-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
قائد الطلبة والشبيبة "الأفلانية" سابقا عبد العزيز بلعيد في حوار لـ"الشروق":

لا علاقة للجنرالين زروال وتوفيق بمضايقة مهري!

الشروق أونلاين
  • 9363
  • 8
لا علاقة للجنرالين زروال وتوفيق بمضايقة مهري!
الأرشيف
عبد العزيز بلعيد

يجزم رئيس جبهة المستقبل عبد العزيز بلعيد ببراءة الرئيس الأسبق ليامين زروال من المضايقات التي تعرض لها المرحوم عبد الحميد مهري بعد إبعاده من الأمانة العامة لجبهة التحرير الوطني مطلع 1996، وهو نفس الحكم الذي يسحبه على القائد السابق لجهاز المخابرات الجنرال “توفيق”، مؤكدا أنّ مسؤولين أقل في الدولة، وصفهم بالمتزلّفين، وقفوا وراء متاعب الرجل في أواخر حياته.

وبخصوص الأزمة التي عصفت بمنصب مهري، يوضّح قائد الطلبة والشبيبة “الأفلانية” سابقا، في حوار مع “الشروق”، أنّ البعض ركب موجة الإطاحة تحت عنوان “المؤامرة العلميّة” لتقمّص دور الأبطال، لكنّ الحقيقة مختلفة، وهي برأيه عمليّة مدبّرة، تجنّدت لها على كافة المستويات، وعن طريق الترهيب والترغيب جيّشت أعضاء اللجنة المركزيّة للتوقيع على لائحة سحب الثقة، مشدّدا على أنّ مهري، بحكمته وإخلاصه للجبهة، آثر الانسحاب في هدوء على تفكيك الحزب بالصراعات التنظيمية.

كما يتعرّض القيادي السابق في “الأفلان” لمواقف شخصيّات أخرى مهمة على الساحة السياسية، على غرار المرحوم الشيخ محفوظ نحناح، قائلاً إنه حضر لقاء “سانت جيديو” ثم انسحب بتخطيط من نافذون في السلطة آنذاك، كما اتهم وزير الخارجية الأسبق أحمد عطاف بحرمان مهري من جواز سفره الدبلوماسي.

وعن حليفه السابق في رئاسيات 2004 علي بن فليس، فقد نعته المتحدث بالغريب عن هياكل الأفلان في 1990 حينما دشّن المكتب السياسي من بوابة وزارة العدل.

 

كيف تمّ تعيين عبد الحميد مهري على رأس الأمانة العامة لجبهة التحرير الوطني في 1989، هل كان خيار الرئيس الشاذلي بن جديد أم اقتراح قيادات الحزب؟

“سي مهري” يعرفه الجيل الأول من المجاهدين كامل المعرفة في أخلاقه العالية ومؤهلاته السياسية وتفكيره الناضج وحنكته الدبلوماسية، لكن بالنسبة لجيل الشباب وقتها فقد كان فعلا اكتشافا غير مسبوق، لأن الرجل ظلّ مغيبًا عنّا، هم يعرفونه منذ الحكومة المؤقتة التي شغل فيها العضوية لمرتين، لكنهم بعد الاستقلال رموه إلى مدرسة تكوين المعلمين في بوزريعة، لأنّ بومدين لم ينس له مواقفه من قيادة الأركان في صراعها على السلطة مع جماعة يوسف بن خدّة، وظلّ مهمّشا، ولم يتمّ تعيينه في الأمانة العامة لوزارة التربية إلا مطلع السبعينيات، وعن طريق وساطة من آخرين حتى يحصل على سكن وظيفي، لأنّ “سي مهري” بقي سنوات من دون سكن يأويه، لقد عانى الرجل حقيقة لكنه لم يغيّر مواقفه أبدا فهو صاحب مبادئ.

 

لكن مصطفى الأشرف أبعده مرة أخرى في 1977 ضمن طرد “جماعة المدرسة الأساسية”؟

صحيح، وبهذا الخصوص سأٌقول لكم معلومة يجهلها الجميع، وهي أنهم حينما قرّروا تنحيته في بداية زمن مصطفى الأشرف، بعث إليه عبد المالك سلال الذي كان مستشارا في الوزارة، ليبلغه أن الوزير قد أنهى مهامه كأمين عام، دخل “سلال” إلى مكتب مهري، غير أنه بقي يلفّ ويدور، متردّدا في مكاشفته بالأمر، حياء واحتراما وتقديرا لشخصيته الكبيرة، حتى ضحك مهري قائلا له: لقد أرسلوك لكنك استحييْت منّي، لا عليك فقد اتصل بي الرئيس بومدين البارحة وأخبرني بقرار التنحية. 

