كيف تُحوِّل الولايات المتحدة وإسرائيل علم الآخرة إلى سلاح حربي
أولاً: تأطير الحرب بوصفها فريضةً إلهية
حين تُفسَّر الحروب الجيوسياسية بوصفها استكمالاً للنبوءة المقدسة، تُفسح الاستراتيجيةُ المجالَ للاهوت، وتغدو الدبلوماسية ضرباً من المستحيل.
إن المواجهة الجارية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وجمهورية إيران الإسلامية وحلفائها الإقليميين من جهة أخرى، تنبثق في جوهرها من حقائق جيوسياسية راسخة: الهواجس الأمنية الإقليمية، والردع النووي، والتحالفات الاستراتيجية، وموازين القوى في الشرق الأوسط. غير أنه إلى جانب هذه الدوافع الاستراتيجية، يشقّ إطارٌ تأويلي طريقَه بقوة عبر قطاعات واسعة من الخطاب السياسي، والبلاغة العسكرية، وأنظمة الإعلام الإنجيلي: إذ بات الصراع، في أجزاء كبيرة من الخطابَين السياسي والديني الغربيَّين، يُؤطَّر لا باعتباره نزاعاً جيوسياسياً فحسب، بل بوصفه جزءاً من شيء أعتق وأشد خطراً بكثير؛ مواجهةً حضارية ولاهوتية في الوقت ذاته، وتحقيقاً للنبوءة التوراتية.
تدرس هذه الورقة ما يمكن وصفه بـ”التأطير الجيولاهوتي”، أي إعادة تفسير الصراع الجيوسياسي عبر سرديات لاهوتية ورموز نبوية وتاريخ مقدس. وانطلاقاً من تصريحات موثقة لقادة سياسيين، وشكاوى داخلية صادرة عن منتسبي المؤسسة العسكرية، والرمزية التوراتية المستحضرة في بلاغة زمن الحرب، وتحليلات أكاديمية للصهيونية المسيحية، تستكشف الورقة كيف يمكن للصراع السياسي المعاصر أن ينغرس في سرديات آخر الزمان المتعلقة بمصير الأمم والعالم بأسره.
والحاصل ليس بالضرورة خلقَ حرب دينية خالصة، بل تحويلَ الصراع الجيوسياسي إلى ما يُدرَك، في نظر بعض الأطراف الفاعلة، بوصفه جزءاً من مسيرة تاريخية إلهية.
ثانياً: الاستراتيجية والسردية
نادراً ما تُفهم الحروب الحديثة من خلال الاستراتيجية العسكرية وحدها؛ فهي تُؤوَّل أيضاً من خلال سرديات تمنحها معنىً ومغزى. وفي حالة المواجهة الجارية مع إيران، تتقاطع هذه السرديات بصورة متصاعدة مع اللغة الدينية، والرمزية النبوية، والتنبؤ بلحظة القيامة.
وفهم هذه السرديات لا يستلزم تصديقها بوصفها حقيقة حرفية. غير أن إغفال تأثيرها يعني إهمال بُعد بالغ الأهمية في طريقة تأويل الصراعات وتسويغها في الخطاب العام.
لطالما درس العلماء كيف تُشكِّل الأفكار الدينية السرديات السياسية: يلاحظ المؤرخ بول بوير أن “الإيمان النبوي بلحظة القيامة شكَّل الخيالَ السياسي الأمريكي تشكيلاً عميقاً، ولا سيما في ما يتصل بالشرق الأوسط”؛ وتكتب العالمة السياسية إليزابيث شاكمان هيرد أن “الدين ليس مجرد نظام اعتقاد خاص، بل إنه يُشكّل فاعلياً طريقة تأويل الصراعات الدولية وتعبئتها سياسياً”؛ ويرى اللاهوتي ويليام ت. كافانو أن “السرديات الدينية نادراً ما تحلّ محل المصالح السياسية، بل كثيراً ما تتشابك معها”.
والتاريخ يزخر بأمثلة على صراعات أُوِّلت من خلال سرديات مقدسة. فقد زحف الصليبيون نحو بلاد الشام مؤمنين بأنهم يشاركون في نضال مُقدَّر إلهياً. وكثيراً ما حملت التوسعات الاستعمارية الأوروبية لغة الرسالة الدينية. بل إن الحرب الباردة ذاتها قدّمها بعض القادة باعتبارها صراعاً بين الخير المطلق والشر المطلق.
وتبقى الحملة الصليبية الأولى الأكثر تعليمية وتوثيقاً من بين هذه السوابق. فحين خاطب البابا أوربان الثاني مجمعَ كليرمون في نوفمبر 1095، لم يُطلق حرباً لاستيلاء إقليمي، بل حرب فداء نبوية: تحرير القدس بوصفها فعل خلاص جماعي. وتُسجّل الحوليات المعاصرة، ومنها “أعمال الفرنجة” المجهولة المؤلف، أن آلاف المقاتلين حملوا الصليب لا طمعاً في مكاسب استراتيجية، بل إيماناً صادقاً بأنهم يُشاركون في تحقيق النبوءة. والحاصل كان مذبحة القدس في يوليو 1099، فعلٌ وصفه مرتكبوه بالفخر والاعتزاز، كاشفاً عن المدى الذي يبلغه المرء حين يتيقن من الولاية الإلهية. هذه أقدم وأوضح سابقة غربية لما تسميه هذه الورقة “التأطير الجيولاهوتي”، وقد انتهت بالدم.
