الجزائر
علجية.. مجاهدة ترفض تمجيد ديغول تحت التعذيب وتردّد:

لا إله إلا الله.. يحيا فرحات عباس يحيا عميروش!

ع. تڤمونت
  • 2677
  • 0
أرشيف

كشفت صفحة المتخصصة في تاريخ منطقة خراطة، شهادة مؤثرة لمجاهدة من خراطة التابعة لولاية بجاية، وعن انتفاضة الثامن ماي 1945، تحدثت فيها عن معاناتها خلال الثورة التحريرية وما تعرضت له من تعذيب وحشي، جسدي ونفسي، في محتشد “لاتروشتي” بسبب وشاية أحد الحركى بها وبأبنائها الشهيد والمجاهد في شهادة تدمي القلوب تم تسجيلها قبل وفاتها في سبتمبر سنة 1994.
ولدت المجاهدة حاي علجية المدعوة “علجية ثجيست” يوم الفاتح جانفي 1900 بدوار جرمونة ببلدية خراطة شرق بجاية، ابنة بلقاسم حاي وحساسي الزهرة، التي روت عن حياتها فقالت وفقا لما أوردته صفحة “خراطة الذاكرة”: “كانت عائلتي تعيش من الفلاحة، لم ألتحق بالمدرسة، كنت أساعد أمي في أعمالها المنزلية، وكنت محبوبة لدى أفراد عائلتي وعندما ولدت كان أبي على خصام مع السلطات الفرنسية بسبب الضرائب التي لم يدفعها آنذاك عن مزروعاته وما يمتلكه من رؤوس أغنام فلم يسجلني إلا بعد أن تم تسوية الأمر مع قابض الضرائب وعندما كبرت زوجني أبي بالمدعو عربوز الحسين بآيث مرعي ورزقني الله بالأولاد، منهم من توفي في صغره ومنهم من عاش وهم “عمار” ابني الأكبر الذي التحق بصفوف الجيش عند اندلاع الثورة وشارك في عدة عمليات فدائية وأما “تاسعديث” فكانت مع زوجها يأويان أفرادا من الجنود وبعدها استشهد زوجها في جهة الشرق بمنطقة الأوراس وبقيت هي تواصل عملها لصالح الثورة”.
وتواصل المجاهدة: “أما أبنائي التوأم مسعود وجمعة فقد استشهد مسعود في 1958 برشاشات الطائرة في الحدود الجزائرية التونسية وهو لم يكمل بعد 21 سنة، لأنه التحق بالثورة هروبا من التجنيد الإجباري في الجيش الفرنسي، أما “جمعة” فكانت تساعد كل من يريد الالتحاق بالثورة وتخبئه في بيتها مع زوجها ومن بين هؤلاء “معيوش عبد الله” المدعو محمود الذي كان طفلا لم يتعدى 14 سنة، أما ابني “محـمد” فلم يصعد إلى الجبل كأخويه عمار ومسعود، لأنه كان من ذوي الاحتياجات الخاصة ولكنه كان محنكا وذكيا وشارك في عدة عمليات تمويهية للمستعمر والحركى وعندما اكتشفوا أمره وضعوه في القبر ليلة كاملة إلا أنه صمد حتى أخرجه أحد الأشخاص الذي فند تلك الشكوك وبعد خروجه واصل عمله مع الثورة إلى غاية الاستقلال كجلب الأدوية والألبسة والأكل والصابون وغيرها للمجاهدين.

