الرأي

كيف يُبنى المجتمع المدني؟

عمر أزراج
  • 2031
  • 0

على مدى أكثر من نصف قرن من الاستقلال وبلداننا لم تبلور المشروع السياسي النابع من واقعنا والذي يمكن أن يتحول إلى برنامج عمل له خصوصية وطنية لها فرادتها والقدرة على جمع الرأي العام الشعبي. تتمثل المشكلة الكبرى النمطية التي تتكرر طوال هذه المدة في غياب إبداع النظرية السياسية، وفي ضعف الفكر السياسي المعمول به في بلداننا، فضلا عن تحجير وتهميش جهود الأفراد الذين تتوفر لديهم الإمكانيات الفكرية والوازع الوطني لصياغة مثل هذا المشروع المنشود.

من المعروف أن المفكرين في الجغرافيات الغربية قد أنجزوا ولا يزالون ينجزون النظريات السياسية التي تحوّلت إلى ممارسة أعطت ثمارها في مجال إدارة الحكم، كما جعلوا التفكير السياسي فعالية للتوصل إلى تأسيس المجتمعات المتطورة التي يحكمها العقل، وبهذا الخصوص قد وجدت أفكار المفكر ستيفن ديلو ذات أهمية، وهي تهدف إلى وضع أسس نظرية جادة ودقيقة للمجتمع المدني في إطار مناخ سياسي صحي. 

يرى هذا المفكر أن الناس ينشغلون بالتفكير السياسي “عندما يبحثون في تحديد الأفكار لسياسية تقدم لهم وعودا أكثر وخريطة علمية للحلول السياسية التي تستجيب أفضل من غيرها لتحديات بعينها، وللأنظمة السياسية الأفضل التي تلبي حاجاتهم”. وفي تقديره فإن: “النظرية السياسية تنشأ إلى حد ما كإجابة على سؤال يلفت انتباه المنظر السياسي”، مثل: “إلى أي حد يمكن أن تتحقق العدالة في الحياة البشرية وذلك لمواجهة مجتمع يتعامل مع فكرة العدالة بروح الشك”؟ في هذا السياق يتساءل أيضا المفكر ديلو هكذا “كيف نبني مجتمعا يمكن للأفراد فيه أن يحترموا الحقوق الأساسية لبعضهم البعض رغم وجود وجهات نظر أخلاقية متعارضة لكل منها معقوليتها”؟. إن الإجابة عن هذا النمط من الأسئلة تتطلب “أن يكون المرء قادرا على تكوين صورة للعالم تساعد على تفسير الطريقة التي يعمل بها”. وفقا لهذا المفكر فإن التفكير السياسي يتميز بطرحه للأسئلة من قبيل “ما طبيعة العدالة، الحرية، الحياة الصالحة”؟

لاشك أننا في حاجة ماسة إلى التفكير السياسي الذي ينطلق من الوعي بتلازم وتفاعل النظرية السياسية والممارسة لكي نتمكن من إنجاز مجتمع مؤسس على المنطق والعقلانية بدلا سياسات الاستغراق والغرق في العاطفة والفوضى، إن هذه الحاجة ينبغي أن تقودنا إلى إدراك عميق أن السياسة هي الهندسة العلمية لشؤون الحكم في المجتمع، وأن السياسي هو مهندس الدولة المدنية. يوضح المفكر ستيفن ديلو، مثلا، أن المجتمع المدني “يتميز بصفتين رئيسيتين كونه حيزا مستقلا يتألف من جماعات طوعية تعمل ضد السلطة، وكونه يروّج لفضائل مدنية مهمة من قبيل الاحترام المتبادل، والتسامح.” 

الاحترام المتبادل في ظل المجتمع المدني كما يوضح ديلو لا يعني في التحليل الأخير “الاتفاق الشامل والمطلق بين الناس”، بل يعني احترام نقاط الاختلاف والتنوع مادام ذلك يحقق التواصل والحوار، والتناغم والسِّلم والإبداع في شتى المجالات. 

وهنا يجب توضيح عبارة “ضد السلطة” التي لا تعني العداء أو ممارسة العنف المادي أو الإخلال بالقوانين الديمقراطية، بل إن الضدية هنا تعني حوار الاختلافات، وتعني أن المجتمع المدني يمارس النقد الصريح والشجاع والرقابة، ومساءلة السلطة السياسية والتنفيذية وكافة السلطات الأخرى. وهنا يمكن لنا القول بأن دور المجتمع المدني هو التحريك السلمي النقدي للحياة في الدولة، وبعبارة أخرى فإن دوره يتمثل في تشكيل كتلة تنشد الهيمنة أي القيادة عن طريق الرضى والإقناع. 