والجدير بالذكر أن إطار صمويل هانتنغتون المؤثر في “صراع الحضارات” يصف الصراع بين تكتلات حضارية كبرى. أما ما ترصده الورقة الراهنة فأبعد من ذلك: إنه التوظيف الفاعل والمتعمد مدبروللسردية الإسكاتولوجية من قِبَل أطراف سياسية بعينها لتسويغ العمل العسكري؛ وهو مسار لم يستشرفه التحليل البنيوي لهانتنغتون ولا يستطيع تفسيره.
وتكشف هذه السوابق عن نمط متكرر: حين تنغرس الصراعات السياسية في السرديات المقدسة، تغدو التسوية أعسر والتصعيد أرجح.
والمواجهة مع إيران تكشف عن شيء أعمق في طريقة تأويل الصراعات الحديثة. فعلى المستوى الاستراتيجي، تسعى الدول إلى غايات مألوفة: الأمن والردع والنفوذ. بيد أن الحروب تُخاض أيضاً في ميدان المعنى. وحين يستدعي الخطاب السياسي النبوءة وتتردد في البلاغة العسكرية أصداء علم الآخرة، يمكن للصراع الجيوسياسي أن يُعاد تأطيره بوصفه صراعاً كونياً. والتاريخ يدل على أن مثل هذه التحولات خطرة.
ثالثاً: شواهد من داخل المؤسسة الأمريكية
في وقت مبكر من عام 2014، أشرنا في كتاب إلى أن “مهما كانت مدبرو هجمات الحادي عشر من سبتمبر الحقيقية ودوافعهم الفعلية، فقد أتاحت الفرصة المثلى للولايات المتحدة وحلفائها لتنفيذ استراتيجية الهيمنة في العالم الإسلامي. فهذا الأخير، رغم ضعفه الراهن، يُعدّ خصماً محتملاً ينبغي تقسيمه وإضعافه باستمرار مع استغلال موارده الطبيعية الهائلة، ولا سيما الطاقوية منها”، وأنه “منذ الغزو الأفغاني عام 2001 والعراقي عام 2003، يبدو أن سايكس-بيكو جديداً يتشكّل في المنطقة.
غير أنه خلافاً للاتفاقيات الفرنسية-البريطانية لعام 1916 الهادفة إلى تيسير إنشاء دولة أو كونفدرالية عربية، يرمي المسار الجاري إلى تفتيت الدول القائمة.
وتتيح إستراتيجية التفكيك الشامل هته للولايات المتحدة تحقيق هدف ثلاثي: ضمان صون مصالحها الاستراتيجية في المنطقة، وتعزيز موقع حليفتها الإسرائيلية وضمان بقائها دولة يهودية، وتوجيه جُلّ جهودها ومواردها نحو أهم مناطق العالم: المحيط الهادئ”.
وكما أوضح ستيفن غرين، نجح فريق صغير من المحافظين الجدد، كثيرون منهم مسؤولون كبار في وزارة الدفاع ومجلس الأمن القومي ومكتب نائب الرئيس، في إفراغ السياسة الأمريكية التقليدية في الشؤون الخارجية والأمنية من مضمونها منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر.
وبعد مراجعة الخلفيات الأمنية الداخلية لبعض أبرزهم، خلص إلى أنهم كانوا يسعون إلى أجندتين متوازيتين في الوقت الذي يدّعون فيه العمل لصون الأمن الداخلي للولايات المتحدة في مواجهة “أعدائها الإرهابيين.”
وقد خلص بيل كريستيسون وكاثلين كريستيسون إلى الاستنتاج ذاته، مؤكدَين أنه منذ الحقبة المنسية التي كانت فيها سياسة وزارة الخارجية تجاه الشرق الأوسط بيد مجموعة من “العروبيين”، باتت السياسة الأمريكية إزاء إسرائيل والعالم العربي “حكراً متصاعداً على مسؤولين معروفين بانحيازهم لإسرائيل”.
هؤلاء الأشخاص “الذين يمكن وصفهم بأصحاب الولاءات المزدوجة لإسرائيل، باتوا متموضعين في كل مستويات الحكومة، من ضباط المكاتب في وزارة الدفاع إلى مستوى نائب الوزير في كل من وزارتَي الخارجية والدفاع، فضلاً عن أعضاء هيئة مجلس الأمن القومي ومكتب نائب الرئيس”.
والجدير بالاهتمام أن المسيحيون رأيا أن أصحاب الولاءات المزدوجة في إدارة بوش “أسهموا في تغذية نمو تيار مسيحاني من الأصولية المسيحية المتحالفة مع إسرائيل استعداداً لما يُسمّى آخر الأيام”.
