للزبالة والتسول بارونات.. والأرانب والفراخ تربى في العمارات
عندما يبلغ دخل حوالي ثلاثين مليون مصري أقل من دولارين لليوم الواحد، أي حوالي 150 دج، فإن ذلك لن يكون له من معنى سوى أن “الموس قد بلغ العظم” كما يقال.. والسواح الجزائريون الذين قضوا عطلهم في مصر وعددهم بمئات الآلاف شاهدوا أين جرّ النظام المصري أبناء الكنانة الذين صار بعضهم يعيش من البقشيش، وهو أذل من الصدقة، والبقية تعيش على أحلام البقشيش.
- المسلسلات المصرية التي حاولت تصوير مآسي الشعب المصري البسيط، قدمت قليلا من كثير، ورائعة “أفواه وأرانب” لها الكثير مما يشبهها في كل المحافظات.. صور الفقر في مصر لا تعني الأرياف فقط، فهي تبرز بصورة مؤلمة في قلب القاهرة التي يقطنها قرابة العشرين مليونا نسمة، جعلوا من السكن والنقل ورغيف العيش مشكلات بلا حل، فقد حُطم في القاهرة رقم قياسي في عدد الذين ملؤوا حافلة دفعة واحدة بـ200 مسافر، وعجزت السلطة عن توفير السكن، فزحف الغلابى على المقابر، فعاشوا مع الموتى بعد أن قست قلوب الأحياء المسؤولين على أفراد الشعب.
- ووجدت السلطات المصرية صعوبة في إخلاء المقابر، حيث بنى الكثيرون ما يشبه الأعشاش أمام ذويهم الذين توفيوا وغادروا الدنيا الملئية بالجبّارين، وسكنوا في المزابل، ومع مرور الوقت صار لهذه المزابل بارونات يلتقطون الكمية الأولى للمزابل، وبعد عملية استكشاف يتم تحويلها للدرجات السفلى من الذين يقتاتون من المزابل.
- ومن الغرائب أيضا أن عمال الزبالة والكناسين يجدون أنفسهم مطالبين بالبحث عن واسطة حتى يتمكنوا من الحصول على ترقية تنقلهم إلى العمل في زبالة الأماكن الشيك، بينما الذين لا يمارسون الرشوة وليس لهم واسطة، تتم معاقبتهم بنقلهم إلى الأحياء الفقيرة التي لا تكون فيها الزبالة إلا من بقايا الجوعانين والفقراء أما التسول فهو دولة في دولة وشعب يزاحم الشعب..
- وحتى شرطة السياحة في مصر لا تمنع طلب البقشيش الذي هو أذل من التسول، لأن أفراد هذه الشرطة يمارسون طلب البقشيش الذي دخل ضمن يوميات المصريين. المصريون اجتهدوا بحثا عن حلول ولا يكاد يوجد منزل في مصر دون أن تمارس فيه أفراد العائلة مختلف الأعمال، حيث تتحول كل غرفة منه إلى ورشة أو مدجنة، حيث تمارس ربة البيت الخياطة والغسيل وحتى تربية أبناء الأثرياء، وتتم أيضا تربية الدواجن والأرانب.
- وقليلون من المصريين البسطاء من يشتري الفراخ والأرانب من الأسواق لأجل طهي الملوخية، لأنهم يربون هذه الحيوانات والطيور في مساكنهم، ومنهم من يربي المواشي أيضا، هذه الحالة البائسة جعلت المصريين من أكثر الشعوب هجرة، فهم موجودون في كل بلدان العالم، ومن مداخليهم تعيش الملايين من الأسر المصرية التي لجأت دون تدخل الدولة في تحديد نسلها، وفي تأخير سن الزواج.
- في كل دول العالم يبقى الفقر استثناء، لكن في مصر تمكن النظام من أن يجعله قاعدة، وحتى الأثرياء ألبسهم الفقر والتسول، فصار كل من يدخل قاهرة المعز تتهاطل عليه طلبات البقشيش من أكبر مسؤول إلى أبسط موظف، كيف لهذا الحال أن لا يولد من رحمه هذه الثورة المباركة التي سترد للمصريين كل كرامتهم التي حاول فراعنة العصر الحديث طمسها.