لا يوجد بلد في العالم تطور بغير لغته
من البديهي والمعلوم بالضرورة عند أهل الاختصاص في التربية أنَّ أية منظومة تربوية تُبْنَى على أساس التصور الْكُلّي، فالنظرة العلمية الصحيحة تقتضي معاجلة الأمور وفق الشمولية والموضوعية، وليس على أساس التجزئة والتقسيط كما يُرَادُ لِمنظومتِنا التربوية.
وجدير بالتذكير أن التربية والتعليم الناجح الناجع أهَمُّ وسيلة لِتقدُّمِ أي شعب ورُقِيّ كل أمَّةٍ وصَمَّام أمانِ وجودها وازدهارها، فالمنهج العلمي والمنطق السليم والنجاعة والمصلحة تقتضي أن ينطلق بناء المناهج من أُسُسٍ وقواعد يأتي في مقدمتها مشروع المجتمع المتضمن في دستور البلاد، والقانون التوجيهي للتربية والتعليم الذي يَحُثُّ على تكوين المواطن الجزائري المتشبع بِقِيَمِ أمَّتِهِ، المتفتحِ على عصره المتشبثِ بِأديمِ مِصْرِهِ “وَطَنِهِ”، وفق الغايات والأولويات التي تستجيب لمتطلبات المجتمع الجزائري ومقتضيات العصر- أواخر العشرية الثانية من القرن الواحد والعشرين 2016/2021 – تحقيقًا لِمَبْدَإِ الأصالة والمعاصرة، وليس الْعَصْرَنَة التي تعني الذَّوَبَان في الغير.
إنَّ ما يحدثُ للمنظومة التربوية عندنا من تغييرات فوقية ليس لها أساس علمي منهجي، حتى أصبحت المنظومة التربوية كالثوب المرقع “نَقِّصْ في الْعَرْض زِدْ في الطُّول” ، ويبدو أنها استمرار للإصلاحات التي أشرفَ عليها بن زاغو، والتي أثبتت فشلها، ثم إنَّ الجريَ وراء إصلاحات ومصطلحات كما يتضح في تسميتها الجيل الثاني يُخْشَى أن تضيعَ الأجيال بسبب هذا التسرع والاستعجال. ولِحِكْمَةٍ بالغةٍ خاطبَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ موسى – عليه السلام – بِقَوْلِهِ تَعَالَى: “ما أَعْجَلَكَ عن قومك يا موسى” سورة طه الآية 83
نحن أمامَ قضية مَصيرية مُهِمَّةٍ تَتَّصلُ بحاضر الأمة الجزائرية ومستقبلها” ذلك أن الجزائر أمة ذات جذورها التاريخية ومقوماتها الحضارية وهويتها الثقافية” والمنظومة التربوية هي الوسيلة المثلى لتأصيل هذه القيم في نفوس الأجيال” كيف تتحقق هذه الغاية إذا هُمِّشَتْ مواد: اللغة العربية والتربية الإسلامية والتاريخ ؟ في حين أن الشعوب المتقدمة الراقية تعمل على حفظ تاريخها والتعريف به وتَلْمِيعِهِ عبر منظوماتها التربوية والإعلامية والثقافية” إن موادَّ كالرياضيات والفيزياء وعلوم الطبيعة وغيرها من العلوم التجريبية هي علوم بلا وطن عابرة للقارات يجب الاستفادة منها تَأَسِّيًا بأسلافنا في عصر الأَلَقِ والازدهار، وهي التي يعنيها القول المشهور: “اطلبوا العلم ولو في الصين”، لكنَّ الرَّكْضَ وراء التَّوجُّهِ العلميّ الْبَحْت لا يكفي وحده، لا يحقق الغاية ولا يؤدي الرسالة التربوية في غياب الموادّ ذات العلاقة بتربية الشخصية الوطنية: “التاريخ والتربية الإسلامية واللغة