 

نعود إلى ملابسات اختياره على رأس “الأفلان” في مطلع التعدّدية، هل كان رجل المرحلة آنذاك في تقدير الشاذلي وقيادة الحزب؟

بالضبط، هذا ما حصل، لقد عيّنوه لأنهم كانوا يبحثون عن ملامح شخصية “الشريف مساعدية”، وكان من الصعب جدّا أن تحصل على قائد يملأ مكان مساعديّة، كما أنّ المرحلة تقتضي رجلاً ليس منغلقا بل متفتحا ومحاورا ومثقفا، وعنده ميزة ليست عند الآخرين، وهي المكوّن الديني، فلم يكن أمامهم سوى اللجوء إلى استدعاء عبد الحميد مهري، فهو ابن زاوية ويحوز كل المواصفات السابقة، بدليل أنه نجح في المهمة الموكلة إليه، حيث استطاع مجادلة “عباس مدني” في عز أيام “الفيس”، وتمكّن من امتصاص غضب الشارع يوم كانت “جبهة التحرير” ترشق، وبعد مجيئه أصبح الحزب محترما. إذن السلطة كانت تبحث عن رجل المرحلة الذي تواجه به الجماهير والنخب والأحزاب فوجدت ضالتها في “سي مهري”.

 

هل وجدتم فيه أنتم كمناضلين وقيادات شبابية تحديدا ما تطلعت إليه السلطة من مؤهلات ومواصفات؟ 

شخصيّا تقربت من المرحوم “مهري” لما صار أمينا عاما للحزب، حيث كانت العلاقة الوطية باسم الشبيبة والطلبة، وكعضو لجنة مركزية كذلك، عرفناه من الناس الذين يتعاملون بالحكمة والحنكة والتبصّر، كان يملك منطقا أخلاقيا في العمل السياسي، أبدا لا تسمع منه كلاما قبيحا أو جارحا في حق أحد، لأنه رجل عاش بأخلاق وتربية عالية، وأظنها ميزة تخصّ الكثير من جيل الثورة، مثل محمد الصالح يحياوي والشريف مساعدية وغيرهم من الإطارات الذين كانوا مناضلين في حزب الشعب ثم الثورة، فهم عند الاختلاف يبقى الاحترام سائدا بينهم، لا يقذفون بعضهم، وكلمة “سي” كانت دائما على أفواههم في التعامل مع الأشخاص.

لكن للتاريخ أقول أيضا إن المرحوم “سي مهري” اهتم بالجانب السياسي في الحزب كثيرا خلال عهدته على حساب الجانب التنظيمي، لأنه كان يرى أن المرحلة تفرض العمل السياسي، ولم يكن لديه أي حقد أو كراهية للناس ولا الأحزاب الأخرى والمنافسين، بل كان يتحاور مع الجميع من دون استثناء.

لما تكون لديه فكرة يسعى لتحقيق الاجتماع حولها، وخلال الاجتماعات كل تدخلاته وكلماته هادفة وموجهة بما فيها النكت، وكان له أسلوب لطيف في إقناع محدّثيه، أتذكر في يوم من الأيام، وخلال تحضير المؤتمر السادس، أنّ المجاهد عمار بن عودة قال إنّه آخر مؤتمر يحضره، ليرد عليه مهري بحكاية شعبية من التراث، قائلا له: يحكى أن “شيخ قبيلة” في إحدى القرى طلب من سكانها أن يحضروا لترا من الحليب ويضعوه ليلا في حوض كبير لاستقبال ضيف وافد على القرية، حتى يُظهر مدى كرم الناس في قريته، لكن أحدهم فكّر بحيلة، حيث قدم الماء بدل الحليب، وحينما طلع النهار، تفاجأت القبيلة أنّ الحوض كان مملوءا بالماء، لأنّ الجميع فكّر بنفس منطق الرجل الأول، وهكذا أفهم “مهري” بطريقة لبقة وطريفة صديقه “بن عودة” أنّ الجميع يحضّر للرحيل. 

