لعنة العهدة الزائدة
اشتدت الأزمة هذا الأسبوع في كل من الهندوراس والنيجر وذلك بسبب ما يمكن تسميته بنظرية العهدة الثالثة، تلك الظاهرة التي انتشرت خلال السنوات الماضية في الكثير من القارات.
-
وبلغت الأزمة ذروتها في الهندوراس بين رئيس يريد تغيير الدستور للبقاء في السلطة، وجيش يريد التمسك بنص الدستور حتى يتخلص من رئيس شعبوي غير مرغوب فيه. ولما اشتد الخلاف، لم يتردد الجيش من تنحية الرئيس مانوال زيلايا وطرده إلى كوستاريكا المجاورة، وذلك رغم أن عهدته لم تنته بعد.
-
أما في النيجر، فإن الرئيس مامادو طانجة الذي قضى عشر سنوات في السلطة، أراد تغيير الدستور من أجل الترشح لعهدة ثالثة، حسب سيناريو يعرفه الجزائريون جيدا. وطلب الرئيس طانجة من البرلمان أن يبارك له هذه المبادرة، فرفض النواب أن يبايعوه، عكس ما حدث في الجزائر. فقرر رئيس النيجر حل البرلمان.
-
وبعدها توجه الرئيس طانجة إلى اللجنة الدستورية، أي ما يعادل المجلس الدستوري في بلادنا. لكن اللجنة بدورها رفضت أن تفتح له الباب أمام عهدة ثالثة، مما دفع الرئيس طانجة إلى اتخاذ قرار يفرض من خلاله ما يشبه حالة الطوارئ، ويحكم البلاد بالأحكام العرفية ويضع الدستور جانبا. واعتبرت المعارضة في النيجر أن الرئيس ضيع كل مصداقية سياسية أو أخلاقية، وأن ما قام به يشكل انقلابا.
-
أما رئيس فنزويلا هوغو شافاز، فإنه استطاع أن يفرض دستورا جديدا بعد عملية استفتاء. وكانت المعارضة لرئيس فنزويلا قوية جدا، لكنه استطاع بفضل شعبيته أن يفرض الدستور الجديد الذي يسمح له بالبقاء في السلطة إلى الأبد. عكس ذلك، فإن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لم يجد أي عائق في طريقه نحو تعديل الدستور.
-
والظاهر أن لعنة العهدة الثالثة قد ظهرت في السنوات الأخيرة، رغم أن أسبابها تعود إلى الثمانينيات. وفي تلك الفترة، كانت الولايات المتحدة تواجه عددا من البلدان التي يدوم فيها الحكم إلى الأبد، مثل كوبا والعراق وليبيا وغيرها. واجتهدت المخابر الأمريكية آنذاك، وأصدرت فتوى مفادها أن تحديد عدد العهدات الرئاسية، مثلما هو الحال في الولايات المتحدة نفسها، من الممكن أي يؤدي إلى تداول للأشخاص في بلدان الجنوب إذا كان التداول على البرامج مستحيلا. وصادقت عدد من الدول على دساتير جديدة من هذا النوع، ومن ضمنها الجزائر.
-
لكن بعد التجربة، ظهر أن هذه الدساتير أفرزت نتائج غير منتظرة، حيث أن تكرار العمليات الانتخابية يمكن أن يؤدي إلى ظهور أنظمة ذات شعبية حقيقية، تدافع عن مصالح شعوبها، وترفض الخضوع لأمريكا. ويمكن أن نذكر أن الانتخابات التي أدت إلى ظهور قادة معادين لأمريكا في فنزويلا والإكوادور والهندوراس وحتى في البرازيل والشيلي كانت انتخابات ديمقراطية وشفافة.
-
ومن جهة أخرى، فإن البلدان الغربية قد استثمرت مبالغ خيالية في عدد من بلدان الجنوب لما كان الصراع قائما من أجل التحكم في مصادر الطاقة. ويتطلب التنقيب عن المحروقات وبناء أنابيب البترول والغاز واستغلال مناجم اليورانيوم أموالا باهظة، لا تسمح بتحقيق أرباح في ظرف عهدة رئاسية أو عهدتين. ولذلك فإن البلدان الغربية التي كانت تنادي للتداول على السلطة أصبحت اليوم تطلب الاستقرار في بلدان الجنوب، والاستقرار في نظرها لا يتم عبر المؤسسات لكن عبر بقاء الحكم القائم. وهذا ما دفع البلدان الغربية إلى أن تغض البصر إذا اعتدى رئيس في الجنوب على دستور بلاده من أجل البقاء في السلطة.
-
وما يحدث في النيجر يوضح ذلك بصفة مذهلة. فقد اختار الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي ميدان الطاقة النووية كاتجاه استراتيجي لبلاده خلال الثلاثين سنة القادمة. وحتى يتحقق ذلك يجب على الشركة الفرنسية “أريفا” التي تعتبر الرقم واحد عالميا في الميدان، يجب عليها أن تتحكم في مناجم الأورانيوم في النيجر. ولذلك تعمل فرنسا على “”استقرار” النيجر عن طريق بقاء الرئيس طانجة. وهذا ما يشجع رئيس النيجر إلى التمسك بالكرسي وتحطيم مؤسسات بلاده.
-
وهذا التصرف هو الذي يؤدي في الحقيقة إلى عدم الاستقرار، لأن غياب ميكانيزمات تغيير الحكام يدفع حتما إلى المغامرات والانقلابات. ولا يمكن لأي قائد مهما كانت شعبيته أن يتهرب من هذه الحقيقة. ويكفي أن نلاحظ أن القادة الذين رفضوا مغادرة الحكم في ظروف مقبولة أصبحوا يشكلون نموذجا للحكم المتعفن والمتسلط مثل روبار موغابي في زمبابوي وكيم إيل جونغ في كوريا الشمالية وغيرهم. وفي نفس الوقت نلاحظ أن البلدان التي استطاعت أن تضمن نموا اقتصاديا قويا في السنوات الأخيرة هي تلك التي احترمت قواعد التداول على السلطة بعد عهدتين، مثل إفريقيا الجنوبية والبرازيل.