-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

كيف ربحت إيران الحرب على الجبهة الداخلية؟

كيف ربحت إيران الحرب على الجبهة الداخلية؟

من دون مبالغة ولا انحياز، نقول إن الجمهورية الإسلامية الإيرانية تمكّنت في الأيام القليلة الماضية من إدارة محاولة زعزعتها من الداخل باقتدار، ولم يبق لأعدائها اليوم سوى خيار التدخل العسكري الخارجي وهو الذي تمت تجربته في عدوان الاثني عشر يوما ولم يحقق نتائجه.
كيف تمكنت دولة محاصرة بعقوبات كونية عددها بالآلاف من قبل الولايات المتحدة والغرب لأكثر من40 سنة أن تصمد لهذه الهجمة الأخيرة من الداخل وتفشلها رغم الدعم الأمريكي الصريح لها؟
يبدو أن المسألة تتعلق بالأساس بالعمل الاستباقي الذي قامت به الجمهورية الإسلامية في مجال الاتصال استعدادا لمثل هذه المواجهة طيلة عقود.
لقد فهمت إيران أن تفكيك الجبهة الداخلية والتلاعب بمصيرها لا يقل خطورة عن استخدام أكثر الوسائل العسكرية فتكا، بل لعل الجبهة الداخلية، في حالة إصابتها في مقتل، قد تؤدي بالدولة إلى انهيار أسرع مما تقوم به الوسائل العسكرية. لذلك، استثمرت، رغم العقوبات والحصار، في تعزيز هذه الجبهة سواء من حيث تعزيز المناعة الداخلية أو وسائل الدفاع ضد التهديدات الخارجية.

ومن بين ما قامت به، منع الاتصال والتنسيق بين الأطراف المعادية في الداخل والخارج في الوقت الملائم، وتحييد شبكات التواصل الاجتماعي التي عادة ما يتم إما التلاعب بعقول الجماهير من خلالها، أو تحريف مطالبها الاجتماعية المشروعة كالتي طالب بها الشعب الإيراني في28 ديسمبر الماضي إلى المطالبة بإسقاط الجمهورية الإسلامية وإحلال الإمبراطورية الشاهنشاهية البائدة محلها.

وقد تابعنا كيف أدارت الحكومة الإيرانية باقتدار وكفاءة محاولة تحريف المطالب الجماهيرية عن مسارها من خلال قدرتها على التحكم في وسائل التأثير والاتصال المختلفة التي عادة ما تستخدمها الجهات المعادية، وكيف منعت الخارج من إدارة الداخل عبر الاتصال المباشر.

ويكفي أن نتابع كرونولوجيا ما حدث ليتأكد لنا ذلك: بعد بدء المظاهرات مباشرة حوّلها الإعلام الأمريكي والصهيوني وبعض الإعلام الغربي الموالي لهما إلى مظاهرات ضد الجمهورية الإسلامية تطالب بعودة وريث الشاه “محمد رضا بهلوي” الذي أسقطته الثورة في1979 ، ولم تمض أيام قليلة حتى تمكّنت الحكومة الإيرانية من التحكم في الوضع من خلال فصل شبكة الأنترنت الداخلية التي تعتمد بنية تحتية إيرانية مستقلة (شبكة المعلومات الوطنية -شوما-) عن الشبكة العالمية التي تُسيطر عليها الولايات المتحدة، ومعلوم أن لإيران شبكتها المحلية المستقلة (بنوك، اتصالات…الخ) ومنصات التواصل الاجتماعي الخاصة بها أيضا (Eitaa،Soroush ، Rubika) وهي مفصولة تماما عن المنصات الغربية المعروفة (الفايس بوك، الإنستغرام، اليوتيوب، تويتر…الخ) (انظر حلقة “استشرافات” “الشروق نيوز” “بدائل الفايس بوك”) ، وهذا استثمار محلي استباقي بامتياز.

وللالتفاف على هذا الخط الدفاعي الأول (الانفصال عن الشبكة العالمية الغربية) الذي لجأت إليه إيران، استنجدت الجهات المعادية بشبكة “ستارلينك” لصاحبها “إيلون ماسك” لتعويض الخلل وربط اتصالات مباشرة مع المتظاهرين والسعي لتوجيههم غير وجهة المنطلق الأولى المشروعة.

وهنا أيضا تدخلت إيران مرة ثانية بمنع هذه الشبكة من التأثير على الإيرانيين عبر مسارين: مسار تحييد أطباق الاتصال الخاصة بـ”ستارلينك” ولواحقها بعد كشفها بواسطة الدرونات مباشرة أو من خلال التعرف على موجات الاتصال في مناطق يتم حصرها، ومسار التشويش على نظام الـGPS وتعويضه بأنظمة أخرى، الأمر الذي أربك كل عملية الاتصال الأجنبي وجعلها متذبذبة وعديمة الفعالية، وكان ذلك في 8 جانفي الجاري عندما تم الإعلان في طهران عن خلل في نظام GPS ثم في المدن الإيرانية الأخرى.

ونتيجة لهذا التطور، أعلن “ترامب” يوم 12 جانفي أنه سيتصل بإيلون ماسك، وفي يوم 13، أعلن “أن المساعدة في طريقها إليكم”، وفي 14 جانفي، أعلنت تقارير أن الخدمة عبر “ستارلينك” باتت مجانية في إيران بالإضافة إلى عمليات تقنية معقدة أخرى تم القيام بها لإعادة الاتصال بالداخل… وكانت المفاجأة أن كل ذلك لم ينفع، لقد فشلت المهمة تكنولوجيا، وتمت حماية الجبهة الداخلية التي كان سيستغلها “ترامب” للقيام بعمل عسكري مدعّم، ولذلك، لم يبق له من خيار سوى الإعلان عن التراجع عن مهاجمة إيران، وكان ذلك يوم 16 جانفي، ليلقي الإمام الخامنئي في اليوم ذاته خطبة الجمعة معلنا فيها بطريقة مباشرة أن الشعب الإيراني “قسم ظهر الفتنة وقال الكلمة الأخيرة بوحدته”… وبذلك تكون إيران، رغم الخسائر التي تكبّدتها، قد ربحت حرب الـ12 يوما العسكرية في شهر جوان الماضي، وربحت حرب الـ20 يوما التكنولوجية اليوم، والأكثر من كل ذلك أنها قدّمت لنا تجربة حيّة عن كيفية دعم الجبهة الداخلية لمن أراد أن يحمي نفسه من أي تغوّل قادم…

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!