 

هل فعلا أن المرحوم مهري رمى المنشفة في اجتماع للجنة المركزية عام 1990 وأقنعتموه بالعدول عن الاستقالة؟

نعم، حصل ذلك، حيث وصل إلى لقاء اللجة المركزية، ثم خرج على أساس أنه مستقيل، لكن “الجماعة” ذهبت إليه، وعلى رأسهم رابح بيطاط ومحمد الصالح يحياوي، وأقنعوه بالعودة، فوافق بشرط أن لا يقترح هو تشكيلة المكتب السياسي الجديد، مثلما ينص عليه القانون الأساسي للحزب، حيث يقترح الأمين العام بينما تتولى “اللجنة المركزية” تزكية القائمة أو الأعضاء.

لكن “سي مهري” طلب من اللجنة المركزية الاقتراح عن طريق لجنة ترشيحات ترأسها “سي يحياوي” والرائد صديقي نائبا له، في حين كان المتحدث مقررا لها، وهذه اللجنة أفرزت مكتبا سياسيا من بين أكثر من سبعين مترشحًا، ودخله لأول مرة علي بن فليس.

 

هل أفهم من كلامكم أن “مهري” ظلّ مرتاحًا في قيادة الحزب إلى غاية لقاء “سانت جيديو” في 1995؟

المشكل بدأ فعلا مع لقاء المعارضة في “سانت جيديو”، حيث اجتمع قبله بقليل الرئيس ليامين زروال مع ممثلي الأحزاب لبحث مخارج الأزمة، وقد حكى لي مهري أنّه حضر رفقة عبد العزيز بلخادم وعلي بن فليس للرئاسة، طالبين من الرئيس تنظيم ندوة وطنية أو ما يشبهها في الجزائر لوقف سفك الدماء، فأجابهم زروال أنه على استعداد، بل طلب منهم أن يذهبوا لمقابلة عباسي مدني وعلي بلحاج، هذا الثنائي، مثلما هو معلوم، اشترط الخروج من السجن والتمتّع بالحرية قبل التفاوض، وإلا فإنّ من يمثل قيادة “الفيس” المحل هما رابح كبير وأنور هدام، غير أن الأخيريْن رفضا دخول الوطن كذلك.

 

لكن بعد ذلك توجّهت الأنظار نحو عقد لقاء في الخارج؟

بعد فشل اتصالات “مهري” و”جاب الله” وغيرهما لقيادة “الجبة الإسلاميّة” المحلّة في السجن، انطلقت فكرة البحث عن بلد في الخارج لاحتضان اجتماع المعارضة، كانت هناك مقترحات عديدة، لكن الآفاق كانت مغلقة، فاقترح على ما أظن الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله، اللقاء في كنيسة “سانت جيديو” بروما، حينها وجّه “سي مهري” رسالة إلى رئاسة الجمهورية وكذا وزارة الخارجية لمعرفة رأيها في الموضوع، دون أن يتلقّى أي رد من الجهتين، وبذلك مضى الرجل رفقة الآخرين في تنفيذ اللقاء.

 

لكن الرجل تعرّض لهجوم لفظي رسمي عنيف بعد عودته من “سانت جيديو” رغم أنه استشار مؤسسات الدولة ولم تتفاعل معه؟

هذا الأمر أثّر كثيرا في نفسيته وحزّ في قلبه، لقد رموْه بالخيانة عن طريق نشرة الأخبار على التلفزيون العمومي، لقد انزعج من الفضاضة الإعلامية والسياسية في حق مساره وتاريخه وجهاده بسبب موقف مخالف.

 

بعض قيادات الحزب تؤكد أنّ مهري تصرّف بصفة انفرادية في حضور “لقاء روما” لأنّ اللجنة المركزية فوّضت المكتب السياسي في القرار وليس الأمين العام؟ 

غير صحيح إطلاقا، اللجنة المركزية ناقشت الخيارات، والأغلبية وافقت على المسعى، كما أنه استشار المكتب السياسي أيضا، على أساس أنّ اللجنة المركزية كلفته وبعلم الجميع، وبالتالي لم يتصرف بمفرده أبدا.