العربية” التي لا ينبغي تهوينها وتهميشها لأنها تميزنا عن غيرنا وتحفظ لنا وجودنا وتضمن تواصل الأجيال، وتُنَمِّي في الناشئة قِيَمَ المواطنة والتسامح ونبذ العنف والتزام الصدق والأمانة والتكافل والتضامن والرحمة وروح الإنسانية وحب الجزائر وعشق الحرية واحترام الغير… أينَ يكتسب أطفال الجزائر وبَرَاعِمُها وشبابها مثل هذه القيم والأخلاق إذا تعرضتْ موادّ الْهُوِيَّة للتهوين والتهميش؟ لا يعتقدُ عاقل أن العلوم التجريبية الْبَحْتَة تؤدي هذه الرسالة العظيمة في غياب التاريخ واللغة العربية والتربية الإسلامية. كيفَ تَعَلَّمْنَا:
إذا الشعب يومًا أراد الحياة…. وأخواتِها، مثل:
وإنما الأممُ الأخلاقُ ما بقيت فإن هُمُ ذهبتْ أخلاقُهم ذهبوا
ومثل: أقبلْ على النفس واستكملْ فضائلها فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان
ومثل: وما نَيْلُ المطالبِ بالتمني ولكن تؤخذ الدنيــا غلابـــا
ثم إنَّ أي بناء تربوي مثل بناء المناهج وليس تعديلها – كما هو حاصل الآن – يكون من الأساس:
الابتدائي فالمتوسط فالثانوي، يُحَضَّرُ مشروع المنهاج في خطوطه العريضة حَسَبَ الشروط المعلومة عند أهل الاختصاص، وهي باختصار: تحديد الغايات والكفاءات، ثم المضامين التي تجسدها، واقتراح الطرائق التعليمية لتنفيذها ووسائل تحقيقها، وأساليب التقويم، ومشاركة المؤطر والمربي الذي ينفذ هذا المنهاج، كل ذلك في إطار من الوضوح والواقعية والملاءمة لواقع التلميذ الجزائري وحاجاته، مع مراعاة المرحلة التعليمية، والتكامل داخل المادة الواحدة، ثم بينها وبين بقية المواد الأخرى، التكامل بين المراحل التعليمية الثلاث المعروفة. ثم يُعْرَضُ مشروع المنهاج على المختصين الجزائريين والفاعلين في الحقل التربوي للمناقشة والإثراء بعيدا عن الطرح الإيديولوجي.
وأختم بهذه الحقيقة الْمُسَلَّم بها، وهي أنه لا يوجدُ بَلَدٌ تَقدَّمَ وتَطوَّرَ بغير لغته الوطنية، كما أوجه نداء إلى المسؤولين أصحاب الضمير الحي في هذا الوطن العزيز: رأفةً بأبنائنا الذين أصبحوا ميدان تجارب في الحقل التربوي، تُستوردُ لهم أنظمة تربوية تَجاوزَها الزمن، هَجَرَها أهلُ البلد الذي اسْتُوْرِدَتْ منه، غريبة عن واقِعِ الطفل الجزائري، لا تُلَبِّي مَطالبَ النُّمُو عنده- حَسَبَ تعبير المربين- والنتائج كما يرى الجميع عُنْفٌ وضَعْفٌ، ولا أَخَالُ أنَّ المرحلة التي تمر بها بلادنا مناسبة لإجراء تغييرات تمس بجوهر المنظومة التربوية، وأرى أنَّ مِنْ أهَمِّ أولويات وزارة التربية في هذه المرحلة هي العناية بالتكوين، وأعني بذلك تكوين المربي الكفء: المعلم والأستاذ والمسير والمفتش، وإعادة التكوين والتأهيل لتحسين مستوى الأداء لكل هؤلاء المنفذين للعملية التربوية التعليمية في الحقل التربوي، وتحسين المحيط التربوي للمتعلم والمعلم.