لماذا لا نكرههم؟!
ماذا كان يتوقع الغربيون أن تكون مشاعر العرب والمسلمين فيما هم يرون الجيوش الأوربية تجتاح بلاد الشام وتقتطع فلسطين لتهديها للعصابات الصهيونية؟ ماذا كان ينتظر الغربيون وهم يرون جيوشهم التي ينفق عليها من ضرائبهم وأموالهم تقتل ملايين العرب في العراق وسورية وليبيا والصومال؟ وماذا كان على العرب والمسلمين أن يفعلوا وهم يرون قدسهم والمسجد الأقصى تُنتهك حرماته وتهوَّد معالمه بغطاء غربي أمريكي صارخ؟
أكثر من قرنين والهجوم الغربي يحاول المرة تلو الأخرى أن يكسر إرادتنا في الحياة ويصب على مدننا ألاف الأطنان من الديناميت ويحرق مكتباتنا ويسوي بالأرض تراثنا ويحوّل عواصمنا إلى خراب، وفي هذه الفترة الزمنية القاسية حاولنا كثيرا وطويلا أن لا ننزلق إلى العنصرية والعنف، وظلت دعوات الإنسانية لدينا هي الغالبة ونداءات السلم الدولي هي الراجحة.. وما كان ذلك يزيده إلا عتوا وغطرسة وعنجهية إلى فعلِ كل ما من شأنه الإساءة إلينا معنويا وماديا.
هل مفيد الآن سرد المجازر التي ارتكبها الغربيون ضدنا على طول وعرض وطننا العربي وعالمنا الإسلامي؟ وهل يتوقع الغربيون أنه من الوارد نسيان دمائنا وألام اليتم التي ضربت بقوة في مجتمعاتنا الوادعة العزلاء؟ إنهم يكونون أغبياء إن ظنوا أن ذاكرة الشعوب تخبو أو تضمحل.. فما الذي يدفعهم إلى كل ما يفعلون؟ لعلهم أصيبوا بالعمى فلم يروا أن هناك فرقا كبيرا بيننا والهنود الحمر، أو أن هناك فرقا كبيرا بين القلب والأطراف في أمتنا.
صحيح إنهم فعلوا فعالهم الدنيئة العنصرية، ولكننا كما يعلمون هم أيضا لم نقف في مواجهتهم مكتوفي الأيدي بل جالدناهم واذلينا غرورهم في واقعات كثيرة وجعلنا ترساناتهم الحربية أضحوكة للتاريخ، فسلهم ماذا فعل بهم الأمير عبد القادر الجزائري في صولاته وانقضاضه على جيوشهم، وسلهم ماذا فعلت بهم الثورة الجزائرية التي أشعلت النار تحت أقدامهم فلم يجدوا سبيلا إلا الهروب، وسلهم ماذا فعلت بهم المقاومة العراقية الباسلة التي سجلت ضدهم يوميا ألف عملية عسكرية، وسلهم عن غزة ياتيك اليقن وجنوب لبنان ومقاوماته الباسلة.. لم نرفع راية بيضاء لجيوشهم وبطشهم بل قاومنا بكل إرادة ورجولة فكانت الأيام بيننا وبينهم سجالاً.. فما كان لهم أن يغتروا ويستمروا في ممارسة غطرستهم لأن الأيام دول.
لماذا نكرههم؟ وإن كان السؤال الأكثر موضوعية: لماذا لا نكرههم؟ إنها القدس والأقصى عقيدة مليار ونصف المليار مسلم، وهي الحق الأبدي للشعب الفلسطيني والعرب والمسلمين، وإنها تاريخ آلاف السنين من الحضارة والإنسانية والأنبياء، حيث لم تكن أوربا سوى قطعان همج متخلفين ولم تكن أمريكا شيئا مذكورا..
ومع هذا كله تجد المخدوعين الموهومين المغرر بهم يقدِّمون للإدارات الغربية آيات الود والانسجام وهم يتلقون الصفعات الواحدة تلو الأخرى.. أما أمتنا التي لها موعد مع الانتصار والنهوض فإنها لا ترى في إدارات الغرب وأمريكا على رأسهم إلا قوى شريرة طاغوتية لا تفكر إلا بالشر والظلم والعدوان.. وتعرف أمتنا العظيمة كيف تجازي الظلمة والطواغيت.. وسيعلم الظالمون أي منقلب ينقلبون.