لماذا لا نوقف لعبة كرة القدم؟
عندما سالت دماء الأوروبيين في مباراة هايسل الشهيرة في نهائي كأس أوربا للأندية بين ليفربول الإنجليزي وجوفنتوس الإيطالي عام 1985 لم تنتظر رئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر ما تقرره الاتحادية الأوروبية لكرة القدم وأعلنت بعد ثوان من الكارثة قرارها الحديدي بمعاقبة الفرق الإنجليزية لمدة خمس سنوات كاملة بحرمانها من الظهور على المستوى الأوروبي…
-
فحرمت جيلا من اللاعبين المبدعين من التألق على المستوى العالمي وأضاعت أنجلترا لزمن وليس لكل الأزمان ريادتها الكروية على المستوى العالمي وحرمت جمهورها من حماس اللعبة لبضع سنوات وليس لكل السنوات، وقادت بنفسها ثورة أخلاق فاجأت العالم بعد عودة الأندية الإنجليزية إلى المنافسة الأوروبية من خلال تحويل الملاعب إلى مسارح راقية لا يختلف فيها متفرج مباراة الأرسنال عن مستمتع بسنفونية بيتهوفن، ولا يختلف الذاهب إلى ملعب وامبلي عن الذاهب لمعرض للفنون التشكيلية، فقامت السلطات الإنجليزية بنسف الحواجز الفاصلة بين اللاعبين والمتفرجين، وسحبت رجال الشرطة من بعض المقابلات وصار كل من يدخل ملاعب الإنجليز فهو آمن ومستمتع بلعبة وُجدت من أجل جمع الناس وإفراحهم بعد أسبوع من العمل ومن الجهد..
-
حدث هذا في بلد قهر العالم على مدار قرون ومازال يستعمر بلدانا في كل القارات فكان ومازال بلدا لا تغرب عنه الشمس ولا تغرب عنه الكرة، وتبعه الأوروبيون وبلدان كثيرة تمكنت من تحويل اللعبة إلى ملتقى أسري واجتماعي حتى أن المواعيد صارت تُضرب في الملاعب، ونجحت بعد ذلك بلدان سبقناها في تنظيم التظاهرات الكبرى وتحقيق النتائج العالمية في كسب ودّ العالم وتنظيم المنافسات الكبرى مثل جنوب إفريقيا وقطر، وبقينا لحد الآن لا نعجز فقط عن تنظيم مباراة نظيفة وإنما عن الوصول بها إلى برّ الأمان، ما حدث زوال أمس بالعاصمة وما صار يتكرّر في كل المدن الكبيرة والصغيرة من أحداث عنف طالت المتاجر والسيارات والمساكن وحتى مقرات الصحف يدفعنا للسؤال عن الفائدة التي جنيناها من البطولات الكروية التي تتوالى في كل موسم وتتشابه في مستواها الفني والأخلاقي دون أن يتفق إثنان في الجزائر على أن الكرة عندنا هي رياضة ومتعة وراحة بال..
-
وحتى لو سألت أي لاعب جزائري عن مستوى اللعبة عندنا، سيقسم لك بأنها مزيج بين رداءة الأداء وسوء الأخلاق إلا في النادر من الأحيان، مباريات تباع أمام الملأ، ورؤساء أندية يتعاملون مع اللعبة كما يتعامل “المكّاسة” في الأسواق الشعبية ولاعبون يُرابون فيقبضون الملايير ويقدمون رقصات مملة طوال السنة، وجمهور جعل من اللعبة أخطر من لعبة البوكير على طاولات القمار والدخول إلى الملعب أخطر من دخول الحانات، حيث لا لقاء بين الأشقاء والأصدقاء، بل وحتى بين البسطاء من الناس.. الغريب أن الجزائريين جميعا يطلّون من شرفة الفضائيات ويتفرجون على ما يجري في بلدان بعضها لعب الكرة بعد أن شبعنا نحن من المشاركة في كأس العالم دون أن يقلدوها، والغريب أيضا أن ما تنفقه الدولة على اللعبة لا تنفقه على الأطباء والمهندسين والمحامين والأئمة والمعلمين ومع ذلك نحوّلها في كل جمعة إلى كابوس مرعب، والأغرب أن لا أحد بإمكانه إصدار قرار توقيف هاته اللعبة التي منحناها كل شيء ولم تمنحنا أي شيء.