العالم
المحلل السياسي الموريتاني محمد بن المختار الشنقيطي لـ"الشروق":

“لا يجب على الجزائر أن تقبل الانجرار إلى حرب يصعب كسبها”

الشروق أونلاين
  • 8641
  • 15
ح/م
المحلل السياسي الموريتاني محمد بن المختار الشنقيطي

يؤكد المحلل السياسي الموريتاني محمد بن المختار الشنقيطي، أن الجزائر هي مفتاح الحل في مالي، باعتبارها أكبر قوة من ضمن دول الميدان، كما يحذر في حواره مع الشروق، من جر الجزائر التي اعتبر موقفها جيدا، إلى حرب في مالي يتوقع أن تطول وتدوم وترمي بشرورها على كافة المنطقة.

هل يمكن تقديم ولو بإيجاز”أصول” الأزمة في مالي؟

محمد بن المختار الشنقيطي: للأزمة في مالي بعد تاريخي يرجع إلى صراع الهويات الثقافية والقومية، فقد عجزت دولة مالي عن استيعاب الأقلية العربية-الطوارقية في شمال شرق البلاد، وكسْب ولائها للدولة الوطنية.. وهذا أمر شائع في دول ما بعد الاستعمار هشة البناء، ذات النخب سطحية التفكير، التي لا تعترف بتعدد هويات شعبها ضمن فضاء سمْح يسَع الجميع. لكن هذه المشكلة التاريخية المزمنة فجّرتْها ظروف جديدة أكبر من دولة مالي، وهي بناء قاعدة لتنظيم القاعدة في منطقة أزواد.. بعد أن اكتسب هذا التنظيم عددا من المقاتلين من دول الإقليم، وتعَضَّد بفائض السلاح والمقاتلين الموروث عن نظام القذافي البائد.

.

كيف ترى الحراك الحاصل حول الأزمة في مالي، وهل نجح الغرب في إقناع دول الميدان وجرّها للتدخل العسكري؟

ليس الأمر بالوضوح الكافي حتى الآن، فأهم دول الميدان عسكريا هي الجزائر، ولديها تحفّظٌ قديم على التدخل العسكري، ربما نأياً بنفسها عن منازلة الجماعات المسلحة التي عانت من مواجهتها من قبل.. ولست أدري إن كانت فرنسا والولايات المتحدة أفلحتا في إقناع الجزائر بالتدخل الفعلي حتى الآن.. أما موريتانيا والنيجر فليست لدى أي منهما قوة عسكرية كافية لحسم المعركة، وستكون مشاركتهما -إن تمت- مشاركةً رمزية. وأما دول غرب إفريقيا الأخرى فهي تجمع بين الضعف العسكري ونقص الخبرة في قتال الصحراء ومجاهلها. وتبقى فرنسا وأمريكا تحرّضان على القتال، وتبخلان بدماء أبنائهما عن خوض حرب متحركة حركةَ رمال الصحراء. وغاية ما تريد فرنسا والولايات المتحدة فعله هو الإسهام بالقصف الجوي وترك الحسم الميداني لدول الميدان التي يراد منها دفع الثمن الإنساني لهذه الحرب.

.