.. وكأنه يوم القيامة
كما روت المجاهدة علجية عن معاناتها أثناء الاستعمار وعن أحداث الثامن من ماي وقالت: “مازلت أذكر الوحشية التي قمع بها المستعمر الفرنسي أبناء منطقتنا كبارا وصغارا في أواخر فصل الربيع كما يسمونه بأحداث 08 ماي 1945، حينها سمعنا كبار الدوار ينادون بالفرار لأن قوات العدو جاءت بكثرة من جهة مرواحة وسمعنا طلقات الرصاص بجهة تيزي واطو، فنصحنا ابني عمار بالمغادرة نحو أذرار أملال وبالفعل ذهبنا وبقينا يومين أو ثلاث ثم عدنا إلى آيث مرعي ثيغرمت، ثم طلبت السلطات الاستعمارية من سكان منطقتنا وخاصة الكبار الالتحاق بوسط مدينة خراطة وبالضبط في ساحة السوق آنذاك، الملعب البلدي حاليا، ومن رفض الذهاب يتم إجباره بالقوة بجره أرضا وبالركل، أما زوجة ابني فقد كانت تصدر أصوات كالحيوانات فاعتقدوا أنها مجنونة فتركوها مع الأطفال الرضع، وعندما اجتمعنا في ذلك المكان وكنا رجالا ونساء وبأعداد كبيرة جدا أخذونا مشيا على الأقدام ومررنا بشعبة الآخرة وهناك وجدنا أشلاء الضحايا المقتولين بالرصاص، ومنهم الطبيب محند أعراب حنوز، كانت جثته منتفخة تحت أشعة الشمس والخاتم في أصبعه يكاد ينفجر وجثث أبنائه بجواره وفيما بعد سمعت بأنهم رموهم في الوادي”.
وتضيف المجاهدة: “واصلنا السير عبر المنعرجات والجنود الفرنسيين يدفعوننا للأمام بالبنادق والأقدام ونحن نعاني من العطش والجوع، فكنا نأكل بعض الحشائش في الطريق وبعض النساء الحوامل وضعن موالدهن في الطريق، كانت معاناة كبيرة حتى وصلنا إلى شاطئ ملبو بسوق الإثنين وهناك وجدنا مدافع كثيرة وجيشا بأعداد كبيرة وكان هناك خلق لا يحصى وكأنه يوم القيامة.. وبعدها أخذت القوات الفرنسية ترمي القنابل بالمدافع داخل البحر وهي تدوي بصوت مرتفع والغضب باد على وجوههم ثم قاموا بتسريحنا ففهمنا بأن تلك المدافع وقنابلها كانت محضرة لقتلنا وعدنا مشيا من هناك إلى غاية بيوتنا ونحن نحمد الـله على النجاة”
كما روت المجاهدة علجية عن تعرضها للاعتقال بسبب وشاية أحد الخونة بتقديمي الدعم المادي والمعنوي للثورة وفي السجن الذي كان موجودا في “لاتروشتي”، قاعة الرياضات القتالية حاليا، أخذوني ركلا بالأرجل إلى التحقيق والاستنطاق على يد الجنود الفرنسيين والحركى حيث هناك في السجن منعوا عني الماء والأكل وكان يأخذ الطعام الذي يحضره لي أهلي ويتلذذ بتناوله أمامي ذلك الحركي الخائن بفضل مكانته عند سلطات العدو.. وضغط عليا الجندي
الفرنسي لتمجيد ديغول فكان جوابي: “لا إله إلا الله محمـد رسول اللـه.. يحيا فرحات عباس.. يحيا عميروش” وعندما رفضت الإدلاء بالمعلومات والاعتراف بالأعمال المنسوبة إلي ولأفراد عائلتي ضربوني بالسوط على الوجه حتى انفجرت إحدى عيني وأمام إصراري على الصمت، أوصلوا التيار الكهربائي بأصابعي وحتى في المناطق الحساسة فتهزني وأنا مربوطة على المقعد فتكسرت أسناني وجرحت لساني بأسناني المتكسرة.. وأحيانا أدخل في فترة غيبوبة ولا أدري ما يدور حولي بسبب التعذيب والجوع والعطش.

حتى القمل لم يجد ما يمتصه من دمي
وبعد أن يئس المستعمر من استنطاقي ولكي يحطموني نفسيا أخبرني أحد الحركى أن أبنائي عمار ومسعود قتلهم الجيش الفرنسي فقلت له: “ماتوا من أجل وطنهم وافتخر بذلك والخزي والعار للخونة” وبعدها قاموا بنقلي من غرفة التعذيب جرا على الأرض ورموني في غرفة مظلمة، بعدها اكتشفت أني مع سجناء آخرين كلهم رجال بعضهم كنت أعرفهم وفي الحقيقة لاقيت من المسجونين كل الاحترام فبعضهم يناديني أمي والبعض الأخر بالحاجة والبعض أختي وعند الجوع الشديد أضع كمشة تراب في فمي وأقوم بامتصاصها بعدها أطرحها وهكذا لعدة أيام حتى جاءنا أحد الحراس وهو من المنطقة فكان يحضر لنا بعض الطعام والماء سرا وقضيت في السجن ما يقارب سنتين من المعاناة، حتى القمل لم يجد ما يمتصه من دمي وكذلك العري بالكاد كنت أستر عورتي بملابس ممزقة وبالية جدا.
وواصلت المجاهدة علجية جهادها بعد خروجها من السجن قائلة: “لم أتوقف عن عملي مع أفراد جيش التحرير الوطني، فكنت أوصل لهم المؤونة من طعام وألبسة وأدوية وحتى الأخبار الخاصة بالثورة وتحركات المستعمر، حتى أني عندما وصلني خبر استشهاد ابني مسعود وأصبح ابنه المولود الوحيد يتيما، انفجرت بالزغاريد والدموع تسيل حزنا على يتيم ابنه وفرحا بتحقق أمنيته فقد كان دائما يردد: أمي ادعي لي بأن لا أعود، ادعي لي بالاستشهاد، ما أجمل الاستقلال يا أمي فأقول له: ما معنى الاستقلال يا بني؟ فيقول: يا أمي إنه شيء رائع لا يوصف ولا أعرف كيف أصفه لك يا أمي ولكن الاستشهاد أجمل.. لتضيف: من بين الحوارات التي كنت أجريها مع أفراد الجيش في إحدى الأيام قلت لهم مازحةً: يا أبنائي الجبال باردة والذئاب هناك مخيفة وقنابل الطائرات من فوق.. فأجابني أحدهم: يا أمي نحن لسنا بطماعين بأن يزيد لنا الـله في أعمارنا أكثر مما كتبه لنا والله لن يخذلنا بأن يقصر في أعمارنا أقل مما كتبه لنا.

مقالات ذات صلة