ومضيا يقولان إن هؤلاء الأصوليين المتطرفين يرون في هيمنة إسرائيل على كامل فلسطين “خطوة لازمة نحو تحقيق الألفية التوراتية، ويعتبرون أي تنازل إسرائيلي عن أرض في فلسطين إثماً مقدساً، وينظرون إلى الحروب بين اليهود والعرب باعتبارها مقدمة إلهية مُقدَّرة لمعركة هرمجدون”، وهو ما يُفضي إلى شبح حرب مسيحية-إسلامية مروّعة .
وقد تأكدت هذه النتائج باستقلالية على المستوى الأكاديمي من خلال الدراسة الرائدة لجون ميرشايمر وستيفن والتحول “اللوبي الإسرائيلي”، التي وثّقت كيف شكّلت شبكة من المنظمات والأفراد السياسةَ الأمريكية تجاه الشرق الأوسط بما يخدم المصالح الاستراتيجية الإسرائيلية، كثيراً على حساب المصالح الأمريكية الأشمل.
ويُرسّخ السرد التاريخي لرشيد خالدي حول القضية الفلسطينية هذا التوافق في إطار بنية استيطانية استعمارية ممتدة عبر قرن كامل ودعمتها قوى غربية متعاقبة، مما يرسم القوس التاريخي البعيد الذي يعمل في سياقه الإطار العسكري-اللاهوتي الراهن.
وليست المقاومة المؤسسية لهذا الإطار دون سابقة: ففي عام 2013، أعلن الجنرال مارتن ديمبسي، رئيس هيئة الأركان المشتركة آنذاك، صراحةً أنه لا يرغب في أن يكون “شريكاً” في ضربة عسكرية ضد إيران يرى أنها غير مبررة استراتيجياً؛ وهو موقف يكاد يكون غائباً تماماً عن القيادتَين العسكرية والسياسية الراهنتَين.
وفي وقت أحدث، جلس مايك هاكابي، سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل المُعيَّن من قِبَل دونالد ترامب، مع الصحفي تاكر كارلسون ليُسأل عن المقطع التوراتي الذي يَعِد فيه الله ذرية إبراهيم بالأرض “من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات.” فلم يُنكر هاكابي ذلك، ولم يتحفّظ. أجاب ببرود مُقلق: “سيكون رائعاً لو أخذوا الجميع”.
حتى الآن، آثرت إدارة ترامب الصمت المطبق إزاء هذه التصريحات الفاضحة والخطيرة. لا تفسير، ولا إدانة، ولا عقوبات على القسيس الإنجيلي السابق المتحوّل إلى “دبلوماسي حارق” وكذّاب مَرَضي؛ إذ إنه حرّف كلام الكتاب المقدس عن سابق علم لخدمة الدعاية الصهيونية الإبادية. فالكتاب المقدس لا يتحدث عن “إسرائيل” كما نعرفها اليوم، وأحرى بذلك أن يتحدث عن الحكومة الصهيونية المتطرفة الإبادية الراهنة. ما يقوله الكتاب المقدس بدقة في التكوين 15:18 هو: “في ذلك اليوم قطع الرب مع أبرام عهداً قائلاً: لذريتك أعطي هذه الأرض، من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات.
وأيضاً، إثر الإعلان عن الضربات الأمريكية ضد إيران مطلع عام 2026، أفادت مؤسسة الحرية الدينية العسكرية (MRFF) بتلقّيها أكثر من مائتي شكوى من منتسبي قوات مسلحة أمريكية من مختلف الأفرع؛ إذ انبثقت هذه الشكاوى من عناصر في مشاة البحرية والقوات الجوية والبحرية وقوة الفضاء، موزَّعين على عشرات المنشآت العسكرية.
وأشارت بعض التقارير إلى أن إحاطات جاهزية القتال تضمنت قيام قادة بتأطير العمليات الجارية بلغة دينية صريحة، بما فيها إشارات إلى “مشيئةالإلهية” ومقاطع من سفر الرؤيا تصف هرمجدون.
والأهم أن المخاوف لم يُعرب عنها المنتسبون المسلمون فحسب، بل أيضاً عناصر مسيحية ويهودية أكدت أن البلاغة الدينية الصريحة في الإحاطات العملياتية تُهدد الحياد العسكري والتماسك المؤسسي.
وبينما تظل هذه الادعاءات موضع جدل، فإنها تجسّد الحساسية البالغة المحيطة بتقاطع الدين مع هياكل القيادة العسكرية.
وتعليقاً على هذه الشكاوى، كتب القس برايان بيرغوف على صفحته في الفايسبوك : “حين يُحوَّل الإيمان إلى سلاح للحرب، ندرك أننا قد خرجنا عن السكة بعيداً عن يسوع… حين يختطف المتطرفون أمثال بيت هيغسيث هذه التعاليم لتسويغ العنف، فهم يُمثّلون النسخة المسيحية لمن قادوا الطائرات التي اصطدمت بمركز التجارة العالمي… الولايات المتحدة وإسرائيل تهاجمان إيران في شهر رمضان المبارك.