وفي الحقيقة، فإن عمل المجتمع المدني مرهون بفهم واضح لمصطلح السلطة الذي يبدو فضفاضا ومتعدد الأبعاد، وأنه من الضروري عدم اختزال السلطة في البنية السياسية ومجوعات السياسيين فقط، لأن السلطة في جوهرها هي تنوع سلاسل السلطات بما في ذلك القيم السائدة، والدين، والتقاليد، والأعراف، والعائلة أيضا الخ. ولكي يتمكن المجتمع المدني من انجاز التغيير فإنه يحتاج إلى إبداع “حيّز مستقل” له ويعني هذا من الناحية التنظيمية والسياسية أن يكون مستقلا عن الأيديولوجية الحاكمة للنظام الحاكم وجذورها في الثقافة الوطنية وخاصة عندما تكون هذه الإيديولوجيا مناقضة لمشروع دولة الرفاه الاجتماعي والحريات والمشاركة في إدارة الشأن العام على أسس المعرفة والعلم والأخلاقيات المتحضرة. 

وهكذا ، فإن الأحزاب التي توجد خارج الحكم هي جزءٌ من المجتمع المدني، وإنه بمجرد وصول هذا الحزب أو ذاك الحزب الآخر إلى الحكم، فإن صفة المدني تسقط عنه. إن الاستقلالية هنا تعني أن يكون المجتمع المدني بروابطه وجمعياته ومؤسساته المختلفة، تعبيرا صادقا عن القاعدة الشعبية، وليس تعبيرا عن النظام الموجود في سدة الحكم وقيمه التسلطية.

 ويضيف المفكر ستيفن ديلو عنصر الفضيلة التي ينبغي أن يتحلى بها المجتمع المدني، والفضيلة هنا ليست مفهوما أخلاقيا شكليا، وإنما تتحدد في عدة صور، وفي عدة معايير مثل العمل للصالح العام، وتكريس العدالة، وأداء العمل والوظيفة على نحو جيد، ونشر الأفكار التي ترسِّخ الاحترام بين الناس في المجتمع. وهنا يذكر ستيفن ديلو أن الفضيلة لها معاني وتمظهرات كثيرة أيضا، وأن كثرتها تقاس بكثرة المفكرين والفلاسفة والمصلحين عبر التاريخ.

 وإلى جانب ذلك، فإنه يلاحظ أن ثمة تناقضات بين الأنظمة السياسية تبرز عند توظيفها للفضيلة؛ فالمجتمع الإقطاعي يختلف مفهوم الفضيلة عنده عن مفهوم الفضيلة في المجتمع الرأسمالي،كما أن المجتمع الليبرالي له مفهوم خاص، ومعايير خاصة به، فهو يتمسك مثلا بالفردية، في حين نجد المجتمع الاشتراكي يتمسك بالجماعية في بناء العلاقات الاجتماعية، وفي أداء العمل وتقسيم الثروة. 

 يمثل هذا الاحترام للتعددية منطلقا لبناء فضاءات التسامح الذي هو “مبدأ سياسي يشير إلى أن الأفراد عليهم أن يتعلَّموا كيف يعيشون ويسمحون لغيرهم أن يعيشوا، وأن يتيحوا للآخرين الذين يعتنقون رؤى مختلفة عن رؤاهم ممارسة تلك الرؤى دون تدخُّل منهم”. 

وفي هذا السياق يؤكد ستيفن ديلو على فضيلة الاحترام المتبادل، مبرزا أن الغاية منها تتمثل في تأمين “الحقوق الأساسية للآخرين.” وهذا “ينم عن فكرة مفادها أن الناس في صياغة رؤاهم الخاصة للحياة، وتحديد أفضل أساس لتنفيذ أهدافهم”، أمر يفضي إلى إعطاء الاعتبار “لآراء وقيم الآخرين”.

 والاحترام المتبادل في ظل المجتمع المدني كما يوضح ديلو لا يعني في التحليل الأخير “الاتفاق الشامل والمطلق بين الناس”، بل يعني احترام نقاط الاختلاف والتنوع مادام ذلك يحقق التواصل والحوار، والتناغم والسِّلم والإبداع في شتى المجالات. 

مما لا شك فيه أن التفكير السياسي وكذلك النظريات الفكرية والسياسية التقدمية تؤكد على ضرورة تقدير واحترام كافة الاختلافات في المجتمع الواحد، وكذلك في المجتمع الدولي المتعدد مثل الاختلافات في الثقافة، والعرق، والانتماء الإثني، وفي الدين والجنسية وهلم جرا. ويمثل هذا الاحترام للتعددية منطلقا لبناء فضاءات التسامح الذي هو “مبدأ سياسي يشير إلى أن الأفراد عليهم أن يتعلَّموا كيف يعيشون ويسمحون لغيرهم أن يعيشوا، وأن يتيحوا للآخرين الذين يعتنقون رؤى مختلفة عن رؤاهم ممارسة تلك الرؤى دون تدخُّل منهم”. 

وفقا للمفكر ستيفن دلو، فإن المناقشات المعاصرة تسعى لبلورة تصورات جديدة من أجل تأسيس الدولة العادلة، والنظام السياسي الديمقراطي والمواطنة، والسيادة الفردية والجماعية في ظل مجتمع مدني ومجتمع سياسي ديمقراطيين يكونان حيزا يسود فيه الاحترام. 

مقالات ذات صلة