الرأي

لعبة أمريكا بـ”التنظيم” في شمال إفريقيا

حبيب راشدين
  • 5841
  • 14

التدخل العسكري الأمريكي في ليبيا بشكل سافر مخالف حتى لترتيبات عدوان النيتو الأول يكون فاجأ حتى الحليفين: فرنسا وبريطانيا، فحتى أيام قليلة قبل بداية العدوان الأمريكي على سيرت، كانت التحضيرات جارية لتنفيذ تدخل عسكري فرنسي بريطاني معلن مع وجود قوات برية خاصة من البلدين.

ثم إن المواجهات العسكرية الضعيفة المستوى الدائرة منذ عامين حول سيرت، وتوقف توسّع “التنظيم” لم تكن لتبرر للولايات المتحدة فتح جبهة جديدة معه، خاصة مع إدارة أمريكية مغادرة، لن تستفيد كثيرا من العدوان حتى لو تحقق لها النجاح، وهي التي تخسر يوما بعد يوم المواجهة المزدوجة في العراق والشام مع “التنظيم” كما مع الروس، وتكون بهذا العدوان قد أزعجت حلفاءها الأوروبيين كما أزعجت دول الإقليم، وبالأخص الجزائر التي تخشى من الأمريكيين تكرار سيناريو التدخل الفرنسي في مالي، بكلفة وأعباء أكبر على الجيش الوطني الشعبي.

ثلاثة عوامل متضامنة، وربما متزامنة، تكون قد سرّعت التدخل الأمريكي: الظاهر منها جليا، محاولة إرضاء الحليف التركي بعد فشل الانقلاب الذي اتِّهمت فيه الولايات المتحدة بالضلوع على أكثر من صعيد، حيث يأتي العدوان الأمريكي على سيرت كمنقذٍ لحملة عسكرية فاشلة تقودها “فجر ليبيا” المدعومة من قطر وتركيا، كنوع من تطييب الخاطر لأردوغان.

العامل الثاني جاء من الجارة تونس، التي دخلت أزمة سياسية وحكومية جديدة، انتهت بترحيل حكومة الصيد التي يُحسب لها بعض النجاحات الأمنية في مواجهة المجاميع المسلحة، كانت ستعوق مشروع إنهاء بناء واعتماد القاعدة العسكرية الأمريكية السرية في تونس، وربما تكون الولايات المتحدة قد راهنت على مخاوف الحكومة القادمة من تدفُّق مجاميع “التنظيم” الفارّة من سيرت نحو تونس، لحملها على الموافقة بسرعة على نقل القاعدة من الحضور السري إلى الحضور العلني الرسمي يفرض على تونس وعلى جيرانها حالة من الأمر الواقع.

العامل الثالث مضمر في وجود مصلحة أمريكية أكيدة في تدفق المسلحين مجددا من ليبيا نحو الجنوب، وتحديدا نحو النيجر ومالي ودول الساحل، حيث تشتغل الولايات المتحدة منذ سنوات على خلق حزام  من الفوضى الدائمة، يمتدّ من الصومال شرقا وحتى موريتانيا غربا، يبرر لها حضورا عسكريا دائما، يضعها حتما في موقع منافسة أفضل مع الفرنسيين والصينيين على النفوذ وعلى الثروات في القارة السمراء.

إرسال الإدارة الأمريكية لشخصية عسكرية رفيعة المستوى إلى الجزائر ثلاثة أيام قبل تنفيذ الضربة، أريد له أن يستبق إدانة جزائرية متوقعة للعدوان، فضلا عن تحفيز الجزائر على حراسة أكبر لحدودها، وإشراكها رغم أنفها في توجيه التدفق المفترض للفارين من سيرت إما نحو تونس، خدمة لمشروع شرعنة القاعدة العسكرية الأمريكية، أو نحو الجنوب من أجل إعادة تنشيط جبهة مالي وربما النيجر وشمال نيجيريا. 

غياب تنديد جزائري رسمي صريح، وتعزيز الحضور العسكري على الحدود مع ليبيا، يشير إلى أن الموفد العسكري الأمريكي قد حصل على ما أراد، وأن الجزائر قد تجد نفسها متورِّطة في حرب طويلة الأمد على حدودها الشرقية والجنوبية، تكرِّر سيناريو التدخل الفرنسي في مالي، وتبعاته وأعبائه على الجيش الوطني الشعبي.

مقالات ذات صلة