لغز في تعاطي الجزائر مع تهنئة الرئيس الفرنسي
مرت تهنئة الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، لنظيره الجزائري، عبد المجيد تبون، بمناسبة فوزه بعهدة رئاسية ثانية، وبدا أن تعامل وسائل الإعلام الرسمية معها وحتى رئاسة الجمهورية لم يكن كما هو الشأن بالنسبة لتهاني رؤساء وملوك وأمراء الدول الأخرى.
وبالعودة إلى موقع الرئاسة الفرنسية على الأنترنيت، يلاحظ أن التهنئة تم تعميمها يوم الأحد الثامن من سبتمبر مباشرة بعد إعلان فوز الرئيس تبون بعهدة ثانية من قبل رئيس اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات، محمد شرفي، غير أن رئاسة الجمهورية لم تشر إلى هذه التهنئة، كما أن “وكالة الأنباء الجزائرية” التي تعتبر ناطقا شبه رسمي باسم الرئاسة، تأخرت في تعميم البيان بيوم كامل.
ومن خلال تصفح حساب رئاسة الجمهورية في “فيسبوك”، لا يمكن العثور على أي إشارة إلى تهنئة الرئيس الفرنسية، وذلك رغم أن الحساب ذاته أورد تهاني مختلف الرؤساء والملوك والأمراء للرئيس تبون بمناسبة فوزه بعهدة ثانية.
أما وكالة الأنباء الجزائرية ورغم أن تهنئة الرئيس الفرنسية جاءت مساء الأحد (مباشرة بعد إعلان النتائج)، إلا أن نشره كبرقية في وكالة الأنباء تأخر بيوم واحد، وبالضبط على الساعة السادسة مساء وخمس دقائق، وهو فارق زمني معتبر يفقد خلاله الخبر أي قيمة إعلامية.
وجاء توقيت نشر تهنئة الرئيس الفرنسي ضمن مجموعة من التهاني متأخرة جدا عن تهنئة ماكرون، ما يرجح فرضية تعمد عدم التعاطي معها بحرارة، تماما وفق الكيفية التي تعاطت بها رئاسة الجمهورية مع التهنئة، التي اختفت من حساب الرئاسة على “فيسبوك”، عكس بقية التهاني.
وجاء في التهنئة التي كانت شبه غائبة في وسائل الإعلام الجزائرية الرسمية منها والخاصة “قدم رئيس الجمهورية الفرنسية إيمانويل ماكرون تهانيه الحارة لرئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، بمناسبة إعادة انتخابه رئيسا للجمهورية”. وقال البيان إن “فرنسا مرتبطة بشكل خاص بالعلاقة الاستثنائية التي تربطها بالجزائر، في جميع المجالات، سواء تعلق الأمر بالذاكرة والاقتصاد والتنقل بين بلدينا والتعاون في مجالي التعليم والثقافة، وكذلك الأمن ومكافحة الإرهاب”.
واختفت من برقية الوكالة الرسمية مقتطفات من تهنئة الرئيس الفرنسي تتعلق بمجالات التعاون التي تهم الطرف الفرنسي أكثر، على غرار ملف الذاكرة والاقتصاد والتنقل (تنقل الأشخاص) والتعاون في مجال من التربية والتعليم والثقافة، وهي قطاعات يعتبرها الجانب الفرنسي جد حساسة.
وفي قراءة متأنية لما جاء في البرقية، يتبين أن الطرف الجزائري تجاهل دعوة الرئيس الفرنسي للتعاون في ملفات يراهن عليها ماكرون بقوة، وعلى رأسها ملف الذاكرة، الذي قطع أشواطا منذ نحو سنتين من إنشاء اللجنة المختلطة الجزائرية الفرنسية لتهدئة حروب الذاكرة.
كما تم تجاهل دعوة ماكرون للتعاون في ملف المهاجرين غير الشرعيين، وهو ما عبر عنها بتنقل الأشخاص، حيث تزعم السلطات الفرنسية عدم استقبال نظيرتها الجزائرية رعاياها المتواجدين على التراب الفرنسي بطريقة غير قانونية، فضلا عن عدم التحمس للتعاون في المجال الاقتصادي، وهي الدعوة التي تبقى في نظر الجزائريين مجرد كلام يفتقد إلى المصداقية، لأن باريس وعلى مدار عقود من الملاحظات الجزائرية المشككة في جدية الطرف الفرنسي، إلا أن هذا الأخير بقيت وعوده مجرد حبر على ورق، وما قضية مصانع السيارات إلا أبرز مثال على ذلك.
كما تجاهلت الجزائر أيضا الدعوة إلى التعاون في مجالي التربية والثقافة، وهما قطاعان تراهن عليهما باريس بشكل قوي من أجل الحفاظ على نفوذها في المستعمرة السابقة.
وتؤشر هذه المعطيات على أن العلاقات الجزائرية الفرنسية أصابها ضرر كبير، يتحمل الطرف الفرنسي مسؤوليته، وأن إصلاح هذا الضرر يبقى بيد الطرف الفرنسي.