لا تزايدوا علينا في الوطنية ولن نخلي ساحة الصمود
“نحن أولى بحل المشكل من مالي وليبيا”، “لماذا لم تجتمع بنا السلطات وتحاول تفهم مطالبنا”، “لماذا استعملوا العنف ضدنا، نحن أيضا جزائريون الفرق الوحيد بيننا هو لون البشرة وإن كنا سودا فذلك لا يعني أننا من دولة أخرى”، “ما حز في نفوسنا هو أنهم قالوا لنا لستم جزائريين”.. هي كلمات استقبلنا بها أبناء عين صالح من المحتجين الرافضين لاستكشاف الغاز الصخري، هم لا يريدون التنمية ولا حتى تحويل الدائرة إلى ولاية، لا يريدون سوى وقف عمليات الاستكشاف وإرسال خبراء أكاديميين موثوق بهم لتمكينهم من المعلومة، لا يريدون أن تنتهي حياتهم بسبب التكسير الهيدروليكي الذي يعتقدون أنه سيقضي على الثروة المائية ويقضي معها على حياتهم.. هذه الحقيقة التي يسلمون بها.
الهدوء خيم على المكان.. لا شرطة، لا درك، ولا جيش، فقط هم أبناء عين صالح من “الصامدين” في ساحة توسطت المدينة، على مقربة من بيت الشباب، انقسم الجنسان فالرجال في وسط الساحة والنساء على جانبها، والأطفال وحتى المتمدرسون صامدون معهم، فالدراسة انقطعت منذ عطلة الشتاء الفارط..
الحياة تعود إلى ساحة الصمود…
الحياة بدأت تعود إلى مجاريها في الساحة وليس في عين صالح، بعد المشادة التي حدثت بين الشرطة والمواطنين بداية الأسبوع. هو اليوم الـ 69 يمر دون أن يتغير أي شيء. الذي تبدل وشعر به المواطنون هو أنهم سجلوا مصابين في صفوفهم. ومن أثر فيهم بشكل أكبر هو شاب في العشرينات فقد عينه بسبب آخر حادثة، وآخرون مازالوا بالمستشفى يخضعون للعلاج بسبب الإصابات التي تعرضوا لها، “لقد قدموا عدد المصابين في صفوف الشرطة ولم يحصوا مصابينا. لم نعد نفهم سبب هذا التعنت واللامبالاة. ألسنا جزائريين أم ما نعتنا به بعض المسؤولين هنا بأننا لسنا جزائريين يصدقونه هناك بالشمال“.. تقول الحاجة زهرة: “اكتبي اسمي فلم يعد يخيفني شيء أريد أن يسمع الجميع صيحتنا فنحن لم نطالب يوما بالتنمية ولم نطلب حتى حقوقنا التي هي لنا أما اليوم وعندما بلغ الأمر صحة أبنائها وبيئتنا فلم يعد يخيفنا شي“..
صامدون صامدون للغاز الصخري رافضون
التقيناها بساحة الصمود 1، هي وجمع من النسوة تلحفن وجلسن قبالة الساحة، وهن يتبادلن أطراف الحديث الكلام كله يخص الغاز الصخري، حتى تلك التي لم يسبق لها أن دخلت المدرسة تعرف بالتدقيق ما الذي يعنيه الغاز الصخري، “نحن نعلم أن التكسير الهيدروليكي يتطلب الكثير من الثروة المائية ويؤثر على الصحة بسبب عملية التكسير” تقول إحداهن وهي تضع يدها على فمها، قبل أن تقاطعها شابة أخرى: “صامدون صامدون للغاز الصخري رافضون” بدت غاضبة من الأوضاع التي آلت إليها المدينة فهي ورغم بساطتها كانت تحويهم وتشعرهم بالانتماء أما اليوم فهم يعتبرون أنفسهم ضحايا لعدم استجابة السلطة لهم وعدم تحاورها معهم وكأن الأمر يتعلق بمواطنين من الدرجة الثانية، “يعتبروننا من بلد آخر. كل من جاء من المسؤولين إلى هنا لم يتحدث إلينا ولم يستمع إلى مطالبنا ثم نسمع بأنهم مصممون على استخراج الغاز الصخري ما الذي يعنيه هذا“، وتقول أخرى بعد أن أماطت اللثام عن وجهها: “لهم الشمال إن أرادوا وليستكشفوا هناك فالغاز الصخري موجود في كل مكان.. نحن جزائريون ولنا قرار في هذا الوطن وعليهم أن يستمعوا إلينا كفانا تهميشا“..