وهذا ليس مصادفة. لطالما صوّر المسيحيون الإنجيليون المسلمين المسالمين على أنهم تهديد يجب التصدي له. غير أن هذه المسيحية-الفاشية العنيفة الكارهة للآخر هي التهديد الحقيقي لمستقبل البشرية جمعاء.
ينبغي لكل القساوسة المسيحيين وزعماء الأديان ذوي الإرادة الطيبة أن يُدينوا هذه الحرب وأيديولوجيتها. تتوهم هذه الإدارة أنها تُعجّل بعودة يسوع. إنها لا تفعل ذلك. ردّ فعل يسوع الوحيد تجاه كل هذا هو البكاء”.
رابعاً: الرمزية التوراتية في الخطاب السياسي الإسرائيلي
تصاعد توظيف الرمزية الدينية في الخطاب السياسي الإسرائيلي تصاعداً لافتاً. فرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو استحضر ذاكرة عماليق التوراتية في وصف التهديدات الوجودية التي تواجهها إسرائيل.
والمرجع مستقى من السفر الأول لصمويل، حيث يُصوَّر عماليق عدواً لإسرائيل القديمة. وفي التراث التاريخي اليهودي، غدا العماليق لاحقاً نموذجاً رمزياً يُجسّد الساعين إلى هلاك الشعب اليهودي.
يضاف إلى ما لاحظه القس بيرغوف بصواب أن كثيراً من الإسرائيليين يستحضرون صلة وثيقة بين الحرب الجارية على إيران وقصة “بوريم” التقليدية التي تحكي كيف “نجا” اليهود المقيمون في الإمبراطورية الفارسية قبل نحو ألفَين وخمسمائة سنة من “الإبادة”.
وقد برزت هذه الصلة في تقرير نشرته صحيفة “جيروزاليم بوست” اليمينية مؤخراً: “أعادت الضربة الأمريكية-الإسرائيلية المشتركة على إيران إحياء قصة بوريم إحياءً لم يشهده التاريخ منذ ألفَين ومائتَي عام”، مقارنةً ترامب بشكل لافت بخشايارشا العظيم المذكور في القصة، وخاتمةً بالقول: “بعون الله المتواصل، سننتصر في هذه المعركة الأحدث والأكثر مصيرية، ونُحقق لشعبنا وللعالم بأسره وعد بوريم النبوي: النور والبهجة والأمل والفرح”.
ويرى المنتقدون أن استدعاء هذه الرمزية في الصراع الحديث ينطوي على مخاطر استيراد رمزية دينية قديمة إلى الحروب المعاصرة. في المقابل، يرى المؤيدون أن الإشارة مجازية وتعكس خطورة التهديدات المُدرَكة لا دعوة إلى عنف ديني حرفي.
بيد أن ثمة وقائع لا يمكن إنكارها بقدر ما هي كاشفة وخطيرة. ففي 12 أغسطس 2025، صرّح نتنياهو
بأنه يشعر بـ”تعلق عميق” برؤية “إسرائيل الكبرى”، التي تشمل الأراضي الفلسطينية المحتلة وأجزاء من مصر والأردن وسوريا ولبنان والعراق والمملكة العربية السعودية، مؤكداً أنه يعتبر نفسه في “مهمة تاريخية وروحية لأجيال من اليهود حلموا بالمجيء إلى هنا وأجيال ستأتي من بعدنا”.
ولم تُبادر أصوات ذات وزن في المعارضة الإسرائيلية إلى التبرؤ صراحةً من هذه الرؤى التوسعية أو إدانتها، على الرغم مما أثارته من غضب إقليمي واسع ومخاوف جدية حول مبدأ السيادة الوطنية.
واستدعاء نتنياهو للمهمة المقدسة وإسرائيل الكبرى لا يقوم في فراغ. إنه يستمد شرعيته، سياسياً ورمزياً، من البنية اللاهوتية الاستبدالية التي شكّلت الانخراط الإنجيلي الأمريكي في الشرق الأوسط لأكثر من قرن، وهي بنية باتت تستحق الفحص المستقل على شروطها الذاتية.
خامساً: البنية اللاهوتية — الصهيونية المسيحية
يستلزم فهم التأويل الديني للصراعات الشرق أوسطية الحديثة استيعاب الإيديولوجيا المعروفة بـ”الصهيونية المسيحية”. يستند هذا التيار استناداً أساسياً إلى اللاهوت التدبيري الذي طوّره في القرن التاسع عشر جون نيلسون داربي.
ويُقرأ في هذا الإطار التاريخُ العالمي باعتباره يسير عبر مراحل نبوية تبلغ ذروتها في أحداث آخر الزمان. وفي هذه الرؤية الكونية، كثيراً ما تُفسَّر أحداث كعودة اليهود إلى أرض إسرائيل، وإنشاء دولة إسرائيل عام 1948، والصراعات المتعلقة بها، باعتبارها علامات على اقتراب تحقق النبوءة التوراتية.
