الرأي

كيف تستفيد الجزائر من نُخبها؟

سيف الدين قداش
  • 860
  • 0

مع احتدام الصراع الدولي الاقتصادي والمعرفي، وقفتُ على عدة مقالات تناولت العقول الباهرة المهاجرة، التي قدّمت للدول حصاد العقول بدلا من حصاد الحقول، وصناعات استخراجية واستراتيجية للمناجم الرمادية بدلا من مناجم وحقول المواد الأولية، بينما تعتزم أوروبا استثمار خيارات واشنطن الطاردة للعلماء والمقلِّصة للنفقات، لبناء ترسانة علمية جديدة بعنوان “اختر أوروبا من أجل العلم”.

مرّ عليّ سابقا كلامٌ لوزير التجارة السابق المرحوم إسماعيل قومزيان، بعنوان “يا لها من خسارة!”، نُشر بموقع “ليبر ألجيري” في 2016، أوضح فيه أن الجزائر خسرت 500 ألف من كفاءاتها، مُرسلا صيحة تحذير حول الكُلفة الحقيقية خلال ثلاثين سنة، والتي تكبّدت الدولة في تكوينهم خسائر تُقدَّر بـ165 مليار دولار، بينما استفادت الدول المستقبِلة لهذه الكفاءات من ما يقارب 465 مليار دولار طيلة 30 سنة، كتصدير غير مرئي ونزيف إستراتيجي. هذه الأرقام التي لا تعبّر فقط عن خسائر مالية صرفة، بل تكشف عن نزيف بنيوي يعكس حالة ضُعف متراكمة -تستدعي المراجعة- في خلق بيئة حاضنة للعلم والمعرفة والإبداع، وتحويل القدرات العلمية الكامنة إلى اقتصاد ديناميكي، والمهارات إلى وقود اقتصادي منتج.

طاقات الجزائر العلمية

تمتلك الجزائر طاقات علمية هائلة موزَّعة بين الوطن والخارج، تُقدَّر بعشرات الآلاف، وقد كُشف عن جزء منها خلال لقاء رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون بعلماء الجزائر، وكذا من خلال برنامج “علّمتني الحياة” الذي يقدمه الصِّحافي يوسف زغبة، والذي استضاف فيه قبل سنتين العالِم كريم زغيب، المتخصص في الكهروكيمياء، والذي كُلّف مؤخرا بقيادة مشروع “ليثيوم الجزائر”، وقد حظي هذا التعيين باحتفاء من وزارة الطاقة، والتعليم العالي، والوزارة المنتدبة للطاقات المتجددة، ووكالة الاستثمار، عقب استقباله من طرف رئيس الجمهورية، إذ يتجلّى بوضوح أن الجزائر بلدٌ ولّاد، غير أن غيّاب استراتيجية وطنية شاملة لتحليل هذه الأصول واستثمارها يجعل هذه الثروة المعرفية كنزا معطّلا عن تحقيق النهضة الوطنية الشاملة.

من هنا، تبرز الضرورة الملحّة لإجراء تحليل معمّق ومنهجي لأصول الجزائر ورأسمالها البشري من العلماء والباحثين، سواء في الداخل أو في الخارج، مع وضع استراتيجية مُحكمة لاستقطابهم واستثمار خبراتهم، وبناء منظومة معرفية تستند إلى قاعدة بيانات دقيقة تُحصيهم، وتوثّق تخصّصاتهم، ومساراتهم، وإنتاجهم العلمي، وقابليتهم للمساهمة في مشاريع استراتيجية وطنية.

النخبة العلمية الجزائرية، المنتشرة في الجامعات العالمية والمراكز البحثية الكبرى، تمثل إحدى الفرص النادرة التي أنتجها ويمتلكها الشعب الجزائري، وتضمّ علماء في مجالات دقيقة كالهندسة، والطب، والتكنولوجيا، والطاقة، والاقتصاد، والبيو تكنولوجيا، والفضاء… وهي كفاءات قد تكون خارج نطاق الرؤية أو العمل المؤسسي، بسبب غياب قنوات رسمية واضحة تربطها بالوطن، وهو ما يستدعي مقاربة جديدة قائمة على الإدماج والتشبيك، لاسيما أن أي نهضة اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية حقيقية لا يمكن أن تتحقق من دون ركيزة معرفية علمية قوية، يكون العلماء والباحثون في صلبها، ليس فقط كخبراء بل كمشاركين في صياغة النموذج الوطني الجديد.

