-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

لماذا العربية؟.. لماذا نحن؟

الشروق أونلاين
  • 1951
  • 0
لماذا العربية؟.. لماذا نحن؟

سأحاول في هذه السطور الموجزة الإجابة عن هذا السؤال الذي يحمل معنيين اثنين حتى لا يقال بلاغياً على الأقل إن العربية لغة تاريخية كأصحابها هذا السؤال مؤداه معنويا: لماذا تهاجَم العربية؟ ولماذا يجب أن ندافع عنها؟ في هذا الجزء سأجيب عن السؤال الأول وقبل أن أجيب أو أقدّم ما يشبه الإجابات سأدفع بهذه الحقيقة المحيرة عن العربية إلى ذهن القارئ حتى يكون مستعدا لما هو أغرب.

 حاول معي صديقي القارئ أن تفهم من أي منطلق كان: ثقافي- نفسي – اجتماعي.. ظاهرة تحصل بيننا وعلى مرأى أعيننا دون أن ننتبه إليها نحن، طبعا نعرفها لكننا لا ننتبه إليها، يمكن للعين كتمثيل للعقل البشري أن تلتقط فقط الصور والتفاصيل المركزية من مجموعة هائلة من الصور والتفاصيل حتى إننا إذا قوّمنا قدرتها على الإحاطة بما أمامها برويّة سنجد أن هذه العين في غاية الغباء المعرفي.

أعود إلى الظاهرة التي تحدثت عنها سأصورها بالشكل التالي: افترض أنك طالب في شعبة علم الاجتماع وطلب منك الأستاذ أن تقدم استبانة أو ما يسمونه استبيانا عن عدد الطلبة الذين يريدون بإلحاح دراسة تخصص اللغة العربية وآدابها.. ترى ما سيكون موقفك هل ستقوم بهذه الاستبانة فعلا؟ ماذا لو قمت بهذه الاستبانة؟ ماذا تتوقع أن تكون نتائجها؟ من الممكن جدا أن تطلب من أستاذك تغيير موضوع الاستبانة أو العرض عموما.. يدفعك إلى ذلك رغبتان ممتزجتان هما الحياء والاستعلاء.. ونحن نعلم أن الحياء شعبة من شعب الإيمان، لكننا نعلم أيضا أن أول معصية في الأرض كان سببها الكِبر أو الاستعلاء فحاصل ضرب السالب في الموجب رياضيا هو السالب طبعا، أي أن المسالة سلبية.. هذا يعني أن هناك مشكلة ما؟ هذا مجرد استنتاج من مقدمات، لكن الحقيقة يعرفها الجميع وهي أن أكثر الناجحين في البكالوريا، وفئة منهم قد تكون كبيرة أو صغيرة، نجحوا آليا فقط عن طريق الوسائل المعهودة.. أقول إن أكثر الناجحين في البكالوريا يستحيون من العربية ويستعلون عليها وفي مرحلة متقدمة يحتقرونها.. هناك مفارقات كثيرة جدا في هذه الحقيقة مثلا الطالب الذي ينجح بالغش يحتقر العربية.. الطلبة الذين يتكلمون باللسان العربي يحتقرون لغتهم.. البلاد التي يعيش فيها الطالب بلاد عربية وبيئته بيئة عربية.. لقد رأيت بنفسي كيف لا يضع الطالب الناجح حديثا في البكالوريا في حسبانه شيئا يسمى اللغة العربية وآدابها.