والأهم التأكيد على أنه في حين لا يؤيد جميع المسيحيين الصهيونية، فإن غالبية المسيحيين الإنجيليين والبابتيست والخمسينيين ومرتادي الكنائس الكبرى يؤيدونها انطلاقاً من إيمانهم بما يُسمّى “الألفية التدبيرية ما قبل العودة”.
ويؤكد المدافعون عن الانخراط السياسي للصهيونية المسيحية أن دعمهم لإسرائيل ينبثق من لاهوت العهد والتضامن مع شعب عانى الاضطهاد تاريخياً، لا من دعوة إلى الحرب، وأن الإيمان النبوي لا يُترجَم آلياً إلى سياسة.
وهذا الموقف يستحق نقاشاً جاداً ومنصفاً. غير أن الحالات الموثقة التي تفحصها هذه الورقة، من خطبة هاجي أمام لافتة كُتب عليها “الله قادم… عملية الغضب الملحمي” إلى تأييد هاكابي الهادئ للتوسع الإقليمي الأقصى، تُشير إلى أن الخط الفاصل بين القناعة اللاهوتية والعمل السياسي قد مُحي منهجياً من قِبَل شخصيات محورية، لا أنه استُنتج فحسب من قِبَل المنتقدين.
فحين تُشكّل الإسكاتولوجيا الإحاطات العسكرية وتُلهم التوقعات النبوية تصريحات السفراء، يغدو الادعاء بأن العقيدة والسياسة تظلان منفصلتَين أمراً عسير التسويغ.
وفي المقابل، اتساقاً مع اللاعنف الذي أرساه يسوع المسيح في الأناجيل، لا تدعم كنائس البروتستانت والكاثوليك الرومان والأرثوذكس الشرقيين وكنائس السلام الصهيونيةَ المسيحية في تأويلاتها التوراتية لآخر الزمان.
ومنهم الدكتور تشاك بالدوين، القس الإنجيلي الأمريكي البارز والمرشح الرئاسي لحزب الدستور في انتخابات 2008، الذي كشف في مقابلة أدلى بها عام 2018 أنه بشّر بالصهيونية المسيحية لأكثر من ثلاثين عاماً قبل أن يرفضها، مُفصّلاً رحلته المتدرجة للتخلي عن الرؤية التاريخية المشوّهة التي تستوجبها تلك العقيدة.
وعلى المنوال ذاته، ثمة يهود يعارضون الصهيونية، ومن بينهم اليهود الأرثوذكس المتشددون الذين يؤمنون بأن على اليهود انتظار قدوم المسيح المنتظر لقيادتهم إلى أرض إسرائيل.
وفي الفكر الحاخامي، المشيح هو الملك الذي سيفدي إسرائيل ويحكمها في ذروة التاريخ البشري وهو الأداة التي ستتأسس بها مملكة الله. والتقليد اليهودي يُقرّ بخمسة أمور على الأقل في شأن المسيح المنتظر: أن يكون من نسل الملك داود، وأن يكتسب السيادة على أرض إسرائيل، وأن يجمع اليهود إليها من أصقاع الأرض، وأن يُعيدهم إلى التطبيق الكامل لشريعة التوراة، ثم يُحقق في الخاتمة السلام للعالم بأسره.
وفي خضم هذا السباق المحموم نحو خطاب النهاية الكبرى، يحتل جون هاجي، مؤسس كنيسة كورنرستون الكاريزمية في سان أنطونيو ومؤسس “مسيحيون من أجل إسرائيل” (تأسست 7 فبراير 2006)، المرتبة الأولى بلا منازع.
وإمبراطوريته الإعلامية تصل إلى ما يُقدَّر بمائة وخمسين مليون أسرة عبر قارات شتى، وهو امتداد يجعل تأطيره اللاهوتي-السياسي مسألة جيوسياسية بالغة الأثر لا شأناً كنسياً داخلياً.
ففي 14 نوفمبر 2023، خاطب هاجي مسيرةً مؤيدة لإسرائيل في واشنطن العاصمة، مؤكداً: “أنتم قادة إسرائيل، وأنتم وحدكم ينبغي أن تقرروا كيف ستُدار هذه الحرب وكيف ستُختتم. أنتم من يقرر، لا غيركم”.
وبعد يومين فحسب من أمر ترامب بشنّ “عملية الغضب الملحمي” ضد إيران، ألقى القس خطبته في كنيسة كورنرستون أمام لافتة كتب عليها “الله قادم… عملية الغضب الملحمي”، شاكراً ترامب “الذي سحق بحكمته وشجاعته أعداء صهيون”، ثم مضى في اللازمة المألوفة مؤكداً أن الهجوم الأمريكي-الإسرائيلي على إيران سيُشعل سلسلة من الأحداث المُنبأ بها توراتياً، تشمل غزو جيش بقيادة روسية لإسرائيل وهزيمة يسوع للمسيح الدجال في معركة هرمجدون.