ضحينا من أجل الوحدة الوطنية ولسنا عملاء للخارج
بين الفينة والأخرى كان لزاما أن يغطي الموجودون وجوههم بسبب الرمال التي تتناثر بالمكان ومرات أخرى يغطون وجوههم عن لفحات الشمس التي لم ترحمهم فهي حارة رغم برودة الشتاء، الأرض فراشهم والسماء غطاؤهم.. نسوا لوهلة أو تناسوا الغاز الصخري وكان حديثهم منصبا على ما جرى يوم السبت من مشادة بين المواطنين والشرطة. تقول شابة تجاوزت الأربعين طلبت أن ننقل عنها حديثها لأن الجميع فوضها للحديث فهي جامعية حاصلة على الليسانس في الأدب العربي، سألتها “الشروق” عما تغير حتى خرجت النسوة رغم طابعها المحافظ: “مازلنا محافظات وأنت ترين كيف أننا نغطي كامل أجسادنا ولا تظهر سوى العيون.. إنه الضغط الذي يتعرض له أبناؤنا وإخوتنا ما جعلنا نقرر مقاسمتهم إياه“.. ونحن في غمرة الحديث إلى الشابة، تلوح لنا عجوز في الثمانين بيدها النحيلة وهي ترتدي “التيسغنس” ذي اللون الرمادي تطلب منا الالتحاق بها. استجبنا لها فكان الحديث أكثر عمقا: “من يقل إننا نستجيب للأيادي الخارجية وأن من يحركنا أيادي خارجية أقل لهم إننا متنا من أجل هذا الوطن والصحراء جزء من الوطن، انظري إلى الساحة أي علم مرفوع هناك هل هو لبلد آخر غير الجزائر، ليتوقفوا عن المزايدة في الوطنية، أما من يقولون إننا نمارس السياسة فأنا حتى طريقة الانتخاب لا أعرفها فكيف أمارس السياسة“، تتحدث وهي تتنفس بعمق وتستسلم للسعال من مرة إلى أخرى فهي أيضا كانت ضحية القنابل المسيلة للدموع، عيناها ذات اللون المائل إلى الرمادي أحاط بها الاحمرار، “غمونا بالكريموجان بصح ماراناش موليين اللور“..
بالقرب منها تجلس أخرى شديدة السمرة ترتدي حجابا وتغطي وجهها بلحاف أخذته من جزء من خمارها، السيدة “فاطمة. ع“، وهي أرملة وأم لثلاثة أطفال تروي يومياتها منذ بداية الوقفة خصوصا وأنها تعيل أبناءها، فتقول: “لا أغادر المنزل حتى أحضر الطعام ثم أرافق جاراتي إلى هنا نقضي نصف اليوم ونعود إلى المنزل في منتصف النهار ثم نعاود الالتحاق بالساحة لنغادرها ليلا أما الرجال فيبقون هنا، ومن المحسنين يحصلون على وجبات العشاء، وهكذا مضت الأيام دون أن يحرك أحد ساكنا“.. الغريب في الأمر هو ترديد الأطفال الصغار للعبارات ذاتها المنددة بالغاز الصخري، الأمر أصبح تلقائيا فالسيارات والمحلات وحتى بعض السكنات تحمل هذه الشعارات، وتقول “زهرة. ش” هي الأخرى شابة بدا من حديثها أنها مثقفة وتعي جيدا ما تقول: “إن كان التكسير الهيدروليكي غير مضر فليستكشفوا غازهم هذا بالشمال“، قبل أن تعود إلى مسيرة تلقائية نظمها متمدرسون خرجوا من أقسامهم فكانت مسيرتهم أكثر تنظيما وأكثر تعبيرا، “نحن نقول إنه لا أحد له مصلحة فيما يحدث لا نحن ولا المصالح الأمنية، رغم أنهم عاملونا بعنف ورموا بالأكل أرضا وضربوا أبناءنا غير أننا لا نحقد عليهم بل نتعجب لأمر السلطات التي لم تتحرك حتى لتنظر في مطالبنا“، وتسترسل: “منذ سنوات لم نطالب بالتنمية فالبطالة تضرب أطنابها والفقر يمس أبناء أغنى منطقة ومع ذلك لم نتحرك ولم نحتج.. لم يفكروا فينا منذ الستينات واليوم عندما تذكرونا قالوا الغاز الصخري.. وعندما طالبنا بحقنا وجدنا العصا في انتظارنا“.
