالات الرسمية، فإن ذلك يعكس هوة نفسية وسياسية عميقة بين الطرفين؛ إذ يُعبّر هؤلاء الشباب بصمتهم المؤسسي المفروض عليهم عن رفضهم لواقع لا يعترف بوجودهم، مؤكدين أن الهجرة عبر البحر أصبحت، بالنسبة لهم، السبيل الوحيد للفرار من مصير لا يراهم إلا كأجساد زائدة خارج حسابات “المغرب النافع”.

إن هذا التناقض الصارخ هو المسرح السياسي والاقتصادي الذي تتدحرج فيه تجربة العيش لغالبية الرعايا المغاربة؛ إذ يعيش جل المجتمع تحت وطأة تهميش قاسي وتدنٍ حاد في أدنى مقومات الحياة الكريمة، بينما يستمر الخطاب الرسمي لسلطة “المخزن” في ضخ صورة ملمّعة عن التنمية والاستقرار، ورسم بواكر رخاء وكأن الرعية المغربي يعيش في رفاهية تضاهي أعلى المستويات المعيشية في دول شمال أوروبا.

مشاهد الهروب الجماعي؛ فهذه الحشود الغفيرة التي تقفز في الماء أو تتسلق السياج الحدودي بصدور عارية لم تخرج فارّة من نزاع مسلح أو حرب أهلية تطحن البلاد، ولم تهرب من جائحة أو مرض فتاك يهدد الأبدان، بل هي فارّة من حرب غير معلنة من التهميش، وانعدام الفرص، والانسداد النفسي والمستقبلي. هو هروبٌ من معاناة مركبة تُصادر فيها الكرامة، وتغيب فيها جودة المدرسة والمستشفى، ويُترك فيها الشباب في فراغ تنموي قاس.

مقالات ذات صلة