 

يعني أنها كانت فقط حجّة لعملية الإطاحة بالرجل من الأمانة العامّة؟ 

لما راح إلى روما ثم رجع بدأت حملة إعلامية كبيرة ضدّه، لتتطوّر إلى عريضة لجمع توقيعات لإزاحته من قيادة الحزب، لكن قوبلت بالرفض، سمّوها “الانقلاب العلمي”، بينما في الحقيقة الدولة كاملة تجنّدت للإطاحة به، ومن ظهروا على المسرح وقتها لا يستطيعون أبدا إبعاد رجل في وزن مهري، لقد انخرطت عدة أجهزة تابعة للدولة عن طريق الولاة ومسؤولين آخرين للضغط على الأعضاء محليّا ومركزيّا، حيث منحوهم امتياز التقاعد كنواب برلمانيين بصفتهم الحزبيّة فقط، ومن كانت لديه مشكلة ما، أيا كان نوعها، تم تسويتها.

 

العملية شملت حتّى محسوبين على مهري وربّما مقربين منه؟ 

لما وصلنا إلى انعقاد اللجنة المركزية وصلت لائحة “سحب الثقة” إلى الأمين العام، فوجد أشخاصا يثق فيهم ضمن الموقعين، حينها قرّر الانسحاب، ولولا ذلك لما استطاع أحد إزاحته من المنصب، لأنّ تشكيلة اللجنة المركزية كانت منقسمة والفارق في النهاية بين المؤيدين والمعارضين كان فقط 3 أو 4 أصوات.

 

يعني لو عزم مهري على البقاء في موقعه لتمكّن من ذلك؟ 

هذا ما أؤكده شخصيا، لو أراد الاستمرار في الأمانة العامة لفعل ذلك، وقد دعوناه للاستمرار، ولكنه قال لنا “أنا أعلم ما لا تعلمون”، لقد فكر الرجل الحكيم في مصير الحزب، ولم يرد أن يلحق بالتنظيم والمناضلين سوءا، فاختصر الطريق بوعي وأخلاق عالية.

 

كنت على رأس تنظيم جماهيري مهم في موازين القوى، كيف تمّت محاولة التأثير على موقفك؟

خضعنا لمساومات وضغوطات لتأييد حركة الإطاحة، وعندما بدأت العملية كلفوا مسؤولي الجهاز التنفيذي في الولايات ومندوبي الأمن بالمهمة، وعلى المستوى الوطني، كل قيادي كلفوا به شخصية كبيرة يمكنها التأثير عليه، مثلا أنا شخصيّا اتصل بي المجاهد عمار بن عودة، وخاطبني بمنطق أن الجمهورية في خطر، بمعنى يجب إبعاد مهري لينسجم موقف الحزب مع خيارات السلطة، فقلت له أنا لا يمكن أن أوقّع ضدك ولا ضد مهري، كلاكما وطني ومجاهد، فجرتم الثورة، ويوم تجتمع اللجنة المركزية كل واحد يحسم قراره بحريّة.

 

هل صحيح أنّ المعارضين للإطاحة بمهري لم يشملهم امتياز التقاعد كنواب إلا بعد مدّة وبتدخلات كبيرة؟

فعلا، هناك مجموعة كبيرة رفضت التوقيع ضدّ مهري، ولما منح لزملائهم في اللجنة المركزية حق التقاعد البرلماني، بقي 70 عضوا عالقا، وكل واحد من هؤلاء عالج قضيته بصفة فرديّة وبطريقته الخاصّة، لكن الأخطر أنّ “الأفلان” أصبح هشّا منذ تلك الضربة.

 

هل بعد “بن عودة” استقبلت وساطات أعلى للضغط عليك؟

اتصل بي عمار زقرار الأمين العام برئاسة الجمهورية آنذاك وغيره، لكن بقي الموقف نفسه، لأنها قضية مبدأ، ثم إنّ “سي مهري” رحمه الله لم يرتكب أيّ خطأ، كان يبحث عن حلّ سياسي، وضمن توجهات وخيارات ورؤية الحزب، وقد ذهبت السلطة في مرحلة لاحقة أبعد من وصفة “سانت جيديو”.

 

هل تعتقد أنّ “مهري” كرّس فعلا مؤسسة الحزب المستقل خلال عهدته؟

لقد لعب دوره السياسي بامتياز، ولأول مرة أحسسنا كقيادات ومناضلين أن “الأفلان” كان مستقلا، حيث لم يعد أداة ولا وسيلة ولا مطية، دون أن نتكلم عن عهد الحزب الواحد، لأنها مرحلة مختلفة.

