الرأي

لماذا الإرهاب على تركيا الآن؟

محمد سليم قلالة
  • 2091
  • 1

لقد بات واضحا اليوم أن الأمريكيين لم يعد يخدم مصالحَهم إستراتيجية الموقفُ التركي المستقل من الحرب الدائرة في أوكرانيا، كما أنه لم يعد بإمكانهم قبول الانتصارات المتتالية التي بات يحققها الرئيس “أردوغان” جراء تَعامله المُحكَم مع الملف الأوكراني من دون الوقوع في فخ معاداة روسيا ولا رفض مطالب أوكرانيا المقبولة. عكس ذلك تماما تمكنت تركيا في الفترة الأخيرة من أن تُصبح مَحطَّ أنظار العالم، سواء تعلق الأمر بملف تصدير الحبوب عبر مضيقي البوسفور والدردنيل، أو زيادة تموين أوروبا بالغاز القادم من أذربيجان عبر خط أنابيب “تاناب” المارّ بالإقليم التركي بنسبةٍ يمكن أن تصل إلى 30 بالمائة. وقبل ذلك كان لقدرتها على جمع المتخاصمين الروس والأوكران على طاولة المفاوضات الأثرُ البالغ على خوف الغرب من تَمكُّنِها من التحول إلى اللاعب رقم 1 في الحرب الدائرة في أوكرانيا، وهو ما يُربك المخطط الأمريكي الرامي إلى إطالة أمد الحرب إلى أقصى وقتٍ ممكن لاستنزاف روسيا وتعطيل تحول مركز العالم من الغرب إلى الشرق بقيادة الصين الشعبية.
إذا أضفنا إلى هذا خشية الغرب من انتصار “أردوغان” في الانتخابات القادمة واحتفاله بمرور ذكرى مائة عام على تأسيس الجمهورية التركية سنة 1923، وكلّ ما سيترتب عن ذلك من نتائج… تبدأ أسباب محاولة زعزعة الوضع الداخلي التركي واضحة.
إن الغرب الليبرالي لا يرغب في نجاح أيِّ نموذج تنموي يتجاوز الجوانب الإيديولوجية في تجربته. إنه يشترط تلازم أيِّ تقدم في العالم باعتناق ما يعتبره نموذجا عالميا للحرية والحكم لم يسبقه إليه أحد! وإلا عَدَّه تهديدا مستقبليا على هيمنته. إذا أرادت أي دولة الفوز برضا الغرب الليبرالي إما أن تعتنق أيديولوجيته وتتبع نظامه في الحياة كما يريد وتتخلى عن كافة تقاليدها، أو هي دولة مارقة تستحق كل العقوبات… وقمة ما يرضيه، أن يتم اعتبار الدين “مسألة شخصية”، والمِثلية الجنسية والإباحية “حقوقا فردية”، وهدم كل أساس ديني لبناء الأسرة أو الوطن “شرطا أساسيا للتقدم”، دون هذا يتم الترويج إلى عدم أهلية هذه الدولة أو تلك للتّرشُحِ والانضمام لمَجمَعه (كما بالنسبة للانضمام للاتحاد الأوروبي). أما عندما يتعلق الأمر بدولة تعتنق الإسلام وتتمسك بقيمه فذلك يُعَدُّ من الممنوعات مهما أعلنت هذه الدولة اعتدالها أو تقاطعها مع قيم الحرية الغربية كما تفعل تركيا. ويَخِفُّ الأمر تدريجيا كلما كانت هذه الدولة تستمد تقاليدها وقيمها من غير الإسلام كالصين الكنفوشيوسية أو روسيا الأرثوذوكسية. ومع ذلك، فإن أي انتصار للقوتين النوويتين الأخيرتين يُعَدُّ في منظور الغربيين في خدمة الدول المنتمية إلى الحضارة الإسلامية وإلى غير الغرب بشكل عامّ، فما بالك لو حدث تقاربٌ بين هذه القوى أو انعدمت العداوة، كما يحدث اليوم بين روسيا وتركيا والصين والعالم الإسلامي؟
إذن فتركيا نموذجٌ لدولة جمعت بُعد التقدم العلمي والتكنولوجي والتمسك بالقيم الوطنية والإسلامية من دون معاداة غير المسلمين داخلها، ودون التضييق على الحريات الشخصية؛ أي أنها تكاد تُقدِّم النموذج المستقبلي لما ينبغي أن تكون عليه دولةٌ عصرية ومُسلمة في الوقت ذاته في العالم الإسلامي. وإذا نجح ذلك، فإنه سيكون نقطة تحوُّل في مصير العالم… والغرب يعرف أن سياسة “أردوغان” المتوازنة هي التي تَمكَّنت إلى حد الآن من تحقيق هذه الغاية في كل العالم الإسلامي، ولذلك ينبغي منعُ انتشارها عبر دول أخرى، بل وكسرها من خلال العمل الإرهابي بعد أن عجزت الوسائل الأخرى.
ولتحقيق هذه الغاية، لا يعدم الأمريكيون وجود جهاتٍ عميلة تقوم بهذا الدور، ولعل هذا ما جعل تركيا ترفض تعزيتهم لها في العمل الإرهابي المشين الذي ضرب يوم الأحد الماضي شارع الاستقلال.
أما ردُّ تركيا الحاسم فسيكون، بإذن الله، في شهر جوان المقبل عندما يلتفُّ الشعب التركي حول الرئيس “أردوغان” ويعيد انتخابَه مرة أخرى.

مقالات ذات صلة