لجنة التكنوقراط في غزة… قبول إسرائيلي مضطرب وصراع خفي على “اليوم التالي”
تكشف ورقة تقدير موقف الصادرة عن المركز الفلسطيني للدراسات السياسية، أن الموقف الإسرائيلي من تشكيل لجنة التكنوقراط لإدارة قطاع غزة لا يمكن فهمه بوصفه خلافًا إداريًا عابرًا، بل باعتباره تعبيرًا عن مأزق استراتيجي عميق تعيشه حكومة الاحتلال في مرحلة ما بعد الحرب، حيث تتقاطع الضغوط الأمريكية مع هواجس فقدان السيطرة على مستقبل القطاع.
بين واشنطن وغزة: قبول اضطراري لا قناعة سياسية
تُظهر الورقة أن إسرائيل انتقلت من اعتراض علني محسوب على تشكيل اللجنة إلى قبول وظيفي اضطراري، مدفوعة بحسابات العلاقة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة. فالحكومة الإسرائيلية، وإن أبدت رفضًا لتركيبة اللجنة والدور القطري–التركي فيها، أدركت أن معارضة المبادرة الأمريكية بشكل مباشر قد تكلفها أثمانًا سياسية وأمنية أكبر، خاصة في ملفات حساسة كالدعم العسكري وإيران.
هذا التحول لا يعكس تغيرًا في القناعات، بل براغماتية تهدف إلى التأثير من داخل الإطار الجديد بدل الوقوف خارجه، مع السعي المستمر لتقييد نتائجه.
مبادرة أمريكية لإدارة ما بعد الحرب لا إنهائها
وفق التحليل، تأتي لجنة التكنوقراط ضمن رؤية أمريكية أوسع لإدارة مرحلة ما بعد الحرب في غزة، وليس لحل الصراع جذريًا. فواشنطن تسعى إلى تجنب الفراغ السياسي، وتقليص الضغوط الدولية على إسرائيل، ومنع عودة حماس بصيغة أكثر مرونة، دون الانخراط في فرض حل نهائي لمسألة السيادة.
ويُدرج هذا التوجه ضمن إطار ما يُعرف بـ”مجلس السلام”، الذي يقوم على نموذج حكم مركّب يتمثل في إدارة فلسطينية محدودة الصلاحيات، وإشراف أمريكي مباشر، ودور إقليمي (مصر، قطر، تركيا) في الإعمار والتمويل.
وهو نموذج لا يؤسس لحكم فلسطيني سيادي، بقدر ما يهدف إلى ضبط القطاع سياسيًا وأمنيًا.
هواجس للاحتلال: حماس تعود من الباب السياسي
تؤكد الورقة أن جوهر القلق الإسرائيلي لا يكمن في الطابع الإداري للجنة، بل في شبكة العلاقات السياسية التي قد تنتج عنها، وخاصة احتمال إعادة تموضع حركة حماس سياسيًا من خلف الكواليس، عبر واجهة تكنوقراطية مدعومة إقليميًا.
كما تخشى تل أبيب أن يؤدي النموذج المقترح إلى تآكل قدرتها على التحكم المنفرد بمسار الحكم في غزة، وتحويل القطاع إلى ساحة نفوذ متعددة الأطراف يصعب ضبطها بالكامل.
انقسام داخلي: الحكومة والمعارضة على طرفي “اليوم التالي”
لا يقتصر الجدل على العلاقة مع واشنطن، بل يمتد إلى الداخل الإسرائيلي نفسه. فالمعارضة، وعلى رأسها يائير لبيد، حمّلت حكومة نتنياهو مسؤولية الفراغ السياسي، معتبرة أن رفضها تبني “الحل المصري” فتح الباب أمام قطر وتركيا.
هذا الانقسام يعكس صراعًا أعمق حول طبيعة الهدف في غزة:
الحكومة اليمينية تركز على الحسم العسكري دون بلورة بديل سياسي واضح.
المعارضة والتيار البراغماتي تدعو إلى حلول سياسية مبكرة لتفادي تدخل أطراف إقليمية منافسة وتقليص كلفة السيطرة.
الإعلام العبري: اعتراف بفشل الربط بين الحرب والسياسة
تذهب الصحافة الإسرائيلية أبعد من رصد الخلافات، لتشخّص فشلًا استراتيجيًا في تحويل الإنجازات العسكرية إلى مكاسب سياسية. فكتّاب مثل آفي زخاروف وناحوم برنيع أشاروا إلى غياب رؤية لليوم التالي، واستبدال الاستراتيجية بشعارات من قبيل “النصر المطلق”، ما سمح لواشنطن والأطراف الإقليمية بملء الفراغ.
وتعكس هذه الانتقادات إدراكًا متزايدًا بأن الخيارات العسكرية الصرفة لم تعد قادرة على إنتاج واقع سياسي مستقر في غزة.
المؤسسة الأمنية: تثبيت المكاسب قبل أي إدارة مدنية
من جانبها، تبدي المؤسسة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية قلقًا من أن يؤدي إشراك قطر وتركيا إلى تآكل ما تعتبره إنجازات ميدانية. وتؤكد على ضرورة الاحتفاظ بالسيطرة على مناطق استراتيجية ومعابر حيوية، معتبرة أن أي حكم مدني لا يضمن تفكيك بنية حماس يمثل تهديدًا مباشرًا للأمن الإسرائيلي.
لجنة التكنوقراط… ساحة صراع لا حلًا نهائيًا
تخلص الورقة إلى أن لجنة التكنوقراط تحولت إلى ساحة صراع جديدة على شكل النظام السياسي في غزة، وحدود النفوذ الإقليمي والدولي، والعلاقة بين القوة العسكرية والشرعية السياسية. وفي هذا الإطار، تبقي إسرائيل خياراتها مفتوحة بين ثلاثة سيناريوهات:
الاحتواء والتوظيف، والإفشال غير المباشر، أو التصعيد العسكري المحدود.
تكشف قراءة المركز الفلسطيني للدراسات السياسية أن إسرائيل تواجه مأزقًا هيكليًا في إدارة مرحلة ما بعد الحرب: فهي عاجزة عن فرض رؤيتها منفردة، لكنها في الوقت ذاته ترفض التخلي عن دورها المركزي. وبين الاعتراض والقبول، تحاول تل أبيب إعادة تعريف نفوذها في غزة دون الدخول في صدام مباشر مع واشنطن أو الفاعلين الإقليميين، فيما تبقى لجنة التكنوقراط عنوانًا لصراع مفتوح أكثر من كونها حلًا مستقرًا.