في عهدة مهري، حيث عاشت البلاد الصراع المحموم، كان الحزب مستقلا في مؤسساته وقراراته، ومع ذلك، كان “سي مهري” متفتحا على النقاش والحوار، ولكن لما يتخذ القرار صعب أن يغير قناعته، لأنّ الرجل لا يتخذ المواقف بسرعة، وهنا أسرد لكم نكتة في السياق، في يوم ما التقينا بعد سنوات من الفراق، قلت له بكل عفوية: أين أنت يا سي مهري، فردّ عليّ بجواب سياسي: أنا في موقفي الذي تركتموني عليه ولم أتحرك.

 

نعود للإطاحة، هل كان لمؤسسة الرئاسة دور في العملية بطريقة مباشرة؟

كان لها دور كجزء من السلطة في ذلك الوقت.

 

بمعنى آخر، هل كان لزروال مشاكل مع مهري؟

الرئيس ليامين زروال كانت له مشاكل أكبر مع الإرهاب والأزمة الاقتصادية والسياسية وغيرها، لكن كان حوله محيط فيه كثير من الحساسيات، ومنهم متطرفون سياسيا في رؤيتهم لمعالجة الوضع وفق قاعدة “الكل أمني”، ومع ذلك كان بينهما احترام كبير ولم يتكلم عنه أبدا بسوء. 

 

لكن الأكيد أنّ زروال كرئيس كان منزعجًا من موقف مهري؟

بالتأكيد كان منزعجا من خياره السياسي، لأن مهري بمفرده عطل سياسة النظام كاملا، لم يستطع أن يتحرك من دونه، أتذكر أنني قلت له يوما في فترة “سانت جيديو” لماذا لا تتكلم وترد، فأجابني أنا لم أتكلم ورأيتم ماذا حصل، فكيف لو أتكلم؟! لقد كان إنسانا صبورا، حتى المؤسسة الأمنية لم يذكرها أبدا إلا بتعبير السلطة الفعلية، وهو ناحت هذا المصطلح، لأنه يستخدم عبارات تؤدي الفكرة دون المساس بالآخرين.

 

ما هي الأدوات التي استعملتها الرئاسة مع القيادات الوازنة في الحزب؟

في ذلك الوقت كان إقناع إطارات الحزب يجري تحت شعار أن “الجمهورية في خطر”، وبالتالي لا حوار مع هؤلاء، والخيار الوحيد هو الحل العسكري، هناك ربما من اقتنع، ويوجد من يريد الحفاظ على علاقاته مع السلطة، لأنّ أغلبية الإطارات كانت على ارتباطات مع السلطة، فهم مسؤولون ومنهم وزراء وغيرهم، إذن يستجيبون بسهولة، بينما بعض القيادات كانت متحرّرة، ظلت على مواقفها مستقلة.

 

يعني أنه يوجد قيادات ضدّ مهري عن قناعة مبدئية؟

بصراحة.. قليل جدا من كان ضد مهري عن قناعة ومن البداية، وحتى هؤلاء تشعر أن وراءهم منْ يدفعهم ويحركهم في الخفاء.

 

مثل منْ؟

مثل المرحوم عبد الرزاق بوحارة وصالح قوجيل، هذا الثنائي كان يهاجم مهري في كل موعد داخل الحزب، وفي كل مرة يتسببان في مشاكل داخل اللجنة المركزية، لكن نحن نعلم مع منْ كانا يجتمعان في السهرات الليلية. وهناك من يواجهه لكن باحتشام، لأنهم يعرفون أخلاق مهري ونضاله.

 

هل كانت هناك لقاءات جماعية موسّعة مع جهات رسمية للإطاحة بمهري؟

لا.. خلال تحضير لائحة سحب الثقة تركّز العمل مع الأفراد، وجيء بكل واحد بطريقة خاصة، وبالمناسبة بعض مناضلي الولايات كانت لهم مواقف جد متقدمة، ومن درجة الخوف لم يحضروا اللجنة المركزية.

لكن التعبئة تمت بصفة فردية، ومع كل شخص بما يناسبه بين الترغيب والترهيب وحلّ المشاكل وليّ الذراع، لأنهم يعرفون من أين تؤتى القيادات، وفي النهاية ظهر من يتزعم الانقلاب ضد مهري، بينما في الحقيقة أن أول من تحرك ضده هما بوحارة وقوجيل، حيث عارضاه داخل اللجنة المركزية، وبعدها جاءت التوقيعات باسم مصلحة الدولة.

