رياضة

لا إفراط ولا تفريط…

حفيظ دراجي
  • 11411
  • 53

معروف عن الكثير من متتبعي الكرة في الجزائر إفراطهم في التفاؤل بمنتخب بلادهم المشارك في المونديال اعتقادا منهم بأن المهمة سهلة وفي المتناول، في وقت يستصغر البعض الآخر كل ما تحقق في السنوات القليلة الماضية من جهد أثمر مشاركة ثانية على التوالي في المونديال، وبروز جيل جديد من اللاعبين الموهوبين والواعدين يلعبون كرة حديثة دون عقدة وتركوا أثرا طيبا في متابعيهم من الشباب، لكن السلطة لم تتمكن من الاستثمار في تعلق الشباب بمنتخب بلاده بشكل لا مثيل له، ولم تعمل على توفير فضاءات ووسائل ترفيه أخرى بعيدة عن الكرة تسمح لأبنائنا باستنشاق هواء آخر نقي غير هواء كرة القدم الذي لم يسلم من الفساد والتلوث والاستغلال السياسي، وقد يتحول إلى وسيلة إحباط للمعنويات ومبعث تذمر ويأس في نفوس شبابنا…

الإفراط في الحديث عن امكانية التأهل إلى الدور الثاني صار هاجسا للكثير من الجزائريين، وكأننا كنا دائما نشارك في المونديال ونصل إلى الأدوار المتقدمة، أو كأننا أبطال افريقيا ونملك أحد أحسن المنتخبات في العالم! والغريب في الأمر أن هذا التفاؤل المفرط يأتي من نفس الأشخاص الذين كانوا إلى وقت قريب ينتقدون الناخب الوطني والتشكيلة الوطنية ويقولون بأن المدرب فاشل، والمنتخب ضعيف، لينقلبوا فجأة ويرفعوا سقف التوقعات والطموحات ويطالبوا بضرورة التأهل إلى الدور الثاني تماشيا مع طموحات وآمال الجماهير العريضة التي تحركها مشاعر وعواطف التعلق الكبير بمنتخب بلادها في غياب أسباب وفضاءات أخرى تمنحه السعادة والفرح والاعتزاز والافتخار بالوطن!؟

هذا التفاؤل المفرط يسود في وقت ينسى الكثير بأننا لم نسجل هدفا واحدا في نهائيات كأس العالم منذ 28 سنة ولم نحقق فوزا واحدا منذ اثنين وثلاثين عاما، وبأننا خرجنا السنة الماضية في الدور الأول في نهائيات كأس أمم افريقيا، وبعض اللاعبين لم يلعبوا سوى بضعة مباريات دولية مع المنتخب الجزائري وبضعة مباريات مع نواديهم، وليس لهم سابق تجربة مع المونديال…

أما النظرة السوداوية واستصغار أبنائنا بالشكل الذي يفعله المتشائمون يوميا عبر مختلف وسائل الإعلام ففيه الكثير من المغالطات وسوء النية، ويحمل تشكيكا في كفاءة المدرب واحتقارا لقدرات الجيل الجديد من اللاعبين الذين منحهم حاليلوزيش ثقته وصاروا كبارا في وقت قياسي يسعون لرفع التحدي ومنافسة عمالقة العالم في لعبة لا مجال فيها للعواطف والمشاعر، ولا تقاس فيها القدرات بحجم البلد وتاريخه ورصيده، ولا حتى بقيمة لاعبيه الفنية والمهارية، بل بعوامل أخرى ذاتية وموضوعية يجب ان تجتمع كلها لضمان الوصول إلى المستوى العالمي وتحقيق النتائج المرجوة باستمرار في المنافسات كلها وليس في مناسبة واحدة مثل كأس العالم…

وبين هؤلاء المتفائلين وأولئك المتشائمين، يجد الجمهور الجزائري نفسه حائرا بين الاستجابة لعواطفه ومشاعره أو الاحتكام إلى الواقع والمنطق الذي يفرض الحذر والاعتدال، واعتبار كرة القدم مجرد لعبة لا تعبر تماما عن قوة او ضعف المنتخب، ولا عن تطور المجتمعات أو تراجعها، بل مجرد وسيلة ترفيه تمنح السعادة والفرحة وتبث البسمة في نفوس الجزائريين الذين لم يبق لهم سوى منتخب الكرة الذي يمنحهم ذلك الشعور بالانتماء إلى الوطن بعد ما سلبت منهم مكتسبات أخرى من طرف من استحوذوا على الوطن والوطنية لأنفسهم ومن معهم.

مقالات ذات صلة