مرّ عليّ سابقا كلامٌ لوزير التجارة السابق المرحوم إسماعيل قومزيان، بعنوان “يا لها من خسارة!”، نُشر بموقع “ليبر ألجيري” في 2016، أوضح فيه أن الجزائر خسرت 500 ألف من كفاءاتها، مُرسلا صيحة تحذير حول الكُلفة الحقيقية خلال ثلاثين سنة، والتي تكبّدت الدولة في تكوينهم خسائر تُقدَّر بـ165 مليار دولار، بينما استفادت الدول المستقبِلة لهذه الكفاءات من ما يقارب 465 مليار دولار طيلة 30 سنة، كتصدير غير مرئي ونزيف إستراتيجي.

إن استثمار العقول الجزائرية يجب أن يكون أولوية وطنية عاجلة، لا اجتهادات استثنائية، فامتلاك الثروات الطبيعية والقدرات الديمغرافية أو الجغرافية لا يكفي لتحقيق النهضة، ما لم يترافق مع إطلاق إمكانات العقل الوطني. لا توجد دولة صعدت في التاريخ الحديث من دون رافعة العلم والعلماء، وإذا أرادت الجزائر أن تحقق تحولا استراتيجيا مستداما، فعليها أن تجعل استثمار عقولها أولوية سيادية، لا مجرد ملف تابع لقطاع التعليم العالي أو مبادرات فردية موسمية.

برنامج “آلاف المواهب”

إنّ التجربة الصينية مثالٌ صارخ على كيف يمكن لدولة أن تُحوّل العلم إلى أداة سيادية فعالة وقيادة مركزية وعسكرة للعلم والمعرفة؛ فالصين لا ترى في العلماء مجرد باحثين، بل جنودا استراتيجيين في معركة النهضة و”أدوات للسيادة الوطنية”، وعبر نموذج التخطيط المركزي الصارم، والسياسات الخمسية الموجَّهة، تمكنت بكين من دمج الكفاءات العلمية في قلب مشاريعها الكبرى التي تُدار من أعلى هرم السلطة، من الحزب الشيوعي واللجنة الوطنية للإصلاح والتنمية، وتُموّل الجامعات النخبوية ومراكز البحث الصيني بشكل معتبر.

وفي قلب هذا النموذج يقف برنامج “آلاف المواهب” الذي استقطب آلاف العلماء الصينيين من المهجر، وخاصة من الولايات المتحدة، عبر بيئة محفزة، ومكانة رمزية واعتراف وطني بدورهم المركزي، فالصين لم تكتفِ بتمويل الأبحاث، بل وجهتها نحو قطاعات محددة من خلال ما يُعرف بـ”المشاريع الوطنية الكبرى” التي تدار من المركز، ويُكلَّف بها علماء بعينهم عبر برامج حكومية خاصة، مثل الذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات (الرقائق)، والطاقة النووية، والفضاء، وتستثمر هذه الكفاءات ضمن منظومة وطنية شاملة تشمل مراكز أبحاث متخصصة، وجامعات النخبة (مثل تسينغهوا وبيكين)، وشركات تكنولوجية مملوكة للدولة، وذلك في إطار خطة مركزية تُحدَّث كل خمس سنوات، كما تدار بعض المشاريع البحثية من قبل الجيش أو الأجهزة السيادية، في نموذج يُعرف بالاندماج المدني- العسكري، مثل الفضاء العسكري أو الحوسبة الكمومية.

النخبة العلمية الجزائرية، المنتشرة في الجامعات العالمية والمراكز البحثية الكبرى، تمثل إحدى الفرص النادرة التي أنتجها ويمتلكها الشعب الجزائري، وتضمّ علماء في مجالات دقيقة كالهندسة، والطب، والتكنولوجيا، والطاقة، والاقتصاد، والبيو تكنولوجيا، والفضاء… وهي كفاءات قد تكون خارج نطاق الرؤية أو العمل المؤسسي، بسبب غياب قنوات رسمية واضحة تربطها بالوطن.

هذا التوجه الاستراتيجي عكس قناعة مركزية بأن المعركة اليوم هي معركة عقول، وأن الأمن القومي لا ينفصل عن السيادة المعرفية.

