لا.. يا معالي وزير الشؤون الدينية
ألا يكفي أنه قد تمّ الانقلاب على بيان أول نوفمبر وقيم الثورة التحريرية وإقامة الدولة الجزائرية الديمقراطية الاجتماعية ذات السيادة في إطار المبادئ الإسلامية بعد الاستقلال مباشرة، وتبنّي الخيار الاشتراكي، وتعزيز التوجّه الشيوعي، وتمّ الاعتداء على هوية الشعب وثوابته، والتضييق حتى على “جمعية العلماء” التي مات رئيسها الشيخ محمد البشير الإبراهيمي- عليه رحمة الله- تحت الإقامة الجبرية سنة 1965م؟
-ألا ينص الدستور على أن الإسلام دين الدولة، وفي المادة الـ09 منه: أنه لا يجوز للمؤسسات أن تقوم بما يأتي… ومنها: – السلوك المخالف للخُلُق الإسلامي وقيم ثورة أول نوفمبر، حتى تخرج علينا يا معالي وزير الشؤون الدينية والأوقاف الدكتور محمد عيسى، وأنت الذي يُفترض فيك أن تكون وزيرا للدولة ووزيرا لكلّ الجزائريين وتحترم مشاعرهم الدينية، وتكون الأحرص على احترام الإسلام في هذه الديار، والمسؤول عن الدفاع عن ثوابت الأمة وأحكام الشريعة، لا أن تكون مجرد وزير إداري في منصب سياسي يبرّر ما لا يجوز تبريره؟
هل يمكن يا معالي الوزير السكوت عن إنتاج الخمور وتصديرها وبيعها بالجملة وتصدير لحم الخنزير لخدمة الاقتصاد الوطني وتنويع الصادرات خارج المحروقات ومواجهة أزمة انهيار أسعار البترول وتراجع الإنتاج تحت ذريعة “أن وزير التجارة سيد في قطاعه وفي قراره”، وأنّك تعتذر عن الإجابة عن هذا الموضوع في الإعلام، وأن الأمر يناقش داخل الحكومة؟ بينما تردّ بالثقيل على بوكروح وأنت مشكور على ذلك.
ألم تردّدوا أنكم لن تجيبوا عن انشغالات الشعب الجزائري إلا وفق الكتاب والسُّنة؟ ألم يقل النبي- صلى الله عليه وسلّم-: “لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه وآكل ثمنها”؟ فهل ترضى يا معالي الوزير أن يأكل الشعب الجزائري من مداخيل الخمر ولحم الخنزير؟ وهل تخلّت الوزارة عن حماية الدّين والدّفاع عنه لحسابات السلطة وضرورات المنصب وإكراهات السياسة؟
وهل يمكن يا معالي الوزير أن تبرّر الهجوم على قانون الأسرة ومحاولة الالتفاف عليه بالتعديلات التي حصلت على قانون العقوبات تحت ذريعة “العنف ضد المرأة” وتبرّر ذلك بأنه من “الشريعة الإسلامية”، وأنت تعلم أنّ نصوصا ثابتةً في الكتاب والسنّة تعالج مسألة نشوز المرأة بخلاف ما جاء به قانون العقوبات. فالقانون جاء ليدمّر مؤسسة الأسرة ويلغي “قوامة الرّجل” تحت غطاء عدم التمييز بين الجنسين وتحت ذريعة المساواة بين الرّجل والمرأة، وأنت تقرأ قوله تعالى: “الرّجال قوّامون على النساء..”.