رشيد نكاز يغازل المحتجين…
غادرنا تلك الوجوه الشاحبة لذوي القلوب الطيبة من أبناء الصحراء، ناس الجود والكرم الذين ورغم قساوة الوضع شملونا بجودهم وابتسامتهم، وتنقلنا إلى حيث يقبع الجنس الآخر، هناك وحيث يتجمع الرجال كان شاب يقف من حين إلى آخر وينادي وسط الجمع: “يحيا الجيش“، التحية إلى الجيش كانت من الجميع فهو من فض المشكل، “هم أبناؤنا ويشعرون بما نشعر وتحركوا لأجلنا وليس ضدنا“ – يقول شيخ أنهى صلاته للتو فقد أذن للمغرب ونحن رفقتهم ننتظر مجيء رشيد نكاز الذي صنع الحدث على مدار يومين كاملين–، تكفل بالإمامة أكبرهم وصلى الجميع على الرمل ركعاتهم الثلاث، قبل أن ينفضوا ما التصق بوجوههم من الرمل، وتزامنت الركعة الأخيرة مع وصول نكاز الذي رافقه موكب من أبناء عين صالح، حيث تكفل بإلقاء كلمة مقتضبة جاء فيها أنه معهم ضد الغاز الصخري وأنه ليس بعين صالح من أجل ممارسة السياسة، ووعدهم بالعودة في اليوم الموالي، مرددا معهم النشيد الوطني الذي يبدو أنه بدأ يتقنه..
فرنسا ترفض التنقيب في بلادها وترسل شركاتها للتنقيب عنه عندنا
بدأ بعض من الجمع في المغادرة، وغير بعيد عن مكان الوقفة، وقف شيخان طاعنان في السن، يقول أحدهما لـ“الشروق” إنه اليوم الثاني الذي يأتي فيه إلى الساحة لأنه مريض ولا يتحمل السير على الأقدام قرابة عشرة كيلومترات، فهو ينهي عمله في الحقل قبل أن يلتحق بالساحة خلال اليومين الأخيرين: “ما يقوله الشعب أنا معه ما أعلمه هو أن الغاز الصخري يضر بالصحة ويقضي على الثروة المائية وهذا سيضر بنا جميعا“، (يضحك) ويغادر رافضا منحنا اسمه ليتكفل الشيخ الثاني بالحديث: “نحن متخوفون من الغاز الصخري ولا نريده نهائيا. قضيته لا نقبلها. لا أحد حاول إفهامنا جوهر القضية“.
أما الحاج محمد الذي قال إنه من مواليد 1941، فكان تعليقه قاسيا فيقول: “حتى فرنسا التي تعاني الأزمة لم تستكشف فيه هناك وترسل شركاتها لتجرب فينا. لقد مر زمن الاستعمار ورڤان تكفينا لا نريد رڤان أخرى في عين صالح“.
الجميع في عين صالح متفق على عدم التزحزح من المكان، إلى أن تتراجع السلطة عن قرار الاستكشاف.. “الصمود” سيتواصل هكذا يقولون، رغم الظروف القاسية التي يعيشونها لم يتراجعوا..