 

بخصوص لقاء “سانت إجيديو”، هناك رواية تؤكد أنّ بلخادم وبن فليس دفعا مهري للمشاركة ثم تركاه يحضر منفردا؟ 

بلخادم وبن فليس رافقا مهري في الحوار مع الرئاسة، وكانا متقدمين عليه في طرحهما فيما يتعلّق بملف الحوار والمصالحة. 

 

السؤال لماذا تركاه يذهب وحده إلى روما؟

كل واحد مع أيّ جهة يتعامل ومرتبط، هي حسابات تخص أصحابها، لكن في الموقف العام يظهر لي أن بلخادم وبن فليس ظلاّ ثابتين على موقفيهما.

 

لماذا تحمّستم وقتها كشباب في اللجنة المركزية مع مهري؟

الذين دافعوا بشراسة عن مهري هم مجموعة الشبيبة، وهي التي أخذت موقفا متطرفا، بل عطلنا اللجنة المركزية لأجل مهري، لأنها كانت فئة متحرّرة من المصالح، ولشعورها أن الرجل يتعرض لـ”الحقرة” والظلم.

 

بعض القراءات لموقف مهري من السلطة بعد توقيف المسار الانتخابي في 1992، تفسّرها بخلافه الأيديولوجي التاريخي مع “ضباط فرنسا”، باعتباره منحدرا من حزب الشعب العروبي الإسلامي؟ 

ليس صحيحا في تقديري على الأقل، لأنّ موقف مهري من الجيش ثابت، وهو مبني في تفكيره وفق أولوية السياسي على العسكري منذ الثورة ثمّ الحكومة المؤقتة ثم قيادة الأركان وبعد الاستقلال، لهذا عاقبوه، مثلما أسلفت، بالتعيين في مدرسة تكوين المعلمين، وهو وزير لمرتين في الحكومة الجزائرية المؤقتة، لقد بقي دائما بموقفه ولم يتغير، عبارته الشهيرة “السياسيون هم آباء على العسكريين”، تلك هي خلفية علاقته وموقفه من الجيش، البعض يعتقد أنه يكرههم، وهذا غير حقيقي، بل هي قاعدة ثابتة في فكره، وليست مشكلة مع أشخاص، لم تتغير كأمين عام، وظلّ يعمل ويناضل لإبعاد الجيش على العمل السياسي خلال الأزمة، مؤكدا على لعب السياسيين لدورهم.

 

إذن مسألة الثقة في مجموعة “ضباط فرنسا” ليست مطروحة لدى مهري؟

لا، أبدا، ليس لديه هذا المشكل، فهو يتعامل مع الجميع، قضية “ضباط فرنسا” كانت داخل الجيش، مهري لا يتكلم حولها أبدا كفئة، بل يطرح موقع العسكري في إطار الدولة الديمقراطية والمدنية.

 

بعد انسحاب مهري من الأمانة العامّة، السلطة الفعلية التي أزاحته هي ذاتها التي رشّحت خليفته بوعلام بن حمودة، فكيف دخل مولود حمروش “لعبة مغلقة” سلفا؟

صحيح أنّ السلطة التي رشحت “بن حمودة” هي التي أطاحت بمهري، لكن حمروش ذهب إليه مناضلون وطالبوه بالترشح، وهم كتلة مهري داخل اللجنة المركزية، فهو لم يرغب في الترشح من منطلق الطموح الشخصي، وحظوظه كانت قوية في الفوز، بدليل أن الفارق كان 4 أصوات فقط مع منافسه بن حمودة.

 

البعض تحدّث عن “خيانة” تعرّض لها حمروش أيضا من محسوبين عليه؟

ما حدث لمهري تكرّر مع حمروش، في العمل السياسي المناضل يأخذ الموقف الذي يراه صائبا حينما يكون متحرّرا، وحمروش يدرك ذلك جيّدا، لكن “الإخوان” دفعوا به للترشح فاستجاب لهم.

 

هل نجحت السلطة في رهانها على “بن حمودة” لإعادة “الأفلان” إلى بيت الطاعة من الباب الواسع؟ 

“بن حمودة” أعاد الحزب إلى الوضع الأول كجزء لا يتجزأ من السلطة وجهاز داخلها، ضمن مكانته الطبيعية زمن الأحادية.