في الحقيقة، فإن أكثر من تسعين في المائة من الذين يدرسون  هذه الشعبة مجبرون على ذلك؛ لأن معدلاتهم لم تؤهّلهم لدراسة فروع أخرى.. طبعا أنظمة التعليم العالي في بلادنا ستمنحك فرصة مثالية للبقاء في مقابل إفناء العربية.. ماذا لو كنت نباتيا وأعطوك لحما مطبوخا لتأكله خمس سنوات كاملة، ماذا سيتبقى منك؟ أنت طبعا هو اللغة العربية وآدابها واللحم المطبوخ هو أنت أيضا أنت والعربية شيء واحد.. كثير جدا من المتخّرجين في هذه الشعبة وبعد قضاء ثلاث سنوات أو خمس سنوات في الدراسة لا يستطيع أن يتكلم جملة واحدة بالعربية.. لا يستطيع أن يكتب فقرة من إنشائه.. كل ما يستطيعه هو أن يكرر بعض ما حفظ وبطريقة عشوائية مثل الاحتمالات في الرياضيات تماما.. الاحتمالات طبعا هي نظرية رياضية – فيزيائية تسعى للبرهنة على الفلسفة المادية التي تنكر وجود الإله، كانت ردا على آينشتاين حينما حاول أن يوجد قوانين تحكم حركة أصغر الجزيئات في الضوء ليعممها على القوانين الكلية للكون ويثبت بذلك أن للكون خالقا يسيّر الكون بقوانين محددة.. لكن ميكانيكا الكم قالت غير ذلك: الاحتمالات العشوائية فقط هي التي تفسّر حركة الكون.. سنردّ نحن فلسفيا على نظرية الاحتمالات من خلال صديقنا طالب الأدب العربي الذي سيمنحنا فرصة ذهبية لدحض هذه النظرية.. إذا كان الطالب لا يستطيع أن يطبق قانونا موحدا لكتابة فقرة أو نص، فهذا يعني أنه لا يفكر بل يكتب بصورة عشوائية.. النص الذي يكتبه ليس نصا خاصا به إذن، بل هو ناتج الاحتمالية وصوابه وخطأه أو ضعفه وقوته ليس مرده إلى الطالب، ولكن إلى الشكل الذي أوجد فيه النص نفسه لحظة تشكله.. فهو ليس نصا إذن.. سؤال آخر: هل العربية سهلة إلى هذه الدرجة التي تجعل أدنى الطلبة علميا يوجهون إليها ويدرسونها.. وبعضهم يتفوق فيها، هذا مع تفوّقه في علامة امتحان البكالوريا في مادة الأدب العربي؟

لقد أوردت كل هذه الأسئلة والاستشكالات لأقول أمرا واحدا هو إن المشكلة لا تكمن في العربية؛ لأنها لم تختر لنفسها مثلا أضعف الطلبة علميا.. لم تقرر أن يكون معدل التوجيه إليها هو أدنى معدل بين جميع الفروع؛ نعم بين جميع الفروع، لاحظوا كلمة (جميع) جيدا.. لم تلزم العربية خريجيها بأن يحدثوا كوارث طبيعية في جملها ونصوصها وفي أثناء الكلام بها.. لم تمنح بنفسها العلامة المرتفعة في امتحانها للطلبة المهترئين.. بصراحة هل يفكر أكثر الأساتذة الجامعيين المختصين بالأدب العربي -وأنا واحدٌ منهم- في توجيه أبنائهم إلى هذه الشعبة المسكينة؟ أم يفكرون في فروع أخرى كالطب والصيدلة واللغات الأجنبية؟ مائة في المائة من الحالات التي كنت أسأل الطلبة الذين يوجهون لدراسة الأدب العربي كما يطلقون عليه، عن رغبتهم، كانت الإجابة بضرورة تغيير الشعبة وكانوا يسوقون أعذارا هامشية حياء منيّ..

أردت أن أقول إن مشكلة تدريس التلاميذ بالعامية في الابتدائي هي مسألة ثانوية نعم لأننا لا يمكن أن نهاجم العربية وأن ندافع عنها في الوقت نفسه.. علينا أن نختار أحد الأمرين.. إذا حدث واخترنا أحد الطريقين، فستكون العربية قد نجت حتى لو اخترنا أن نهاجمها.. لأن العربية عندئذ ستعرف عدوها من صديقها.. ليس بالضرورة أن نقول إن العربية سيئة.. حتى لو قلنا إن العربية عظيمة.. يكفي فقط أن نفعل بعض ما سلف ليكون هجومنا عليها أشد وأعنف وأخبث.. العربية تقول لنا:

فإما أن تكون أخي بصدق فأعرف منك غثِّي من سميني

وإلا فاطّرحني، واتّخذني عدوا أتّقيك وتتّقيني

هوامش:

* المشكلة لا تكمن في العربية؛ لأنها لم تختر لنفسها مثلا أضعف الطلبة علميا.. لم تقرر أن يكون معدل التوجيه إليها هو أدنى معدل بين جميع الفروع؛ نعم بين جميع الفروع، لاحظوا كلمة (جميع) جيدا.. لم تلزم العربية خريجيها بأن يحدثوا كوارث طبيعية في جملها ونصوصها وفي أثناء الكلام بها.. 

