لا ديون خارجيّة… وهذه نقاط قوة الاقتصاد الجزائري!
خطوات إيجابية بالنمو خارج المحروقات وخروج الجزائر من لائحة “غافي”
أزيد من 51 مليار دولار في احتياطي النقد والعجز المالي تراجع خلال 2025
92.6 دولارا تقدير سعر برميل النفط الجزائري وارتفاع السعر سيكون إيجابيّا
أكد صندوق النقد الدولي استمرار الأداء القوي للاقتصاد الجزائري، مع تسجيل نمو حقيقي بلغ 3.9 بالمائة خلال سنة 2025، مدفوعا أساسا بقوة الاستثمار واستمرار توسع النشاط خارج قطاع المحروقات، ولم يغفل التقرير عن نقطة قوة مهمة، تتمثل في بقاء الدين الخارجي عند مستويات منخفضة جدا، إذ قدره بـ1.1 بالمائة من الناتج خلال 2025، متوقعا تراجعه تدريجيا إلى 0.5 بالمائة بحلول 2031، وجاء ذلك في ختام مشاورات المادة الرابعة مع الجزائر لسنة 2026، التي اختتمها المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي في 11 سبتمبر الجاري، ونشر نتائجها في 21 سبتمبر. ويجري الصندوق هذه المشاورات بصورة دورية مع الدول الأعضاء للوقوف على تطورات اقتصاداتها وسياساتها المالية والنقدية، قبل عرض تقييماته على المجلس التنفيذي.
وسجل الاقتصاد الجزائري بحسب نسخة التقرير التي اطلعت عليها “الشروق”، نموا حقيقيا بنسبة 3.9 بالمائة في 2025، مقابل 3.7 بالمائة في 2024، فيما يتوقع أن يحافظ على وتيرة قوية خلال 2026 بنمو يقدر بـ3.8 بالمائة، ويعكس ذلك، وفق التقرير، استمرار مساهمة الاستثمار في دفع النشاط الاقتصادي، مع تسجيل قطاع غير المحروقات نموا بـ4.3 بالمائة خلال 2025، مقابل 1.3 بالمائة لقطاع المحروقات، وتبرز هذه الأرقام، بحسب الصندوق، استمرار اتساع مساهمة النشاط غير النفطي في النمو، إذ يتوقع أن يحقق هذا القطاع نموا بـ4 بالمائة خلال 2026، ثم 3.6 بالمائة في 2027، و3.3 بالمائة في 2028، قبل أن يستقر في حدود 3 بالمائة إلى 3.1 بالمائة خلال السنوات اللاحقة. أما قطاع المحروقات، فيتوقع أن ينمو بـ2.7 بالمائة في 2026، قبل أن يسجل تراجعا محدودا في 2027 و2028، ثم يعود إلى النمو ابتداء من 2029.
توقعات بمواصلة النمو
وبالنسبة إلى السنوات المقبلة، يتوقع صندوق النقد أن يتراجع نمو الناتج المحلي تدريجيا مع استقرار الدورة الاستثمارية وتغير الظروف الخارجية، ليبلغ 3.1 بالمائة في 2027، ثم 3 بالمائة في 2028 و2029، و2.9 بالمائة في 2030 و2031. وفي المقابل، يظل الناتج المحلي الإجمالي في مسار تصاعدي بالقيمة الاسمية، إذ يقدره الصندوق بـ43,024 مليار دينار خلال 2026، مقابل 37,389 مليار دينار في 2025، على أن يرتفع إلى 45,041 مليار دينار في 2027، ثم 47,662 مليار دينار في 2028، وصولا إلى 56,830 مليار دينار في 2031.
كما يتوقع الصندوق ارتفاع نصيب الفرد من الناتج المحلي من 5,997 دولار في 2025 إلى 6,733 دولار في 2026، ثم إلى 6,979 دولار في 2027، قبل أن يسجل تراجعا طفيفا في السنوات التالية ليستقر في حدود 6,860 دولار في 2031.
وفي الجانب المتعلق بالأسعار، أشار صندوق النقد إلى أن التضخم انتقل خلال الفترة الأخيرة من مستويات منخفضة إلى مسار أعلى قليلا، ويتوقع أن يكون ارتفاع التضخم خلال 2026 مؤقتا، مع تقدير متوسط التضخم السنوي عند 5.5 بالمائة، قبل أن يتراجع إلى 3.5 بالمائة في 2027، ثم يستقر في حدود 3.8 بالمائة خلال السنوات التالية.
ومن بين العناصر التي يرى الصندوق أنها تدعم الآفاق القريبة للاقتصاد الجزائري، توقعه تحسن أسعار المحروقات خلال 2026، وهو ما من شأنه دعم إيرادات التصدير والإيرادات العمومية، ويقدر الصندوق سعر تصدير النفط الجزائري عند 92.6 دولارا للبرميل خلال 2026، مقابل 69.4 دولارا خلال 2025، قبل أن يتراجع تدريجيا إلى 82.4 دولارا في 2027، و77.7 دولارا في 2028، ثم 75.2 دولارا في 2029، و73.3 دولارا في 2030، و71.8 دولارا في 2031.
ويرى الصندوق أن تحسن أسعار المحروقات يمثل فرصة مواتية لإعادة بناء الهوامش المالية والخارجية، مع التأكيد في الوقت نفسه على أهمية الاستفادة من هذه الظروف لتعزيز قدرة الاقتصاد على مواجهة تقلبات أسعار الطاقة مستقبلا.
