الرأي

لماذا لا تَرى مُدننا الجديدة النور؟

محمد سليم قلالة
  • 3490
  • 0

كان للجزائريين حُلم منذ الاستقلال أن‮ ‬يُنشئوا مُدنًا جديدة تكون رمزا للجزائر التي‮ ‬استعادت سيادتها‮. ‬وبَدَا وكأن هذا الحلم سيرى النور مع نهاية السبعينيات عندما تم التفكير في‮ ‬عاصمة جديدة للبلاد في‮ “‬بوقزول‮”‬،‮ ‬وتعطَّل هذا الحلم إلى بداية الألفية الثالثة عندما صدرت مراسم إنشاء‮ ‬05‭ ‬مدن جديدة وليس فقط مدينة واحدة،‮ ‬إلا أنها جميعا لم تر النور بعد،‮ ‬لماذا؟

في‮ ‬سنة‮ ‬2004‮ ‬صدرت مراسيم إنشاء كل من المدن التالية‮: “‬بوقزول‮”‬،‮ “‬سيدي‮ ‬عبد الله‮”‬،‮ “‬باينان‮”‬،‮ ‬وفي‮ ‬سنة‮ ‬2006‮ ‬صدر مرسوم إنشاء مدينة‮ “‬حاسي‮ ‬مسعود‮” ‬الجديدة،‮ ‬وفي‮ ‬سنة‮ ‬2007‮ ‬صدر مرسوم إنشاء مدينة‮ “‬المنيعة‮” ‬الجديدة‮.. ‬وسواء كانت تابعة لوزارة البيئة وتهيئة الإقليم أو إلى أكبر شركة وطنية في‮ ‬الجزائر‮ (‬سوناطراك‮) ‬ـ مدينة حاسي‮ ‬مسعود فقط ـ فإن هذه المدن لم تر النور بعد،‮ ‬مازالت في‮ ‬بدايتها الأولى،‮ ‬أو كمشاريع على الورق فقط ـ المنيعةـ رغم وجود هيئات تسيير رسمية عبارة عن مؤسسات مستقلة ماليا،‮ ‬ورغم وجود اتفاقيات شراكة دولية في‮ ‬أكثر من مجال مع فرنسا وألمانيا وغيرهما‮.‬

هل عجزت الجزائر عن إنجاز مشاريع تكون في‮ ‬حجم إقليمها العملاق؟ هل أصبح رجالها اليوم‮ ‬غير قادرين على أن‮ ‬يكونوا في‮ ‬مستوى عظمة رجال نوفمبر الذي‮ ‬افتكّوا الاستقلال من المستعمِر الغاشم وحرروا هذا الإقليم؟ هل هي‮ ‬الإمكانات التي‮ ‬تنقص؟ أم الإرادة السياسية؟ أم الرشادة في‮ ‬الحكم؟ وما الذي‮ ‬يدفع بنا إلى الإنفاق على الكماليات وعلى إعادة إحياء القديم المترهّل،‮ ‬وتبديد ملايير الدولارات في‮ ‬آلاف المهام الجزئية التي‮ ‬لا تترك أية آثار على المستقبل،‮ ‬ولا تفتح الطريق نحو آفاق جديدة؟

‭هنا تتجلى بوضوح كبير مسألة انعدام الرشادة في‮ ‬الحكم،‮ ‬ويتجلى تبديد الأموال العمومية في‮ ‬مشاريع فرعية‮ ‬غير نافعة وغير مُنشئة للتنمية المستدامة التي‮ ‬تستفيد منها الأجيال القادمة‮. ‬ويُصبح الحديث عن صرف أموال طائلة في‮ ‬مشاريع لم تر النور مسألة قابلة للتصديق‮.‬

لقد كان التفكير في‮ ‬إنشاء مدن جديدة‮ ‬يسعى إلى تحقيق أهداف ذات أبعاد استراتيجية بحق،‮ ‬مثل‮: ‬جعل الإقليم الجزائري‮ ‬إقليما مستداما،‮ ‬تعيش فيه الأجيال الحاضرة بخير،‮ ‬وتترك الفضاء أوسع للأجيال القادمة،‮ ‬وإيجاد توازن بين مناطق الجزائر المختلفة،‮ ‬فلا‮ ‬يبقى الشريط الساحلي‮ ‬الذي‮ ‬يمثل‮ ‬4‮ ‬بالمائة من مساحة الإقليم‮ ‬يستقطب‮ ‬65‮ ‬بالمائة من السكان،‮ ‬وتوفير شروطٍ‮ ‬ملائمة لجلب السكان إلى الداخل بزيادة تنافسية الأقاليم الداخلية،‮ ‬فضلا عما‮ ‬يحققه كل هذا مما‮ ‬يمكن أن نُسمِّيه بالعدالة الإقليمية‮… ‬