البحث العلمي قطاعٌ استراتيجي

كما أن تجربة كوريا الجنوبية لا تقلّ إلهاما؛ فبعد الحرب الكورية (1950- 1953)، وجدت كوريا الجنوبية نفسها أمام تحدي البقاء، لكنها راهنت على دمج البحث العلمي بالصناعة، ووجّهت مواردها نحو التعليم والهندسة والتكنولوجيا والميكانيك، فكانت النتيجة ولادة شركات عملاقة مثل سامسونغ وهيونداي، وانضمام البلاد إلى نادي الدول المتقدمة. لم يكن النجاح الكوري مصادفة، بل نتيجة سياسة منهجية تعتمد على خطط خمسية، وخلق روابط مباشرة بين الجامعات والشركات، ومنح الطلبة المتفوّقين مسارات نُخبوية، وتخصيص ميزانيات للبحث تجاوزت 4% من الناتج المحلي الإجمالي.

وهناك النموذجُ الأمريكي الذي يستحقُّ الملاحظة وإن كان ليبراليًّا أو اتخذ سياسات تقليص النفقات في عهدة ترامب الثانية حاليا، إلا أن جوهره المصمَّم منذ عقود يُعامل العلماء باعتبارهم شركاء في الأمن القومي، من خلال مؤسسات مثل DARPA وNASA وبرنامج SBIR، إذ يجري استقطاب العلماء لأداء مهام سيادية من دون توجيه مباشر، ولكن في إطار سوقي مرن يُحفّز على الابتكار، كما أن الولايات المتحدة تستثمر بقوة في الجامعات النخبوية، وتوفر لها تمويلا ضخما، واستقلالا إداريا، مما مكّنها من جذب أفضل العقول من الداخل والخارج، وتحويل المعرفة إلى ثروة وقوة.

السيادة العلمية ضرورة إستراتيجية

بالمقابل، تظل الجزائر، رغم قدراتها البشرية والعلمية، بعيدة عن هذا المسار، إذ أنّ ميزانية البحث العلمي فيها لا تتجاوز 0.5% من الناتج الاجمالي، كما تعمل المراكز البحثية في عزلة أو بشكل مفكَّك ومن دون نتائج واضحة أو إنتاج علمي فعال أو مسبوق، والجامعات تُخرّج آلاف الطلبة من دون رؤية إستراتيجية تربطهم بسوق العمل أو باحتياجات الدولة، إذ يتخرج الآلاف سنويا من كليات الميكانيك والإلكترونيك وغيرهما، من دون وجود قطاع صناعي ميكانيكي أو إلكتروني معتبر، يستوعب هذه الكتل المتعلمة أو يدرِّبها أو يدمجها في دورة الاقتصاد الوطني، وهو ما يستلزم جلب استثمارات كبرى.

تظل الجزائر، رغم قدراتها البشرية والعلمية، بعيدة عن هذا المسار، إذ أنّ ميزانية البحث العلمي فيها لا تتجاوز 0.5% من الناتج الاجمالي، كما تعمل المراكز البحثية في عزلة أو بشكل مفكَّك ومن دون نتائج واضحة أو إنتاج علمي فعال أو مسبوق، والجامعات تُخرّج آلاف الطلبة من دون رؤية إستراتيجية تربطهم بسوق العمل أو باحتياجات الدولة.

والأخطر من ذلك هو النزيف المستمر للكفاءات الجاهزة؛ فآلاف الأطباء والمهندسين والباحثين يغادرون سنويا إلى أوروبا وكندا ودول الخليج وغيرها من البلدان التي تُقدِّر عقولهم وتُوظف إمكاناتهم، بينما في الجزائر، يواجهون ضعف الأجور، وغياب الاعتراف، والبيروقراطية الأكاديمية لإنتاج المشاريع العلمية، وعدم وجود بيئة اقتصادية وبحثية تحتضن قدراتهم وتوجهها إلى أهداف إستراتيجية اقتصادية ومجتمعية للنهوض بالجزائر، وهذا ما يستدعي تحركا وطنيا شاملا يقوم على مبادئ وإستراتيجيات واضحة على رأسها:

1- اعتبار العالِم أداة للسيادة: كما تفعل الصين، إذ يجب أن تُعامل الكفاءات العلمية بوصفها ذخيرة إستراتيجية، فكل باحث هو مشروع نهضة، وكل اكتشاف علمي هو لبنة في أمن الجزائر القومي.

2- إعادة هيكلة منظومة البحث العلمي: عبر مراجعة وتدقيق فعلي لأداء المراكز البحثية، وإنشاء شراكات فعالة وفاعلة مع المؤسسات الاقتصادية، واعتماد مؤشرات تقييم صارمة قائمة على النتائج والأثر الاقتصادي.

