لا ركن في الإسلام يفرض اعتزال الفن!
أكدت المطربة سعاد بوعلي في حوار مع الشروق أنها لم تعلن يوما عن اعتزالها، مبدية أسفها من سياسة التهميش التي يتعرض لها مطربو الأغنية الوهرانية التي دفعت بالكثيرين منهم إلى اتخاذ الغربة ملجأ لهم، كما دعت الجيل الجديد من الفنانين إلى التحلي بالمسؤولية في انتقاء كلمات أغانيهم وألحانها في سبيل الحفاظ على التراث الجزائري وإيصاله إلى العالمية.
– أولا حدثينا عن سبب غيابك عن الساحة الفنية لسنوات؟
— غيابي عن الساحة كان خارج إرادتي، فأنا لم أفكر يوما في ذلك، إلا أنني غيبت رغما عني، بعد أن تعمد الكثير من متعهدي ومنظمي الحفلات عدم استدعائي إلى مختلف التظاهرات الفنية في وهران وخارجها، وبما أنني انتمي إلى الجيل القديم الذي يحرص دائما على احترام نفسه وفنه لم أتجرأ يوما على دق الأبواب للمطالبة ببرمجتي، فعزة نفسي تمنعني من ذلك، بالإضافة إلى ظروف جائحة كورونا التي استمرت لثلاث سنوات علقت بسببها جميع النشاطات الثقافية والفنية في الجزائر والعالم فأثرت سلبا على أداء الفنان وظهوره.
– هل يمكن اعتبار تداول “اعتزالك” سببا في غيابك؟
— أنا لم اعتزل يوما، ولم اعلن عن ذلك أبدا، انما الكثير ممن تداولوا إشاعة اعتزالي ربطوها بأدائي لفريضة الحج، وفي الحقيقة لا أجد سببا للاعتزال، خاصة وأنني منذ بداياتي حرصت على تقديم فن نظيف، سواء من ناحية اللحن او الكلمات لكبار الشعراء والملحنين،ا ضافة إلى انه لا يوجد اي ركن من اركان الإسلام فرضه علينا الله سبحانه وتعالى وفرض علينا بالمقابل التخلي عن الفن لأجله، فالاسلام قبل كل شيء اخلاق، تربية ومعاملة.
– شاركت مؤخرا في مهرجان الأغنية الوهرانية، فكيف كانت اجواء لقائك بجمهورك؟
— بالنسبة لي الأغنية الوهرانية حقي المشروع الذي اكتسبته منذ صغري، وبالتالي المشاركة في الحدث الوحيد في هذا الطابع أمر مشرف، خاصة وأنني من بين الأسماء التي يتم إدراجها في هذه التظاهرة منذ بدايتها، فأصبحت مشاركتي موعدا قارا مع جمهوري الذي أمتعته بأغنيتين جديدتين بعنوان “عندي هدرة” من كلمات المرحوم بلحضري بلحضري، واغنية “ما تسألنيش” من كلمات محمد لكحل بالإضافة إلى أغنية “مانيش انا” التي اشترك في تلحينها جميعا عبد الله بن احمد الذي رافقني كقائد أوركسترا في حفلتي التي نالت اعجاب الجمهور وتقاسمنا معا اجواءها المميزة بعد سنوات من الغياب.
– رغم عراقة الأغنية الوهرانية، إلا أنها بقيت محدودة من ناحية الأصوات النسائية المؤدية لها، لماذا؟
— تتعرض الأصوات المؤدية للأغنية الوهرانية للتهميش وهذا امر مؤسف للغاية، فعلى غرار الراحلتين صباح الصغيرة وصورية كنان، اضطرت حتى الأسماء المعروفة في السنوات الماضية إلى الهجرة خارج الوطن امثال سامية بن نابي ومليكة مداح، ورغم بروز جيل جديد من الأصوات الشبابية المؤدية لهذا النوع الموسيقي، الا انهم لم يمنحوا المجال واسعا في الإبداع فيها بسبب اعتقادهم انها ستلاقي نفس مصير الأغنية الشرقية في الجزائر، وهذا اعتقاد خاطئ، لكن رغم هذا أحيي فئة من الفنانين الشباب الذين ظلوا محافظين على الطابع الوهراني بإعادة أدائهم لأغاني احمد وهبي وبلاوي الهواري وهذا دليل على وجود ما يمكن تسميته “بالصحوة الفنية” التي سمحت لهم بإبراز قدراتهم الغنائية عبر مختلف برامج المسابقات في الوطن العربي وتمثيل التراث الجزائري وفنانيه الكبار احسن تمثيل في الخارج بالاختيار الصحيح لهذا النوع الموسيقي العريق.
– في رأيك، هل يستدعي أداء الأغنية الوهرانية تكوينا خاصا للفنان؟
— ليس بالضرورة ان يكون المؤدي نفسه كاتبا وملحنا لأغانيه، فموهبته في الأداء مهمة، لكن عليه الإلمام بقواعد الأداء والتعامل مع الجوق، بالإضافة إلى التزامه بالكلمة النظيفة واللحن اللائق، فالحمد لله الساحة الفنية الجزائرية تتوفر على اسماء لامعة في كتابة الكلمات والتلحين الذين لهم الفضل في صناعة عدة نجوم ليس فقط في الأغنية الوهرانية، بل في مختلف الطبوع الموسيقية الجزائرية.
– بعد خبرتك في الأغاني الوطنية، كيف تفسرين عزوف الجيل الجديد عن أداء هذا النوع؟
— الأغنية الوطنية ليست حكرا على جيل معين، إلا ان الكثير من الفنانين يتساءلون عن مصير أغانيهم الوطنية بسبب ارتباطها بـ”المناسباتية”، فلو كان هناك برنامج خاص بالأغنية الوطنية لتوسع اهتمام الشباب بها، ولعل اطلاق المسابقة الخاصة بالأغنية الوطنية مؤخرا بادرة خير لتشجيع الشباب على أداء الأغنية الوطنية وبالتالي نتفاءل خيرا بتخرج العديد من الأصوات والأغاني الوطنية الجديدة من هذه المبادرة التي نتمنى استمرارها والاستثمار في الطاقات الشبانية الموهوبة لتسليمها المشعل قصد الحفاظ على الأغنية الوطنية.
– ما هي رسالتك للجيل الجديد من الفنانين؟
— لا شك ان من بين عوامل نجاح أعمدة الفن الجزائري من الجيل القديم هو التزامهم بالتراث الجزائري والحفاظ عليه ونقله على احسن وجه نحو العالمية، لكن هذا لم يأت من العدم، بل من العمل الجيد والمدروس واحترام دور كل عنصر في المجال من كاتب وملحن وموسيقي ومغن وبالتالي فإن السبيل إلى تحقيق النجاح والاصطفاف إلى جانب هؤلاء الكبار يكمن في حسن اختيار الكلمة النظيفة واللحن اللائق مع السعي إلى تلقي التكوين الموسيقي الذي سيفتح امامهم الأبواب لتقديم اعمال ستبقى راسخة في التاريخ لتتداولها الأجيال من بعدنا مثل ما حصل مع الموروث الموسيقي العريق الذي تركه عمالقة الفن الجزائري من بلاوي الهواري واحمد وهبي وغيرهم ولازلنا نتداوله ونعيد أداءه حتى الآن وبكل فخر.