 

قلت إنّ مهري كرّس “استقلالية” الحزب، هل طبّق بن فليس نفس المقاربة في 2004؟

لا، الأمر مختلف جذريّا بين الحدثين، مهري كان يدافع عن مبادئ يؤمن بها، خاصة الديمقراطية والدولة المدنية واستقلالية الحزب وإبعاد الجيش عن العمل السياسي وفتح حوار بين الجزائريين، وقد جمع كافة إطارات الحزب في بداية عهدته في نادي الصنوبر، أما بن فليس فقد زجّ بالحزب من أجل الترشح في صراع كبير ومشاكل معقدة دفعت الجبهة ثمنها، بدليل أن الحزب ظل تابعا للسلطة مطلع الألفية الثانية، حتى أبدى رغبته في الترشح للرئاسيات، فرفع شعارات الاستقلالية، لكن دون مبادئ أو قيم سياسية.

 

هل تصرّف بن فليس بطريقة خطأ على خلاف مهري برأيك؟

مهري سياسي ومناضل منذ عقود، أما بن فليس فقد دخل اللجنة المركزية من بوابة الوزارة، لم يكن في قسمة أو محافظة أو خلية، جاء من القضاء والمحاماة والحكومة إلى الحزب، وهو لا يعرفه إطلاقا، على غرار الكثير من الإطارات التي لم تتربّ على النضال، بل دخلت متأخرة، إذن مستحيل أن يفكروا بنفس المقاربة أو المنطق والرؤية. 

 

في بداية الحوار، تحدثت عن دور الشيخ نحناح، أليس من الغريب أنّ الرجل هو صاحب فكرة مكان “سانت إجيديو” مثلما تقول، لكنه ينسحب لاحقا، هل لديك معلومات بخصوص موقفه الطارئ وقتها؟

مشاركة الشيخ محفوظ نحناح رحمه في اللقاء كانت مدبّرة مسبقا من طرف جهات رسمية في السلطة، وقد التقى بممثلين عنها قُبيل الالتحاق باجتماع روما، حيث تمّ تأخير موعد إقلاع الطائرة لأجله، ثم انسحب من اللقاء ليجد الصحافة في استقباله بالمطار، ماذا يعني هذا؟ إنها خطة محكمة سلفا، وهذه معلومات موثوقة سمعتها من أشخاص حضروا لقاء نحناح بمسؤولين نافذين في تلك المرحلة، ويأتي يوم نكتبها في مذكرات بالتدقيق، والتاريخ لا يرحم.

 

هل انزعج مهري من تصرف الشيخ نحناح رحمهما الله، وأظن أن العلاقة بينهما كانت أخوية وجيدة؟

“سي مهري” عايش طبخات كثيرة منذ حزب الشعب، ويعرف الأشخاص والمواقف، وبالتالي لا ينزعج، وإن حصل فلن يعبر عن ذلك لأحد، لأنه لا يظهر ذلك حتى في المزح أو الضحك، فقد كانت دوما كلماته معبرة وفي محلها وهادفة. 

 

البعض اتهم لويزة حنون أيضا بالحضور في إطار مهمة استطلاعية؟

هذا كلام قاله عمار سعداني، ربما هو لديه معلومات لا تتوفر لديّ، وبالتالي لا يمكنني الحكم عليها، بينما الآخرون معروف أنهم كانوا صادقين في مواقفهم.

 

هل صحيح أنّ مهري تعرّض للتضييق والضغوطات، حتى في الجوانب الإنسانية، بعد مغادرة “الأفلان”؟

لا أظن أنه عاش مضايقات، لكن هو إنسان لا يطلب شيئا من أحد، لأنه شهم وعزيز النفس. 

 

لكنه مُنع من جواز السفر الدبلوماسي خلال مرض زوجته؟

تلك المرحلة كانت صعبة فعلا، ولم يكن يتكلم عنها، كان يعاني في صمت دون التصريح لأحد.

 

لكن الرجل سعى مع الجهات الرسمية ووجد الأبواب موصدة؟

أظن أن الذين ضايقوه هم مسؤولون في مستويات أقل من الرئاسة أو رأس الجهاز الأمني، لا الرئيس زروال ولا الجنرال توفيق يمكن أن يضايقا مهري، بل متزلفون يريدون أن يكونوا ملكيين أكثر من الملك.