كل هذه الأهداف كانت مُسطَّرة من البداية وهي‮ ‬بلا شك ذات أبعاد مستقبلية حقيقية لو تم إنجازُها أو كان العمل جارياً‮ ‬بحق لإنجازها في‮ ‬حدود سنة‮ ‬2025‮ ‬كما حددت ذلك الاستراتيجية الوطنية لتهيئة الإقليم المصادَق عليها في‮ ‬البرلمان الجزائري‮ ‬سنة‮ ‬2010‭ ‬والتي‮ ‬أنفقت البلاد مبالغ‮ ‬ضخمة لإعدادها بتجنيد مئات الخبراء الجزائريين وبالتعاون مع خبرات أجنبية تمتلك الخبرة اللازمة في‮ ‬مجال الاستشراف الاستراتيجي‮ ‬للأقاليم‮.‬

وفضلاً‮ ‬عن هذه الأهداف ذات الطبيعة العمرانية،‮ ‬تضمّن مشروع المدن الجديدة أهدافاً‮ ‬اقتصادية تتمثل في‮ ‬إنشاء مناطق صناعية وتجارية وإنتاج فلاحي‮ ‬تساهم في‮ ‬توفير190‮ ‬ألف منصب شغل في‮ “‬بوقزول‮”‬،‮ ‬و75‮ ‬ألف منصب شغل في‮ “‬سيدي‮ ‬عبد الله‮” ‬وعشرات الآلاف من مناصب الشغل في‮ ‬المناطق الأخرى بحسب قدرتها على الاستيعاب،‮ ‬فالمنيعة وباينان ستتخصصان في‮ ‬مجال الخدمات السياحية والرياضية والأعمال،‮ ‬وباقي‮ ‬المدن سيكون توجّهها أكثر نحو الإنتاج الصناعي‮ ‬والنشاطات التجارية‮.‬

وأكثر من هذا،‮ ‬فإنه تم تصوّر اختصاصات علمية لهذه المدن وتم ربط علاقة مع شركاء أجانب لتطوير هذا الجانب،‮ ‬فكان‮ ‬يُفترض أن تصبح‮ “‬بوقزول‮” ‬بشراكة ألمانية،‮ ‬مدينة الفلاحة البيئية،‮ ‬والطاقات المتجددة،‮ ‬والبناءات المقتصدة للطاقة،‮  ‬الصناعات المتحكمة في‮ ‬النفايات‮… ‬وتم التفكير في‮ ‬إنشاء أربعة مراكز بحثية كبرى في‮ ‬هذه المجالات تستقطب نخبة الباحثين الوطنيين والأجانب‮. ‬كما كان‮ ‬يُفترض أن تُصبح سيدي‮ ‬عبد الله المركز المتخصص في‮ ‬التكنولوجيات المتقدمة،‮ ‬والبحث العلمي‮ ‬في‮ ‬أطواره المتخصصة مع اهتمام خاص بالتقنيات المتطوّرة في‮ ‬مجال أمراض الأوعية والشرايين والعلوم الطبية والصيدلة‮… ‬أما‮ “‬بوينان‮” ‬فكان‮ ‬يُفترض أن تتخصّص في‮ ‬البيو تيكنولوجيا،‮ ‬وحاسي‮ ‬مسعود في‮ ‬المحروقات،‮ ‬والمنيعة في‮ ‬كل ما تعلق بالسياحة والإنتاج في‮ ‬المناطق الصحراوية‮…‬

كلّ‮ ‬هذا حدث،‮ ‬ولا‮ ‬ينكر أحدٌ‮ ‬الجهد الكبير الذي‮ ‬ساهمت به الكفاءات الوطنية لإعداد هذا المشروع المستقبلي‮ ‬الذي‮ ‬بلا شك كان بإمكانه أن‮ ‬يصنع مفخرة الجزائر في‮ ‬بداية هذا القرن،‮ ‬خاصة وأن جميع الشروط الموضوعية المالية كانت متوفرة لتحقيقه وفي‮ ‬الآجال المحددة‮. ‬ما الذي‮ ‬جعله‮ ‬يراوح مكانه ولا‮ ‬يتحقق؟ ما الذي‮ ‬يجعلنا اليوم نتحسّر على أننا لم نتقدّم في‮ ‬إنجازه وقد شحّت الموارد المالية ولم‮ ‬يعد بالإمكان الإنفاق عليه كما كُنا قبل‮ ‬10