سادساً: حتمية الهيكل الثالث — حين يصبح اللاهوت عمارة
إن بناء الهيكل الثالث على جبل الهيكل في القدس، على الموقع الذي يقوم عليه اليوم المسجد الأقصى وقبة الصخرة، ليس فكرة هامشية. بل إنه يقبع في صميم البنية اللاهوتية الإسكاتولوجية التدبيرية التي تسري في كامل هذا البحث.
ففي إسكاتولوجيا الصهيونية المسيحية، إعادة بناء الهيكل ليست خياراً، بل شرطٌ لا بد منه. والتسلسل صريح في هذا اللاهوت: يجب إعادة بناء الهيكل؛ ثم يُدنّسه المسيح الدجال في ما يُعرف بـ”رجس الخراب” المذكور في دانيال 9:27 ومتى 24:15 والثيسالونيكيين الثانية 2:4؛ وهذا يُطلق الضيقة الكبرى التي تسبق معركة هرمجدون، التي تسبق المجيء الثاني للمسيح.
وبالنسبة لملايين الإنجيليين التدبيريين، فإن دعم الشروط التي تُتيح قيام الهيكل هو إذن فعل وفاء نبوي، لا تفضيل سياسي. وقد تتبّع اللاهوتي برنارد ماكغين نسب شخصية المسيح الدجال المحورية في هذا التسلسل عبر ألفين من سنوات الخيال الإسكاتولوجي المسيحي، مُذكِّراً إيانا بأن ما يُقدَّم على أنه حقيقة توراتية خالدة هو في الواقع إطار تأويلي مُشيَّد تاريخياً، وهو إطار بات يُوظَّف الآن بوصفه سياسة خارجية.
الصلة الإيرانية
يخضع جبل الهيكل في الوقت الراهن لإشراف الوقف الأردني، والمسجد الأقصى وقبة الصخرة يقومان على ذلك الموقع. وأي بناء لهيكل ثالث يستلزم إزالتهما أو تدميرهما. وإيران هي الضامن العسكري والإيديولوجي الأول للمقاومة في وجه السيادة الإسرائيلية على جبل الهيكل، من خلال دعمها لحماس وحزب الله ومحور المقاومة الأشمل.
ومن هنا يسير المنطق اللاهوتي على النحو التالي: إسقاط القوة الإيرانية يُزيل الدرع العسكرية الرئيسية الحامية للمواقع الإسلامية المقدسة، مما يُقرّب شروط إقامة الهيكل بصورة ملموسة. وسواء جرى التعبير عن هذه الحسابات صراحةً لدى صانعي القرار أم لا، فإنها تعمل بوصفها تقاطعاً بنيوياً بين الحرب على إيران ومشروع الهيكل الثالث.
وفي مارس 2026، صرّح المعلق تاكر كارلسون علناً بأن “لاعبين محوريين متورطين في هذه الحرب يعتقدون أن ما نشهده سيُبشّر بأحداث تبدأ بتدمير قبة الصخرة وإعادة بناء الهيكل الثالث.” والأكثر إزعاجاً أن كارلسون أثار صراحةً سيناريو تدمير مُنظَّم للمجمع يُنسب إلى إيران، ملخِّصاً هذه الاحتمالية بعبارة: “آه، الإيرانيون فعلوها.” ومهما كان مصدر هذا الطرح، فإن التصريح العلني به من شخصية رئيسية ذات جمهور واسع يشكّل في حد ذاته حدثاً سياسياً يستوجب التوثيق.
الحضور المؤسسي الموثق
هذا ليس تكهناً لاهوتياً فحسب، وليس ظاهرة وُلدت من رحم الأزمة الراهنة. فمنذ عام 2000، وثّق الصحفي والمؤرخ غيرشوم غورينبرغ في كتابه “نهاية الأيام” التقارب بين الإسكاتولوجيا التدبيرية الأمريكية وحركة إعادة بناء الهيكل اليهودي والفتيل الجيوسياسي الذي يمثله جبل الهيكل، وذلك قبل أن يتحول إلى حالة
طوارئ استراتيجية نشطة.
وما رصده غورينبرغ بوصفه تصادماً كامناً بات اليوم تصادماً فاعلاً. فمعهد الهيكل في القدس يُعدّ منذ عقود الأدوات الطقسية والأثواب الكهنوتية والمخططات المعمارية للهيكل الثالث. والزيارات اليهودية لجبل الهيكل بلغت أرقاماً قياسية. وأدلى عدد من الشخصيات القريبة من الإدارة الأمريكية الراهنة، ومنهم رئيس مجلس النواب مايك جونسون، بتصريحات علنية حول المصير النبوي لإسرائيل. وأرسلت أطراف من ائتلاف نتنياهو، ولا سيما إيتامار بن غفير وبتسلئيل سموتريش، إشارات تُلمّح إلى التحرك نحو فرض السيادة الإسرائيلية على الموقع.
والجدير بالإشارة أن الرغبة في إعادة بناء الهيكل ليست موقفاً جامعاً داخل اليهودية. فقد أعادت الحياة الدينية اليهودية تنظيم نفسها حول الصلاة ودراسة التوراة والممارسة في المعبد بعد تدمير الهيكل الثاني عام 70 للميلاد، وتسير دون هيكل مادي منذ ما يقارب ألفَي عام. وتمثل حركة إعادة بناء الهيكل تياراً لاهوتياً بعينه لا توافقاً.