العجز المالي يتحسن
وفي المقابل، أشار صندوق النقد إلى أن الأداء القوي للنمو رافقته ضغوط أكبر على المالية العامة، رغم تسجيل تحسن نسبي في العجز خلال 2025، وقدر الصندوق العجز المالي بـ10.5 بالمائة من الناتج المحلي في 2025، مقابل 14 بالمائة في 2024، موضحا أن هذا التحسن استفاد، من بين عوامل أخرى، من توزيعات استثنائية من المؤسسات العمومية وبنك الجزائر، غير أن الصندوق يرى أن مستويات العجز لا تزال في حاجة إلى مزيد من التخفيض، وهو ما يجعل تعزيز الهوامش المالية أولوية خلال المرحلة المقبلة، خاصة في ظل ارتفاع احتياجات التمويل وتزايد الدين العمومي.
وعلى المستوى الخارجي، سجلت الجزائر احتياطي نقد يبلغ 51 مليار دولار في 2025 وتبقى الاحتياطات، وفق تقديرات الصندوق، قادرة على تغطية 8.1 أشهر من واردات السلع والخدمات خلال 2026، ويتوقع الصندوق تحسن الحساب الجاري خلال 2026، مع تراجع العجز إلى 1.9 بالمائة من الناتج المحلي، مستفيدا من تحسن أسعار المحروقات وانخفاض الواردات، قبل أن يستقر العجز في مستويات محدودة نسبيا خلال السنوات اللاحقة.
مؤشرات إيجابية بالبنوك مع مواصلة تعزيز الاستقرار
وفي القطاع المصرفي، سجل الصندوق نقاطا إيجابية، مؤكدا بقاء البنوك الجزائرية في وضعية سيولة وربحية جيدة، مع مستويات رأسمال معتبرة، وفي المقابل، أوصى بمواصلة تطوير أطر الاستقرار المالي، وتحسين الرقابة المصرفية وإدارة الأزمات والسيولة، إلى جانب تعزيز حوكمة البنوك العمومية، مع متابعة مخاطر القروض المتعثرة والروابط المالية بين الدولة والمؤسسات العمومية والبنوك.
وفي جانب آخر، رحب صندوق النقد بخروج الجزائر من قائمة مجموعة العمل المالي الخاصة بالبلدان الخاضعة للرقابة المعززة في مجال مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، معتبرا الخطوة إيجابية. ودعا في المقابل إلى مواصلة تنفيذ الإصلاحات المرتبطة بهذا المجال واستكمال التوصيات المتبقية، بما يعزز سلامة النظام المالي ويرفع مستوى اندماجه في المنظومة المالية الدولية.
وفي ما يتعلق بتنويع الاقتصاد، رحب الصندوق بالجهود الجزائرية الرامية إلى توسيع قاعدة النشاط الاقتصادي وتقليص الاعتماد على المحروقات، معتبرا أن تحقيق نتائج أكثر استدامة يمر عبر تعميق الإصلاحات التي تتيح للقطاع الخاص القيام بدور أكبر في النمو والاستثمار.
ويقترح الصندوق في هذا السياق مواصلة تحسين مناخ الأعمال والاستثمار، وتوفير تكافؤ أكبر للفرص بين المؤسسات العمومية والخاصة، وتقليص العراقيل التنظيمية أمام المستثمرين، إلى جانب الحد من حجم الاقتصاد غير الرسمي وتعزيز الحوكمة والشفافية.
وتظهر بيانات الصندوق استمرار الوزن الكبير للاستثمار في الاقتصاد الجزائري، إذ بلغ الاستثمار 48.9 بالمائة من الناتج المحلي في 2025، مع بقائه عند مستويات مرتفعة نسبيا خلال السنوات اللاحقة.
ويقدر الصندوق الاستثمار الحكومي عند 9 بالمائة من الناتج في 2026، وهو مسار ينسجم مع الدعوة إلى رفع كفاءة الإنفاق والاستثمارات العمومية، وليس فقط التحكم في حجمها؛ وعلى مستوى التمويل، يتوقع صندوق النقد نمو الائتمان الموجه للاقتصاد بنسبة 9.6 بالمائة خلال 2026، مقابل 7.8 بالمائة في 2025، قبل أن يتراجع تدريجيا إلى 6.3 بالمائة في 2031، كما يتوقع نمو الكتلة النقدية بنسبة 11.5 بالمائة في 2026، مقابل 6.9 بالمائة خلال 2025، مع استمرار نموها خلال السنوات التالية بوتيرة أكثر اعتدالا.
الدين الخارجي يبقى عند مستويات منخفضة جدا
وفي المقابل، يحافظ الدين الخارجي للجزائر على مستوى منخفض جدا مقارنة بحجم الاقتصاد، إذ بلغ 1.1 بالمائة من الناتج المحلي خلال 2024 و2025، ويتوقع الصندوق تراجعه إلى 1 بالمائة في 2026، ثم إلى 0.5 بالمائة في 2031 ويمثل هذا المؤشر أحد عناصر القوة في الوضع الخارجي للجزائر، حتى مع الدعوة إلى إعادة بناء الاحتياطات وتعزيز القدرة على مواجهة الصدمات الخارجية.
وفي توصياته، لا يدعو صندوق النقد إلى تغيير حاد في السياسة الاقتصادية، وإنما يشدد على ضبط مالي تدريجي يراعي الظروف الاجتماعية والاقتصادية، مع العمل على رفع الإيرادات غير النفطية وتحسين مردودية الاستثمارات العمومية وترشيد الإنفاق بصورة تدريجية.
كما يوصي بمراجعة دعم الطاقة بشكل تدريجي، مع ضرورة مرافقة أي إصلاحات في هذا المجال بإجراءات تستهدف حماية الأسر الهشة، إلى جانب تحسين إدارة المالية العمومية ووضع إطار مالي أكثر وضوحا واستنادا إلى قواعد محددة.