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
  • أنا أمازيغي " نوا ويقّْي إيمازيغن" عرّبني الإسلام

    و الله , لقد أثلجت صدري بهكذا كلمات, يا أستاذنا الفاضل, و أنا أحد أولئك الطلبة الذين كان أساتذته يرون له مستقبلا زاهرا في اللغة العربية و أدابها ولكن على قول الشاعر: "ليس كل ما يتمناه الفتى ... تجري الرياح بما لا تشتهي السفن".
    فقد نبغت في الرياضيات و تخصصت في الإعلام الآلي.
    و من منظوري المتواضع أقول أن العربية و الأمازيغية ظلمتا على حد السواء في بلادنا من طرف نظام التدريس العالي الذي مكن للفرنسية على حسابهما فما ذنب الطلبة و أوليائهم إن كان كل مناحي الحياة الهامة في الجزائر تُقضى بلغة المستدمر..

  • محمد

    احسنت التنبيه ...
    فهناك مشكلة حقيقية في توجيه نخبة الجامعات و اقصد بالنخبة المتفوقين من بين المتفوقين نحو الاختصاص الذي يمكنهم من توجيه دفة البلاد كل في اختصاصه وان تكون كعملية رياضية محتومة كان نترك قيادة الطائرة للطيار و ان لا يخطر ببال متفلسف ملفق فكرة اخرى تسقط الطائرة...

  • rida21

    لما كل هذه الردود والمقالات وكل هذه النقاشات:
    عن نفسي أقولها صراحة : بن غبريت بالدارجة (الأم) أمشي بالفرنسية (الأم) ديغاج بالعربية (اليتيمة) أرحيلي إن لم تعجبك عربيتنا وإسلامنا وثقافتنا، أرحلي إلى أمك فرنسا التي لم تطعمك الحنان يوما رغم ما تفعلين من أجل لغتها، أرحلي واتركي ابناء هذا البلد الطيب ربما يأتي جيل يعيد تحرير من قيود (الأم) المفروضة عليه بالتبني(فرنسا) ويرجع إلى أمه الحقيقية (الجزائر).
    إن كنت مقتنعت بما تقولين فرغم غبن الشعب وجهله إلا أنه لن يقتنع بما تقولينه وتفعليتنه.

  • medi

    يكتشف البعض وهو يقرا مثل هذه المقالات القيمة الحقيقية لهذه اللغة في دواخلنا كما يكتشف ما مورس ضدها لاجل اضعافها ثم تهميشها في وطنها فعذرا لغتي فكم نصرناك بالاقوال والاقلام لكن خذلناك ونخذلك دائما بالافعال

  • مواطن

    بل قلها بصراحة :إن الجزائريين فاشلون في كل شيء وليس لديهم القوة لبذل أي مجهود سوى القدرة على السرقة في كل المجالات والاعتكاف في الظل للخوض في الدسائس المخربة للوطن الذي ليسوا أهلا لخيراته.لذلك سلط الله عليهم من يسوسونهم وفق إمكانيتهم.يقول المثل عندنا"لما تفقد البلاد رجالاتها يصبح مؤذنها يهوديا"حشاك.أقولها لك حامية تكوي"اللحم الميت":من مسخ اللغة العربية وأحط من مكانتها هم"المعربون"الجهلة الذين قدموا بضاعة مبعثرة وأتحفوها بكل أنواع المحرمات سلوكا ومعارف سطحية غطوها بمنح الطلبة درجات لا يستحقونها.

  • Adel

    L'école algérienne a connu un déclin de son niveau depuis l'introduction de l'arabisation. Au temps de l'école bilingue , le niveau des élevés était d'un niveau mondiale, les diplômes algériens reconnus . Aujourd'hui l'école dite arabisée forme des analphabètes qui ne maîtrisent aucune langue au discipline , voir des citoyens qui nient leur algériennété

  • merghenis

    الكاتب أستاذ اللغة العربية (جامعة قسنطينة؟) و هو شاعر أيضا.لم أفهم من كلامه إلا أن الطلبة غير متمكنين من التعبير باللغة العربية. و أن ضرب الموجب بالسالب يعطي السالب.
    إقتراح : "نروح" إلى حالة أخرى ونضرب السالب في السالب كي نحصل على الموجب. OK
    Ce que l'on conçoit bien s'énonce clairement
    شكرا يا أستاذ.