البُعد الإسلامي
بالنسبة للعالم الإسلامي، المسجد الأقصى هو ثالث أقدس موقع في الإسلام. وأي تهديد له، حقيقياً كان أم متصوَّراً، يحمل قوة تعبئة تتجاوز الحدود الوطنية والعرقية والطائفية. وقد وضعت إيران نفسها باستمرار بوصفها الحارسة للأقصى، مما يُفسّر جزئياً الصدى الاستثنائي لخطابها في أوساط السنة والشيعة على حد سواء. وقد وثّق المؤرخ أسامة مقدسي أن التعايش بين الطوائف كان هو القاعدة التاريخية في بلاد الشام، مما يجعل الدمار الذي تُلحقه الأجندات الإسكاتولوجية المُستوردة شذوذاً تاريخياً صارخاً.
وقد تجلّت حقيقة أن التهديد للأقصى بات يتردد صداه عابراً للانقسام السني-الشيعي بجلاء في نوفمبر 2023، حين أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في قمة طارئة لمنظمة التعاون الإسلامي: “الأقصى ليس قضية فلسطينية وحسب. إنه قضية كل المسلمين، قضية الإنسانية جمعاء.”
وهذا يعني أن بُعد الهيكل الثالث ليس هامشاً لاهوتياً. إنه أحد أعمق خطوط الصدع في المواجهة بأسرها، وهو بُعد يكاد يكون غائباً كلياً عن التغطية الغربية السائدة للصراع مع إيران.
سابعاً: فارس في النبوءة
كثيراً ما يتبنى الخطاب السياسي المتعلق بإيران لغةً أخلاقية ذات صدى ديني واضح. فالسيناتور الأمريكي ليندسي غراهام وصف الحكومة الإيرانية بالشر، مُؤطِّراً المواجهة مع طهران بوصفها صراعاً بين العدل
والطغيان. وعلى الرغم من أن هذا النوع من اللغة شائع في الخطاب السياسي، فإنه يتردد صداه بقوة مع السرديات الدينية التي تُصوّر الصراعات معارك بين الخير والشر.
وأكثر من ذلك، كثيراً ما تستند تفسيرات لحظة القيامة إلى مقاطع من سفر حزقيال التي تصف تحالفاً من الأمم بقيادة “جوج” يهاجم إسرائيل في الأيام الأخيرة. وفي التفسير الإنجيلي الحديث، كثيراً ما يُقرَن الاسم القديم “فارس” الوارد في النص بإيران الحديثة. وبينما يرفض كثير من علماء الكتاب المقدس التطبيقات الجيوسياسية المباشرة لهذه النصوص، تظل مثل هذه التفسيرات نافذة الأثر في شبكات الإعلام الديني المعينة.
والأرجح أن رضا أصلان حين كتب كتابه الذي سرعان ما غدا نجاحاً عالمياً لم يتخيل أن بلده الأصلي إيران، لا الأصولية الإسلامية على شاكلة القاعدة وداعش، قد تكون الشرارة التي تُشعل الشرق الأوسط في إطار “حرب كونية” تُفجّرها واشنطن وتل أبيب. فكتابه دراسة معمقة في الإيديولوجيا التي تُغذّي المتطرفين في العالم الإسلامي واستكشاف للعنف الديني في اليهودية والمسيحية والإسلام.
وكان الخاطفون الذين هاجموا الولايات المتحدة في الحادي عشر من سبتمبر 2001، كما كتب، يعتقدون أنهم يخوضون حرباً كونية. وأكد أن الولايات المتحدة بإضفائها على “الحرب على الإرهاب” البلاغة الاستقطابية الدينية ذاتها تخوض هي الأخرى حرباً كونية لا يمكن الفوز بها. ويرى أصلان أننا يجب أن نُجرّد الصراعات من مضامينها الدينية ونعالج الشكاوى الأرضية التي تكمن دائماً وراء الدافع الكوني.
والحقيقة، كما أضاف، أن هجمات الحادي عشر من سبتمبر “كانت دعوة إلى حرب كانت قائمة أصلاً؛ حرب كونية تدور في ذهن الجهادي بين قوى الخير والشر منذ الأزل. وكانت دعوة قبلها كثير من الأمريكيين عن طيب خاطر.” كيف تفوز في حرب كونية؟ بالامتناع عن خوضها، يختتم أصلان.
ودعماً لهذه الحجة، يستشهد بتصريحات الجنرال ويليام ج. بوييكن، نائب وكيل وزارة الدفاع سابقاً للاستخبارات، الذي كُلّف بتتبع أسامة بن لادن. وكان بوييكن يخاطب جماعة في كنيسة الراعي الصالح بساندي، أوريغون، في يونيو 2003 قائلاً: “لكن من هو عدونا؟ إنه ليس أسامة بن لادن. عدونا عدو روحي لأننا أمة من المؤمنين… والعدو الذي هاجم بلادنا عدو روحي. اسمه الشيطان. أنا محارب، ولن أتوقف أن أكون محارباً. وما جئت أفعله اليوم هو أن أجنّدكم محاربين في سبيل ملكوت الله.”