على وجه التحديد، هل فعلا ستشارك دولتكم موريتانيا في عملية عسكرية؟

تعيش موريتانيا ظروفا دقيقة بعد إصابة الرئيس الموريتاني في محاولة اغتيال لم تتضح معالمها بعد. ومن العسير التنبؤ بقدرة موريتانيا في هذه الظروف على حسم أمرها حول مسألة التدخل في مالي، فمسألة خلافة عزيز ومستقبل النظام السياسي هما الشغل الشاغل، والهم الأهم في نواكشوط الآن، وأي فتحٍ لجبهة عسكرية في هذه الظروف سيعقد الوضع المعقد أصلا في موريتانيا اليوم. كما أن الرأي العام الموريتاني يعارض بشدة أي مشاركة في الحرب في مالي، لأسباب كثيرة، منها: أنها سيكون قتالا بين أشقاء من أبناء المنطقة تربط بينهم أرحام دينية وثقافية وعرقية، فلا يجوز اللجوء إليه قبل استنزاف كافة جهود الحل السلمي. ومنها أن تجربة موريتانيا في مواجهة القاعدة خارج حدودها تجربةٌ فاشلة ومأساوية، فقدْنا فيها عددا من ضباطنا وجنودنا الذين زج بهم الرئيس عزيز في مغامرات عسكرية لا ناقة لنا فيها ولا جمل. ومنها أن موريتانيا هي الخاصرة الرخوة التي سيتدفق إليها مقاتلو القاعدة إذا ضاق بهم الأمر في صحراء مالي، ومن بين هؤلاء المقاتلين عدد معتبر من الموريتانيين الذين يعرفون مجاهيل التضاريس الموريتانية، ويستطيعون إثارة مشكلات خطرة للدولة الموريتانية الهشة التي تربطها بمالي حدود طويلة جدا تزيد عن ألفيْن ومائتيْ كيلومتر، من المستحيل السيطرة عليها أو سد منافذها.

.

ما قراءتكم للموقف الجزائري الممازج بين الحل السياسي وضرورة محاربة الجماعات الإرهابية؟

أعجبني التحفظ الجزائري على الحرب في مالي حتى الآن، فهو يدل على حكمة سياسية، وعلى تمسك باستقلال القرار الوطني، وأتمنى أن تتشبث الجزائر بهذا الموقف الحكيم، وأن لا تقبل الإنجرار إلى حرب يسهل إشعالها، ويصعب كسبها، ويستحيل حصر شررها.. علما بأن الجزائر هي مفتاح الحل في مالي، عسكريا كان أو سياسيا، بحكم قدرتها العسكرية، وخبرتها الميدانية، ونشاطها الدبلوماسي. أعتقد أن على دول الميدان “الجزائر وموريتانيا والنيجر” أن تتقدم بمبادرات سياسية لحل الأزمة، وأن تستعين في ذلك بجامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، ويكون هذا الحل مما يجمع الإخوة الماليين على كلمة سواء، تضمن لسكان منطقة أزواد الحكم الذاتي، والحفاظ على خصوصيتهم الثقافية واللغوية، ضمن الدولة المالية الموحَّدة، كما يتضمن الحل نزع سلاح المقاتلين غير الماليين بالإقناع والتفاوض، ورجوعهم إلى بلدانهم دون تبعات جنائية. فإذا أصرّ قلة من هؤلاء على الاستمرار في حمل السلاح بعد فتح أبواب السلم أمامهم مُشرعة، فسيكون من السهل تهميشهم وعزلهم اجتماعيا وسياسيا، والتعامل معهم بمنطق الخروج على القانون والسلم الأهلي، لا بمنطق الحرب المفتوحة المدمرة.

.

ماهي الآثار التي ستنعكس على دول الساحل في حال التدخل العسكري؟

إذا بدأ التدخل العسكري في مالي -لا قدر الله- فإني أتوقع أن تكون النتائج مدمرة على المنطقة بأسرها. ولعل من الثمرات المريرة لذلك: انبعاث العنف الأهلي في الجزائر تغذِّيه ظروف الحرب وحركة السلاح والمقاتلين في الفضاء الصحراوي المفتوح الرابط بين دول المنطقة. ومنها احتمال سيطرة مقاتلي القاعدة على مناطق من شرق موريتانيا تتسم بصحرائها الشاسعة وجبالها الوعرة، وهي الجبال ذاتها التي تحصنتْ فيها المقاومة الموريتانية للاستعمار الفرنسي في تلك المناطق بقيادة الزعيم المجاهد “الشيخ ولد عبدُكَ”، ومنها انتشار العنف والاختطاف في النيجر ومالي، ومنها ترحيل بعض عمليات “القاعدة في المغرب الإسلامي” إلى الأراضي الأوربية.. فالأمر أعقدُ مما يراه الذين يدقون طبول الحرب اليوم ومَن ورائهم ممن ينفخون في النار من وراء البحار.

مقالات ذات صلة