  • sofiane

    !! vraiment c'est de n'importe quoi

  • احمد بوعلال

    وكذالك صحافى وقاضى ومحامى وامام ومترجم واستاذ جامعى فالضعف فى هذه الشعبة ينعكس على ادائهم مثلما ينعكس الضعف فى شعبة العلوم على طالب الطب وكذالك فى شعبة الرياضيات على المهندس اقصد هنا التقوق فى مجال الاختصاص نعود الى موضوع اللغة نحن نريد ان نصل فى قضية اللغة العربية الى طالب يركب جملة مفيدة دون اخطاء املائية اونحوية فى مجال اختصاصه ليوصل بها العلم او الفكرة ولانطلب ان يكون سبويها فى اللغة العربية اما المختص فى اللغة العربية وادابها فنطلب منه ان يخرج منها الدرر

  • احمد بوعلال

    كل البلدان التى تقدمت درست العلم بلغتها وقامت بتوطينه بها نذكر على سبيل المثال الكيان الصهيونى حيث رسخ فى مواطنيه قداسة الثوابت الثلاثة لهذا الكيان الغة العبرية ـ التاريخ اليهودى ـ الدين اليهودى. والويل لمن يتطاول عليهما وفى المانيا وبريطانيا يقصى الطالب ان لم يتحصل على معدل مقبول فى اللغة مهما كانت قوته فى المواد الاخرى اما عندنا فى الجزائر غرسوا فى الناس احتقار الشعب التقنية والادبية والاخيرة اشد احتقارا وانه لافائدة من بكالوريا اداب والسؤال المطروح :هل نستغنى عن دبلوماسى متفوق ولامع وكذالك ص

  • الطيب

    ولكن الإشكال يا أستاذ هو لماذا الإصرار على قبول العلاج بالخمرة !؟ فالتدهور اللغوي في المدارس وفي الجامعات وفي جميع مناحي المجتمع واقع لا غبار عليه .. هل الحل هو في اللجوء إلى الدارجة !؟ أي منهج علمي هذا !؟ وأي منطق هذا !؟ أظف إلى ذلك خلفية الذي يريد أن يجعل من الجزائر سوقًا رائجة لسلع أسياده الكاسدة !! نتعلم الجاهلية في المدارس في آخر الزمان !!

  • جزائري حيران

    تابع/ للغة العربية وعدم التخصص فيها بالرغم انهم لهم معدلات عالية جدا في اللغة العربية والتربية الاسلامية وانما المشكل هو اصطدام الطالب في مرحلته اولى الجامعية في تخصص الطب والصيدلة 99في المئة فرنسية هذا هو الاحتقار الحقيقي للغة العربية هل دراسة الطب بالعربية في الجزائرحرام وحلال في جميع الدول العربية انه الاستعمار البغيض الحقود على الثوابت الاساسية للدولة الجزائرية انها الخيانة الكبرى لأهانة مقدسات الامة الجزائرية وعلى رأسها اللغة العربية والتربية الاسلاميةوالتاريخ حيث بنت قدور رمعون نورية غبريط

  • جزائري حيران

    استاذنا المحترم كفيت خيرا ماقدمته من اقتراحات وحلول لمشاكل اللغة العربية اريد ان اوضح وأبين ماكنت اتبعه في مراحل التعليم المتوسط وخاصة الناجحون والموجهون الى الثانوي الى الجذع المشترك ثم التخصص كن في علمك يااستاذ المحترم ان اكبر معدلات نتائج شهادة التعليم المتوسط من 14 الى 19توجه مباشرة الى الطلبة العلميين -العلوم الطبيعية والحياةوعلوم التجريبية رياضيات - هذه رغبة التلميذ النجيب المجتهد وباقي المعدلات من10الى13:99 الى اللغة العربية وآدابها والفلسفة المشكلة ليست في احتقار الطلبة العلميين النجباء

  • بدون اسم

    كلمات في الصميم لربما لا يحب الكثير قراءتها أو سماعها