3- رفع ميزانية البحث: لتصل إلى ضعفين أو ثلاثة على الأقل خلال ثلاث سنوات، على أن توزَّع على مشاريع إستراتيجية محدَّدة في قطاعات ذات أولوية وطنية تتعلق بالأمن القومي والاقتصادي مثل الزراعة الذكية، والطاقة المتجددة، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والصناعات الدوائية، وتطوير الصناعات الاستراتيجية.

4- إنشاء بنوك للكفاءات العلمية: لتكون قاعدة بيانات وطنية موحّدة للعلماء والباحثين في الداخل والمهجر، تكون متاحة للجامعات والمؤسسات الكبرى، وتُحدَّث بانتظام، وتُستخدم لتوجيه الدعوات والمشاريع والشراكات.

5- استحداث آلية وطنية لاستقطاب الكفاءات العلمية الجزائرية في الخارج، تدار باحترافية، وتقدِّم حوافز عملية ومالية، وفرص قيادة مشاريع، وتوفر لأفرادها حماية مهنية وقانونية، وتضمن انخراطهم في القرار العلمي الوطني.

6- تبنِّي نموذج اللولب الثلاثي للابتكار وتفعيلها كمشروع حيّ ومستدام: من خلال ربط حقيقي وملموس للجامعات بالصناعة والحكومة، وتحويل الجامعات إلى فواعل اقتصادية، بما يتيح لهم الاستفادة من تمويل الشركات، وتطوير حلول تطبيقية، والاندماج في السوق، وهو النموذج الذي أثبت فعاليته في بيئات مختلفة، فهو لا يقصي أحدا، بل ينتج تفاعلات ديناميكية تعزِّز الابتكار، وتخلق منظومات اقتصادية معرفية.

7- تحفيز العودة الطوعية للكفاءات: وضع مشروع للتركيز على المشاريع الاستراتيجية في المجالات الاستراتيجية لتنميتها، كما فعلت تركيا عبر برنامج “Turkey 2023″، بتوفير شروط إنتاج علمي مريحة، وفرص تمويل، ومناصب تأثير، وليس عبر الإغراءات المالية فقط.

8- توجيه البحث نحو الأولويات الوطنية: وقف كل بحوث الترف والتربصات الجامعية غير المنتجة في الخارج، في مجالات البحث النظري المعزول عن حاجات الدولة والمجتمع، مع تحديد مشاريع إستراتيجية وطنية كبرى في المجالات الجوهرية التي تُخرج البلاد من ربقة الدولة المصدِّرة للخامات والمواد الأولية إلى دولة مستغلة لها داخليا في المجالات الصناعية والتكنولوجية، والزراعات الذكية والمتقدِّمة، وبناء اقتصاد تكنولوجي معرفي تنافسي، ويُجنَّد العلماء له المشاريع، وتُتابَع بتقارير دورية، وتُموَّل بسخاء، وتُدار بمقاربات احترافية.

9- إدماج البحث العلمي في السياسات العمومية: من خلال اختيار أفضل الخبراء والباحثين وإشراكهم في تصميم السياسات التي تتعلق بميدانهم وصياغتها، خاصة في مجالات الاقتصاد، والصحة، والطاقة، والأمن الغذائي، والتحوُّل الرقمي.

إنّ جزائر اليوم تقف أمام تحديات كبرى، فإما أن تواصل الدوران في حلقة التسيير الإداري للتعليم والبحث العلمي من دون قِوى تُدقِّق وتختبر الجودة وتُقيم مستوى الأداء، أو تقفز نحو اعتبار العقل الجزائري ثروة سيادية، بحكم أن الاستثمار في الذكاء الوطني ليس ترفا بل ضرورة بقاء، فالسيادة لا تُحمى فقط بالسلاح، بل بالعلم، والجزائر بتاريخها وإمكاناتها، قادرة على التحوّل إلى قوة معرفية إقليمية، فقط إذا وضعت عقولها في صدارة الأولويات، وأي نهضة اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية حقيقية لا يمكن أن تتحقق من دون ركيزة معرفية علمية قوية، يكون العلماء والباحثون في صلبها، فامتلاك الثروات الطبيعية والقدرات الديمغرافية والجغرافية لا يكفي لتحقيق النهضة، ما لم يترافق مع إطلاق إمكانات العقل الوطني وتوظيف السيادة المعرفية لتحقيق نهضة شاملة وحقيقة، ولا توجد دولة صعدت في التاريخ الحديث من دون رافعة العلم والعلماء.

مقالات ذات صلة