والقانون في مادته 266 مكرّر 01 معدّلة جاء لينصّ أنّه: يُعاقب بالحبس من سنة إلى 03 سنوات كلّ مَن ارتكب ضدّ زوجه أيّ شكلٍ من أشكال التّعدّي أو العنف اللفظي أو النّفسي المتكرّر الذي يجعل الضحية في حالة تمسّ بكرامتها أو تؤثر على سلامتها البدنية أو النفسية، ويمكن إثبات حالة العنف الزوجي بكافة الوسائل”. وأنت تقرأ قوله تعالى: “واللاّتي تخافون نشوزهنّ فعظوهنّ واهجروهن في المضاجع واضربوهن..”، وتعلم أنّ الآية تتحدث عن الزوجة وليس عن كلّ النساء، وتتحدث عن “الزوجة الناشز” وليس عن كلّ الزوجات، وتتحدث عن “الزوجة الناشز حقيقة” والتي لم تنفع معها الموعظة والهجران في المضاجع، وعن الضّرب غير المبرح كتأديبٍ نفسي أكثر منه عقابا بدنيا ولو بعودِ أراك، ومع ذلك نصّ عليه الكتاب والسّنة التي وعدت بالفتوى على أساسهما، وليس استرضاءً للمنظومة التغريبية والقوانين الماسونية الوافدة إلينا عبر بعض مَن بِعْنَ ضمائرهن للشيطان، وقلوبهن لهوى السلطان.
والقانون جاء ليهتك ستر الأسرة وتفكيكها في أروقة المحاكم، والكتاب والسّنة ينصّان على معالجة مشكلاتها في حدودٍ ضيقة بين الزوجين أولا وبعيدا حتى عن سمع وبصر شركاء البيت “الأولاد والوالدين”، فإذا تعذّر فكما قال تعالى: “وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها..” أي بعيدا كذلك عن فضائح المحاكم التي تدمّر الأسرة، وتكون المرأة والأولاد هم أول ضحايا هذا القانون.
هذا القانون الذي رفضه الأغلبية من النواب بمقاطعته وعدم اكتمال النصاب في التصويت عليه، وترفضه حتى النواب النّساء، وهو لا يزال يراوح “مجلس الأمة”، خوفا من المصادقة النّهائية عليه، وهو الذي أثار الرأي العام بموجةٍ من السّخط والرفض.
وهل يمكن يا معالي الوزير أخيرا: أن يتمّ منع جمع التبرعات في بناء المساجد بهذه البيروقراطية الجديدة بعدم السماح بذلك إلا بعد موافقة الوزارة، وكأنه ليست لكم الثقة حتى في ولاة الجمهورية ومصالح الأمن الولائية والجمعيات الدينية المعتمدة وإشراف الأئمة الرّسميين لديكم، مع أنّ الأصل أن الدولة هي التي تتكفل ببناء المساجد مثلها مثل باقي المؤسسات والمشاريع التي تنفق عليها “السلطة” نفقةَ مَن لا يخشى الفقر إلا على بيوت الله؟
لك يا معالي الوزير أن تجد الآلة الحاسبة للأرقام الخيالية لأموال الدولة التي نُهبت في ملفات الفساد المطروحة في العدالة مثل: سوناطراك: 01 و02 وقضية الخليفة وفضائح الطريق السيّار وغيرها، ولك أن تحسب الأموال التي تُنفق على التظاهرات الفولكلورية من الرّقص والمجون والغناء، ولك أن تحسب الأموال التي تنفق على اللاعبين والأندية الرياضية وبناء الملاعب والمسارح ودور الثقافة والمشاريع الوهمية من دون أن تقدّم شيئا للشعب الجزائري، ولك أن تحسب الأموال التي تُنهب تحت غطاء قروض الاستثمار من البنوك ولا نعلم وجهتها ومصيرها.. ما هو حظّ المساجد من البحبوحة المالية للدولة حتى يتمّ التضييق على الشعب الجزائري أن يبني المساجد من عرق جبينه ومن تعب يومه ويقتطعها من لحمه ودمه وقوت أهله؟
الأجدر بك يا معالي الوزير أن تطلق سراح “القانون الخاص بالجمعيات الدينية”، الذي لا يزال يطويه الكتمان وتغتاله البيروقراطية في الأمانة العامة للحكومة منذ 2012م، ويعطّل تأسيس الجمعيات الدينية وتجديد الحالية منها، ويؤدّي إلى منع بناء المساجد وتجميد المشاريع القائمة؟ والله يقول: “وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن منَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا..” (البقرة: 114).
فاتق الله يا معالي الوزير و”أَحْبِبْ مَنْ شِئْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُه، وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَجْزِيٌّ بِهِ، وَعِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ..”.