 

لكن الرجل طرق الأبواب؟

أنا متأكد أنّ أبناء الجيل القديم لا يتخلون عن بعضهم مهما كان الصراع، هذا هو الشيء الذي لمسته فيهم، ناضلت معهم وأنا صغير، وجدتهم لا يتفقون نهائيّا أحيانا لكن لا يسمحون في بعضهم إطلاقا لما يتعلق الأمر بالمواقف الإنسانية على الأقل.

 

وزير الخارجية وقتها أحمد عطاف الذي حرمه من الجواز، صرح في السنوات الأخيرة أن القرار كان فوقيا ويتجاوزه؟

غير صحيح، هؤلاء هم الذين يختلقون المشاكل، ويتصرفون باسم الدولة وكبار المسؤولين فيها، تربية زروال وأخلاقه أعرفها جيدا، وأعرف كيف يفكر، مستحيل أن يتخذ مثل هذا القرار. 

 

هل راسل “سي مهري” رئيس الجمهورية حينها حتّى يسمحوا له بنقل زوجته للعلاج في الخارج؟

لا أعلم بذلك، لكن أؤكد مرة أخرى أن جيل الثورة لديه أخلاق خاصة في التعامل مع بعضهم البعض، هل تعتقد أن زروال أو غيره من الرؤساء يمكن أن يسمع أنّ مهري يرغب في نقل زوجته للعلاج في الخارج ويمنعه من ذلك، هذا أمر من سابع المستحيلات، هي تصرفات في مستويات أدنى، وسيكشف التاريخ مصدرها يوما ما، ذلك الجيل لا ينتقم ولا يعاقب في المواقف الإنسانية أو “الخبزة”، لقد كانت لديهم “الرجلة”.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
8
  • abdelmalek

    من انت وكم عمرك حتى تتكلّم عن التاريخ وكانك ضلع فيه...على الاقل قل قالوا او عن فلان

  • الاستاذ ابومحمد

    رجم الله مهري ..شتان بين المناضلين الاحرار والمواطنين الشرفاء وبين اللصوص والفاسدين..مشكلة مهري انه لم يكن فاسدا ولا لصا

  • انيس

    تاريخ الجزائر ليس الجماجم و تصريحات المزيفة لبعض الهفافين لماذا انقلب جيش الحدود باقوة الحديد والنار على الحكومة المؤقتة وهو في الحقيقة عمرو ماشاف الحرب فوق الميدان. ياو كانت لعبة الصفرة تربح ومازالت الى يومنا هذا

  • جلول

    السلام عليكم و مثل ما حصل لمهري ممكن يحصل لاي شخص حسب أقول صاحبنا .عمل سياسة التضييق واحد سحب من الجواز والثاني منع من السفر لأن الرجل رحمه الله ذنب حضر مؤتمر. أين القانون ؟؟ اين العدالة ؟ انا مافهمت شئ ممكن اشخاص يحصر شخصية مثل الاستاذ مهري ولا احد يتكلم و يقول كلمة الحق.لكن عند ربكم تختصمون ,غدا كل واحد ياخذ حق عند رب العباد. الله يرحمك ويوسع عليك.

  • محمد لخضر

    .........ليس صحيحا في تقديري على الأقل، لأنّ موقف مهري من الجيش ثابت، وهو مبني في تفكيره وفق أولوية السياسي على العسكري منذ الثورة ثمّ الحكومة المؤقتة ثم قيادة الأركان وبعد الاستقلال، لهذا عاقبوه، مثلما أسلفت،........هذا هو بيت القصيد .انه الصراع الأبدي بين الجبهة والجيش منذ مما يعرف بمؤتمر الصومام المنقلب على بيان أول نوفمبر الى يومنا.

  • محفوظ

    .....من الخلاصات أن أُناس كنا نعدهم أصحاب رأي سديد فإذا بهم يتآمرون ضد مهري.....وهنا أخص بالكلام السيد بن عودة.....طبعا إذا صح الكلام الوارد عن المصرح به....

  • بدون اسم

    كلامك فيه انا و متغلطناش والحقيقة في الجزائر مدفونة منذ 62 والى الابد- والحل في بلادنا لازم الرجوع الى اصحاب الحق والشرعية الشعبية

  • أبو :شيليا

    كلام جميل ******بارك الله فيك