-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
33

كيف تم إفشال مخطط القذافي لتدمير النفط الجزائري؟

عمر أزراج
  • 9078
  • 0
كيف تم إفشال مخطط القذافي لتدمير النفط الجزائري؟

في الفترة الممتدة من 1990 إلى 1997 حدثت عدة منعرجات في حياتي الشخصية والثقافية والإعلامية والسياسية. في هذه الفترة كنت بجريدة العرب الدولية مسؤولا على الصفحة السياسية التي كانت العمود الفقري في الجريدة وكانت مسرحا للدراسات والمقالات الفكرية والسياسية التي تناقش القضايا العربية والدولية.

كانت هذه المسؤولية ثقيلة وتطلبت مني المراجعات فضلا عن كتابة زاويتي اليومية التي دامت 22 سنة بالكامل وبدون توقف. فضلا عن هذا كنت قد سجلت بجامعة شرق لندن في قسم اللغة الإنجليزية لتحضير دبلوم الدراسات العليا في نظرية الثقافة ومن بعد شهادة الماجستير في التخصص نفسه. هكذا وجدت نفسي أتأرجح بين هموم المهنة الإعلامية والانشغال بالقضايا العربية وفي مقدمتها الصراع على السلطة في الجزائر وبين الانغماس في البحث الأكاديمي الشاق والممتع في نفس الوقت.

عندما شرعت في الدراسة باللغة الإنجليزية في هذا الحقل النظري المعقد وجدت نفسي الطالب الوحيد من العالم العربي الإسلامي حيث كان معظمهم من الأصول الإنجليزية والأسكوتلندية والايرلندية إلى جانب عدد قليل من ذوي الأصول الكاريبية وكلهم كانوا في حل من مشكلة اللغة الإنجليزية. كانت الدراسات الثقافية شعبة جديدة في بريطانيا وفي العالم الغربي بكامله، وقد أسست من أجل كسر تقاليد الدراسات الثقافية التقليدية ذات المضمون اليميني، ومن أجل بناء نظريات متفتحة على ما يسمى بالثقافات الهامشية أو المهمشة وبغية رؤية الثقافة من خلال التاريخ. كان البرنامج الدراسي مكثفا ومركزا على عدد من الفلاسفة والمفكرين الحداثيين وما بعد الحداثيين أمثال رايموند وليامز ومشال فوكو وجوليا كريستيفا ولويس ألتوسير وجون بول سارتر وهيجل، وجاك دريدا وجان فرانسوا ليوطار، وأنطنيو غرامشي وإدوارد سعيد الذي تعرفت عليه فيما بعد عن قرب، وجان بودريار وغيرهم من الفلاسفة والمفكرين الذين لعبوا دورا مفصليا في تأسيس البناء النظري الثقافي على القاعدة التاريخية في إطار منظور يساري ديمقراطي متفتح على المضامين الثقافية لمختلف المدارات الحضارية والعرقية والإثنية.

أذكر أن أول درس كان حول مفهوم الهيمنة عند أنطونيو غرامشي التي تعني السيطرة الرمزية عن طريق الرضا وليس التعسف المادي. كانت نظرية الهيمنة في صلب الاستراتيجيات الإيديولوجية في داخل العمق السياسي للمجتمعات الغربية وتتفرع هذه النظرية إلى ما يسميه غرامشي بحرب المواقع وحرب المناورة الثقافيتين الإيديولوجيتين. كما تضمنت نظرية الهيمنة تحليلا لكيفية استخدام البعد  الجغرافي لتشكيل الهويات والأمر الذي سبق إليه ابن خلدون في مقدمته الشهيرة

أذكر أنني في ذلك اليوم لم أفهم معظم المصطلحات والمفاهيم الفكرية الفلسفية التي كان يستعملها في قاعة الدرس الأساتذة الأربعة المشرفون علينا كل في حقل تخصصه (فلسفة التاريخ، التحليل النفسي للثقافة، نظرية الحداثة وما بعد الحداثة والخطاب النسوي)، وكذلك الطلبة الإنجليز الذين كانوا في صفي الدراسي. عدت إلى المنزل قلقا من الأمية الاصطلاحية التي أصابت تكويني وهكذا لم أنم الليل كله وفي الغد توجهت إلى المكتبات واشتريت المعاجم والكتب الضرورية لاجتياز النفق المظلم الذي وجدت نفسي فيه ومن ذلك صرت أشتغل ليل نهار للقضاء على البقع الجاهلة في تضاريس عقلي. كان التحدي كبيرا جدا لأن السنة الأولى من الدراسة اختبارية حيث أن الطلاب الذين لا يجتازونها يطلب منهم أن يغادروا مقاعد الدراسة.