وكان بوسع أصلان أن يستند كذلك إلى القصة التي كشفتها عام 2007 مجلة “Allez Savoir” الصادرة عن جامعة لوزان. ففي عام 2003، تلقّى البروفيسور توماس رومر، أستاذ اللاهوت في جامعة لوزان، اتصالاً هاتفياً من قصر الإليزيه. كان مستشارو الرئيس جاك شيراك يرغبون في معرفة المزيد عن جوج وماجوج، الاسمَين الغامضَين اللذَين استحضرهما جورج دبليو بوش في سعيه لإقناع فرنسا بالانضمام إلى الحرب على العراق.
ففي الأسابيع التي سبقت التدخل، أبلغ بوش شيراك بأن “جوج وماجوج يعملان في الشرق الأوسط وأن النبوءات التوراتية تتحقق.” وبعد مغادرة الإليزيه، أكد شيراك نفسه الحادثة للصحفي جان-كلود موريس، راوياً أن بوش ناشده إيمانهما المسيحي المشترك وأعلن أن هذه المواجهة جزء من مهمة مُقدَّرة إلهياً، وهو ما وصفه شيراك بعدم تصديق مكشوف لكيف يمكن لزعيم عالمي أن يحمل معتقدات بالغة السطحية والتعصب.
وفي حرب كهذه، مُؤطَّرة بهذه الصورة من قبل بعض القادة المؤثرين وأيديولوجييهم، يشرح أصلان أن “العدو ليس جيشاً ولا دولة، بل الشيطان بعينه. والمعركة تتعلق بالحضارة. هويتنا على المحك. لا نستطيع التفاوض. لا نستطيع الاستسلام. لا يمكننا الخسارة. ولا يمكننا الفوز.” والنتيجة المنطقية التي يستنتجها هي أن الأرض على الأرجح قد مُهّدت لـ”عصر مرعب جديد من الحروب الدينية”.
خاتمة: في مواجهة الحرب الكونية
حين تُعتقد الحروب مُقدَّرةً إلهياً، تُصبح الدبلوماسية استرضاءً والتسوية خيانة. غير أن التقاليد الدينية الكبرى ذاتها تحمل تحذيرات صريحة من تحويل الإيمان إلى سلاح. إذ يُذكّر القرآن الكريم الإنسانية جمعاء: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا” (الحجرات: 13). وتُذكّرنا الآية بأن التنوع بين الحضارات أُريد به التعارف والتفاهم، لا الصراع المقدس.
ولحظات القطيعة مع هذا المنطق موجودة في السجل التاريخي. ففي يونيو 2009، خاطب الرئيس باراك أوباما العالم الإسلامي من جامعة القاهرة قائلاً: “جئت إلى هنا لأسعى إلى بداية جديدة بين الولايات المتحدة والمسلمين في أنحاء العالم.” وكان الخطاب ناقصاً، والسياسات التي أعقبته دون مستوى وعوده بكثير. بيد أنه أثبت أن انخراط الولايات المتحدة مع العالم الإسلامي لا يستلزم أن يُصفَّى عبر الإسكاتولوجيا الأبوكاليبسية. وإسقاط ذلك الإطار الخطابي وتعويضه بخطاب الحرب اللاهوتية الموثق في هذه الورقة هو خيار سياسي، لا حتمية لا مفر منها.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في وجود النبوءات. الخطر ينبثق حين تبدأ السلطة السياسية في الاعتقاد بأنها مُلزَمة بتحقيقها. وكما كتبنا في مقال عام 2017، وما زلنا نُؤكد خلاصته بقوة اليوم:
“لا بد من الإقرار بأن خطاب صراع الحضارات، المُردَّد باستمرار وإصرار من قِبَل بعضهم منذ نهاية الحرب الباردة، يبدو أنه أنجز المهمة المُسندة إليه، في المقام الأول من قِبَل أولئك المستفيدين من استمرار الصراعات والمتحكمين في خيوطها. وقد أفرز هذا الخطاب صداماً خطيراً بين الأصوليات يُحدّث مفاهيم انتقام الله والحروب الصليبية والجهاد ويُضيف إليها مفاهيم جديدة كالإسلامو-فاشية. وفي خضم الاضطراب الدولي المتصاعد، لا ينبغي لأحد إغفال أن أكبر خطر يكمن في أنه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية دخل العالم عصر السلاح الأسمى، القنبلة الذرية وسائر أسلحة الدمار الشامل، وأن المتطرفين في كل جانب يُروّجون بحماس لحرب كونية من أجل انتصار الخير على الشر. أليس جنوناً الاعتقاد بأن عالمنا المتحضر عاجز عن إيجاد مسار غير ذاك المؤدي نحو التدمير المتبادل الشامل؟”