‬بدل التفكير في‮ ‬05‮ ‬مدن،‮ ‬لِمَ‮ ‬لا نفكر في‮ ‬10‭ ‬أو أكثر؟ لِمَ‮ ‬لا نفكر في‮ ‬تجديد كافة مدننا انطلاقاً‮ ‬من نظرة مستقبلية تمتد إلى الـ100‮ ‬سنة القادمة؟ ولكن قبل ذلك‮ ‬ينبغي‮ ‬أن نعتمد آليات جديدة في‮ ‬مجال البناء السياسي،‮ ‬غير مرتشية ولا مزيفة‮.‬‮ ‬سنوات؟

هنا تتجلى بوضوح كبير مسألة انعدام الرشادة في‮ ‬الحكم،‮ ‬ويتجلى تبديد الأموال العمومية في‮ ‬مشاريع فرعية‮ ‬غير نافعة وغير مُنشئة للتنمية المستدامة التي‮ ‬تستفيد منها الأجيال القادمة‮. ‬ويُصبح الحديث عن صرف أموال طائلة في‮ ‬مشاريع لم تر النور مسألة قابلة للتصديق،‮ ‬ويتجلى بوضوح الأثر الكبير للعامل السياسي‮ ‬في‮ ‬العوامل الأخرى‮.‬

ونصل بشكل واضح إلى النتيجة التي‮ ‬تفرض نفسها‮: ‬أن أهم عامل له أثر على مستقبل البلاد هو العامل السياسي،‮ ‬وأن أي‮ ‬إصلاح لا‮ ‬يأخذ بعين الاعتبار تجديد النخبة السياسية لا‮ ‬يمكنه أن‮ ‬يحقق نتيجة‮. ‬إن مشكلتنا في‮ ‬الجزائر لا تتعلق بعجز الكفاءات الوطنية في‮ ‬الداخل أو في‮ ‬الخارج على تقديم الأفكار القادرة على التأثير في‮ ‬المستقبل وتغييره،‮ ‬إنما تَكمن في‮ ‬ضعف النخبة السياسية‮ ‬غير القادرة على استيعاب هذه الأفكار وتحويلها إلى واقع،‮ ‬وأحيانا إلى فساد هذه النخبة السياسية الناتج عن الجهل والاستلاب الثقافي،‮ ‬وأحيانا فسادها في‮ ‬جميع المجالات المالية والأخلاقية وابتعادها عن الخط الوطني‮ ‬وضعف القناعة لديها في‮ ‬امكانية بناء دولة قوية انطلاقا من القدرات الوطنية‮. ‬يبدو لي‮ ‬أن مشكلتنا هي‮ ‬هذه،‮ ‬وهذا ما‮ ‬يفسّر بقاء مشاريع عملاقة كالمدن الكبرى تراوح مكانها منذ قرابة النصف قرن‮.‬

ولتجاوز هذه المشكلة ـ العقبة،‮ ‬وما أدراك ما العقبة،‮ ‬ليس أمامنا سوى تجديد رؤيتنا المستقبلية في‮ ‬كافة المجالات،‮ ‬وبدل التفكير في‮ ‬05‮ ‬مدن،‮ ‬لِمَ‮ ‬لا نفكر في‮ ‬10‮ ‬أو أكثر؟ لِمَ‮ ‬لا نفكر في‮ ‬تجديد كافة مدننا انطلاقاً‮ ‬من نظرة مستقبلية تمتد إلى الـ100‮ ‬سنة القادمة؟ ولكن قبل ذلك‮ ‬ينبغي‮ ‬أن نعتمد آليات جديدة في‮ ‬مجال البناء السياسي،‮ ‬غير مرتشية ولا مزيفة تُمكِّن المواطنين بالفعل من تجديد نخبتهم السياسية التي‮ ‬ستتحلى بالكفاءة والقيم،‮ ‬والتي‮ ‬وحدها تستطيع إعادة بناء جزائر الغد‮…‬

مقالات ذات صلة