في آخر السنة نجحت ضمن ستة طلاب وطالبات آخرين وفشل أربعة عشر طالبا وطالبة، وانتقلت بذلك إلى مرحلة الماجستير التي كلفتني ثلاث سنوات من الكد والمثابرة والتحدي الذي يتميز به الإنسان الجزائري، وفي عام 1994 تخرجت في جامعة شرق لندن” وبذلك قضيت على جحيم الأمية التي كانت تختبئ في مسامي. في هذه المرحلة كان الحصار مضروبا على العراق ومن ثَم على ليبيا، وكانت الجزائر غارقة في الاقتتال الداخلي. كما بدأت أفهم أن الصراع في الجزائر ينبغي أن يتوقف لكي يرفع الوطن هامته ويجتاز المحنة. كانت صلتي بالسياسيين الجزائريين قليلة جدا باستثناء علاقتي بالصديق حمراوي حبيب شوقي حينما كان وزيرا للثقافة والإعلام. في الحقيقة كان الأخ حمراوي المبادر بالاتصال بي، وقدرت ذلك فيه، وخاصة أن الجزائريين يتصلون فقط بأصحاب النفوذ والمناصب، وهو قد شذّ عن القاعدة السيئة. في أحد الأيام كنت بمكتبي بجريدة العرب أحرر الصفحة التي كنت أشرف عليها، فإذا بصاحبها السيد أحمد الصالحين الحاج الهوني يناديني إلى مكتبه ليقول لي سرا على انفراد. يتعلق السر بالتخطيط السري الذي قام به زعيم ليبيا معمر القذافي لتفجير آبار وأنابيب البترول على الحدود الليبية الجزائرية. أفهمني السيد الهوني أن القيادة الليبية إذ ذاك كانت تعتبر الشريط الحدودي حيث يوجد النفط ملكا لها، وأن الجزائر قد استولت عليه، وفي الواقع فإن اتهام الجزائر بهذا الخصوص ليس مقتصرا على القيادة الليبية فقط بل فإن الأدباء الليبيين وجهوا لي التهمة نفسها ويروجون لها.

طلب مني السيد الهوني أن لا أفشي معلومته التي استقاها من مصادره الخاصة به كوزير سابق وكصاحب علاقات مع صناع القرار ونفوذ إعلامي دولي، وأن أُعلم جهات مسؤولة في الجزائر لكي تجهض مخطط القذافي. كنت أعلم أن السيد الهوني كان وزيرا للثقافة ثم للعدل في ليبيا في عهد الملك السنوسي الجزائري الأصل المنحدر من مستغانم، وأن القذافي قد أدخله السجن بعد أن أطاح بالمملكة السنوسية، وأنه كان صديقا للرئيس بومدين الذي ساعده في الإفراج عنه بضمانات أن لا يعود إلى العمل السياسي ضمن المعارضة.

وجدت نفسي في وضع حرج، وهو أنني لا أريد أن أقيم أي صلة مع النظام الجزائري، وفي نفس الوقت كنت لا أريد أن تؤذى الجزائر، وأخيرا قررت أن أقف إلى جانب وطني. أخبرت الوزير حمراوي بأن السيد الهوني يريد أن يبلغه المعلومة في وقت قصير جدا وبتلقائيته دعانا إلى الجزائر في زيارة رسمية وهذا ما حدث فعلا. وصلنا إلى الجزائر واستقبلنا تباعا السيد حمراوي والسيد عبد القادر بن الصالح رئيس المجلس الشعبي الوطني إذ ذاك، وفي اليوم التالي استقبل رئيس الوزراء أحمد أويحيى السيد الهوني ومن بعد استقبل من طرف جهات أخرى وبلّغهم بمخطط القذافي، وبالفعل فقد تأكدوا من صحة تلك المعلومة والمخطط الجهنمي الذي أجهض قبل أن ينفذ. كان حضورنا في الجزائر متزامنا مع الانتخابات البلدية على المستوى الوطني. في هذه المناسبة اقترح علي الوزير حمراوي أن نؤسس جريدة دولية في بريطانيا لتعرف بالجزائر في المحافل العالمية. قد كانت الفكرة مهمة للغاية، خاصة أن النظام السعودي في ذلك الوقت كان يشن حملات تشوه الجزائر إلى جانب عدد من البلدان العربية التي كانت تنهش لحم أرض المليون ونصف المليون شهيد، ومع الأسف فقد كان عدد من الصحفيين الجزائريين العاملين في تلفزيون “أم بي سي” أبواقا ضد وطنهم بغض النظر عن النظام الحاكم فيه.

في ذلك الوقت بالذات دعت جريدة “صوت الكويت” الكويتية الغرب إلى توجيه ضربة إلى المفاعلات النووية الجزائرية، وكان رئيس تحريرها الأردني ناصر المجالي واحدا من الشخصيات الإعلامية المعروفة في الوسط العربي ببريطانيا. على أية حال فإن السيد حمراوي قد نحي من منصبه وتبخر المشروع الإعلامي ببريطانيا الذي كان يريد أن يكون فضاءً للجزائر من جهة، وأن يكون الوسيلة الدفاعية ضد الحرب الإعلامية الشرسة التي كان يقودها الإعلام العربي بالتزامن مع الحملات الإعلامية الغربية. لا شك أن اندثار ذلك المشروع يدخل في إطار غياب استراتيجية إعلامية جزائرية على المستوى الدولي في الماضي وفي الحاضر، الأمر الذي أدى وما زال يؤدي إلى تغييب وطمس كل ما يتصل بالجزائر من ثقافة وفنون وتنمية وتاريخ وجهاد حيث لا يعرف الناس في أقطار العالم أي شيء عنها.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!