الشروق العربي

لماذا قاموس الجزائري خال من كلمة “أحبك”؟ !

الشروق أونلاين
  • 17909
  • 34

نادرا ما يقول جزائري لآخر أحبك، فحتى في العائلة قلّما تقال هذه الكلمة، وكأنها عار وضرب من المحرمات، فلا الأب يفصح عنها لزوجته ولا لأبنائه، ولا الأبناء يتجرأون على قولها لوالدهم، كما لو أنها كبيرة من الكبائر، إلا قلة قليلة تختلس نطقها عبر الكلمات المشفرة، الرسائل النصية والمكالمات الهاتفية، حتى صارت الكلمة مقتصرة على الأحبة والعشاق، ولا تقال إلا في حضرة الحب، وفي هذا المقام حديث آخر.

ولأنه من المحيّر ألا نتبادلها كلفظة جميلة ومعبرة، قررنا البحث في الأسباب من خلال جولة سريعة بين ذهنيات بعض الجزائريين من مختلف الأعمار والشرائح .

البداية كانت مع سيدة عجوز، تشارف على ما يبدو من خلال سيل التجاعيد الذي يطمس ما تبقى من توهج عينيها الخضراوين على السبعين، كانت جالسة عند بوابة أحد مراكز البريد والمواصلات بمنطقة حسين داي، وإلى جانبها حفيدتها، التي أتعبتها وهي تركض من زاوية إلى أخرى، تحدثت إلينا بتحفظ كبير وهي تحاول مباغتتنا لترتدي “العجار” الذي طرحته بمجرد ما وطئت داخل المركز: “عيب ما تقولين، هذه الكلمة أفنيت عمري كاملا ولم أنطق بها، فحتى لزوجي لم أقلها وكتمتها في صدري حتى بعد مماته، وحتى هو عليه رحمة الله لم يبادرني بها، الحب لدينا معاملة وليس مجرد كلمة نتفوه بها، هذه الكلمة دخيلة علينا اكتسبتموها من الأفلام والمسلسلات”، وفي إجابتها عن سبب عزوفها وبني جيلها عن استعمالها للتعبير عن مشاعر الألفة والاحترام والحب تضيف: “أين الاحترام في كلمة أحبك؟ نحن لم نترب عليها ومطلقا لم ترد في معاملاتنا لأنها عيب كبير“.

الرجولة والمشاعر شيئان لا يلتقيان!

 تركنا هذه العجوز وقصدنا عجوزا آخر كان يبحث عمن يملأ له صكا بريديا، بعد ما قصم ظهره طابور الانتظار، طرحنا عليه نفس السؤال، فاحمرت وجنتاه خجلا، وهو يحاول تجنبنا: “في حياتي لم أقلها إلا لسؤال حفيدي إن كان يحبني، وعداها لم أستعملها في حياتي، فهذه الكلمة ليست من الرجولة في شيء، وأهلنا ربونا على الحشمة والطاعة، المجتمع اليوم انحلّ، لأن من هب ودبّ صار يكذب على الأشراف وعلى بناتهم بهذه الكلمة”، ولدى إلحاحنا في الحصول عن سبب مقنع لعدم استعماله لهذا المصطلح، حاول إقناعنا بأن: “الرجولة والمشاعر شيئان لا يلتقيان، فلكي تكون رجلا لابد أن تكون قاسيا وصارما، خاصة إذا كنت أبا، ولا يجب أن تختلط بزوجتك أو أبنائك أكثر من اللزوم، فأنت وهي جمعتما لبناء أسرة وهذه رسالتكم، والأولاد ليطيعوا وهكذا”. ولأن مبررات هذا الأخير صدمتنا، غيرنا وجهتنا وهمنا على أمل إيجاد آراء أخرى بعيدا عن هذا الجهل وهذا الإجحاف في حق هذه الكلمة، باحثين عن أسباب أكثر إقناعا.

الجزائري بخيل في المشاعر

تقول الآنسة سليمة، 33 سنة: “رجالنا بخلاء إذا ما تعلق الأمر بالإفصاح عن المشاعر تجاه المرأة التي تعشق كل ما هو رومانسي تعبيري بالفطرة، لهذا هناك دوما في نفوسنا حاجة لكلمات الحب، وفي حال ما إذا التقت إحدانا بجزائري يفصح عن مشاعره ترتاب لأمره وتظنه يتلاعب بها، لأنها عهدت هذا الشيء في وسطها وفي عائلتها، وأي إفصاح يزرع الشك في نفسها، لأن مجتمعنا أهمل هذا الجانب، فنحن بعكس إخواننا المشارقة وحتى الأوروبيين عامة لا نهتم للكشف عن مشاعرنا، لهذا نفتقر للمفردات الملائمة، ربما بفعل مخلفات الاستعمار والإرهاب، فنحن رجالنا كانوا محاربين ومجاهدين ولم يكن لديهم الوقت للحب والتفنن في إيجاد طرق لإيصاله ولتخليده، والدليل أن موروثنا الثقافي لا يحمل سوى قصة واحدة هي لحيزية وحبيبها سعيد“.

الاعتراف بالحب عند الجزائري مسألة كرامة

أنا شخصيا لا أفصح عن مشاعري مهما كانت كبيرة، فهذا يمس كرامتي بالدرجة الأولى، وسيجعلني أبدو قزما في نظر التي أحبها، وحتما ستتفنن في تعذيبي، فلماذا أفتح على نفسي هذا الباب؟ حينما أحب واحدة، سأرسل والدتي لتطلبها لي، وبعدها ستصير زوجتي، وسأخبرها بأنني من اختارها وكفى”، هذا كان رأي شاب يشارف على استقبال العام الجديد 2013 معنا، رفض الإفصاح عن اسمه في الحب، و هو رأي الكثيرين مثله.

مقالات ذات صلة