لمن تحشد جموعُ الروم؟
فيما كان المسلمون منشغلين بأحداث مكة المأساوية وعيد الأضحى، كانت تُحضر لهم مأساة أخرى في قلب الكريملين، في لقاء خاص بين بوتين والصهيوني نتنياهو، ليُتكشف جزءٌ من الحلف الخفي الصهيوني الروسي، بصدور بيان رسمي يعلن التنسيق العسكري بينهما في سورية والمنطقة، بعد أن كشفت التقارير الغربية عن انتهاء الروس من بناء قاعدة جوية كبيرة في اللاذقية.
وفيما كانت أوروبا تشغلنا بحملة مركبة حول المهاجرين، كان قادتها يحضرون لتسويق موقفٍ جديد، انتقل بهم من الدعوة إلى رحيل الأسد، إلى القول باستحالة مواجهة “داعش” خارج مشاركته، متساوقين مع موقف أوباما، وبدا أن حكام أوروبا هم مجرّد خدم عند الإمبراطور الأمريكي لا يعصون له أمرا، وقد لحق بهم أردوغان التركي، وربما قد نشهد التحاق قادة الخليج.
ومع هذا الانقلاب في المواقف، والتقارب بين الأعداء التقليديين، يُفترض بنا أن نعيد النظر في الأساطير التي صُنعت لنا حول “داعش” ككيان “صنعته” أمريكا تارة، وإسرائيل تارة أخرى، ثم نبحث في مقدار التهديد الذي يشكله على هذه القوى العظمى.
ما نعلمه يقيناً أن تنظيم “داعش” نشأ كردة فعل للعرب السنة في العراق على تآمر الغزاة الأمريكيين وتحالفهم مع القوى الشيعية في المنطقة، كما كانت ردة فعل مماثلة لهم في سورية على التآمر الروسي الإيراني، المدعوم تحت الطاولة من الولايات المتحدة وأوروبا، ولا بأس وقتئذ أن يقال إن “داعش” هي صناعة أمريكية، أو روسية، أو إيرانية، أو إسرائيلية.
وما نعلمه يقيناً أيضاً أن “داعش” المحاطة من جميع الاتجاهات بأعداء، لا تشكل ذلك التهديد العسكري والأمني على قوى تتحكم في أسلحة الدمار الشامل، ولها السيطرة المطلقة في البحر والجو والفضاء، فما الذي يجعلها قوة تهديد خارقة، تملي على الولايات المتحدة وإسرائيل مراجعة قائمة الأعداء، وتتجاوز خلافاتها وخصوماتها ـ إن وُجدت أصلا ـ مع إيران وروسيا، أو تجبر الدب الروسي على التورط المباشر في أوحال الشام ورمال المشرق، مع خصم سبق لنظيرٍ له في أفغانستان أن تسبّب في تفكيك الإتحاد السوفييتي؟
لقد انكشف لشعوب المنطقة بداية بناء تحالف بين القوى الأربع التي استعدت المنطقة من المحيط إلى الخليج: الغرب، والكيان الصهيوني، وإيران، والروس، لم يعد للشعوب من خيارات.
إخواننا الشيعة حسموا أمرهم، وهم اليوم في قلب هذا التحالف، يقاتلون في الخطوط الأمامية، وقد غيّروا بوصلة “الممانعة” من قبلة: “الموت لإسرائيل ـ الموت لأمريكا” إلى إعلاء شعار الموت لـ”التكفيريين” ومثلهم فعلت مصر بإحكام الحصار على أهل غزة، وفتح النار على أهلهم في سيناء، فيما انصرف أهلُ الخليج إلى صرف فائض القوة في اليمن، حتى لا يحرجون حين تنطلق صيحات “وا معتصماه” من حلب، والرقة، والموصل، والرمادي، ساعة بداية المذبحة الكبرى التي أنشئ من أجلها هذا التحالفُ العالمي، الذي لم يتحقق حتى لمحاربة الظاهرة النازية والفاشية منتصف القرن الماضي، وهو أقرب لما تعِدُ به أسطورة معركة “هرمجدون” التوراتية.